الرئيسية | الحديقة الأدبية | العابـثــــون

العابـثــــون

نجوى إسماعيل/

اهتزَّت الأرض، وسقَط السقف، وتشقَّقَت الجدران، وتكسَّرت المائدة، وهوَتْ خزينة الملابس على السَّرير، وتبعثرَتْ أشيائي، كل أشيائي؛ دُمْيتي التي حاكَتْها لي أمِّي عندما كان لي عامان، سُبْحَة جدِّي التي أخذتُها من يده وهو يُنازع الموت، وانشغل كلُّ محبِّيه عنها وعنِّي، ولَم يروني، ولَم يروا سُبْحته، وكتابه الذي يضعه بجوار رأسه عند النَّوم.
أخذتُهما وهربت بهما من الغرفة، ووضعتُهما في صندوقي الذي أخفيه عن أخي الأكبَر؛ فهو أيضًا له صندوقه، وله أشياؤه التي يحتفظ بها فيه، وكلانا يتَنافس على مَلْء صندوقه أسرعَ مِن الآخَر بكلِّ غالٍ ونَفيس، هذه سجَّادة جدتي، وحافظة نقودها، أرى شراشيبَها تتدلَّى من طرف صندوق أخي، وهذه نظَّارة جدي التي لَم يرَنا أحدٌ ونحن نتنازع عليها، ويحرص كلانا على الاحتفاظ بها.
أمَّا صورته أثناء دراسته وهو يرتدي جُبَّته وقفطانه التي يحتفظ بها أبي في دولابه، فكنت أتمنَّاها لنفسي.
مضى وقتٌ طويل دون فَتْح صندوقي، ورؤية محتوياته؛ سُبحته.. صورته.. نظَّارته.. كتابه.
كتابه.. آه! لقد أضعتُ سنين طويلة، دون أن أقرأ سطور كتابه، وعندما غافلَنِي أخي الأكبر، ووجدتُ كتابي بين يديه، لَم أمهله، وأخذتُه منه، وسارعت بإخفائه في أبعد مكان للصُّندوق.. هناك تحت السُّبحة والصُّورة والنظَّارة، وكل يوم يمضى أخشى فيه فَتْح الصندوق، وإخراجَ الكتاب؛ حتَّى لا يراني أحد فيأخُذَه منِّي ويحرمني متعة امتلاكه، ولا أنسي ذلك اليوم الَّذي بكي فيه أخي، وبكيت معه، وكلانا يدَّعي أنَّ محتويات صندوقه أقلُّ من محتويات صندوق الآخَر، ولَم يُوقِفْ صراعَنا وصُراخنا، إلاَّ صوتُ أبي هادرًا: (هتسكتوا ولا أرمي الصناديق في البحر؟).
البحر! يُلقي بهم في البحر.. كَنْزي.. أحلامي.. ممتلكاتي، لا!
ابتلعتُ ريقي، واحتضنت صندوقي، وتدثَّرتُ بغطائي، ونمت نومًا طويلاً حتَّى استيقظت هذا اليوم؛ لأجد كلَّ شيء مبعثرًا؛ صندوقي وصندوق أخي تكسَّرا! وتبعثرَت محتوياتهما، هكذا كل شيء ملقًى ومبعثَر لِعَبث أيِّ عابث، انكسر باب الغرفة، وفي لحظة قد تَدْخل عترات الشَّارع، أحاول القيام بسرعةٍ؛ للملمة كلِّ شيء لأضَعه مرَّة أخرى في صندوقي، وهذه المرة لن أُؤجِّل قراءة كتاب جدِّي؛ فها أنا أراه هناك.. أرى صفحة من صفحاته هناك، أسفل الدولاب، وثاني صفحة منه سقطَ عليها طبق الفاكهة، والثالثة هناك عند باب الغرف المفتوح من مكانٍ أستطيع قراءة كلمات أوَّل صفحة كتب فيها جدِّي: «تركتُ لكم…» حتَّى الآن لم أنهض؛ لِجَمع أشيائي.
آه! لا أستطيع، كُسِرَت ساقي.
وملأ الدَّم فِراشي، والعابثون لا محالة.. لا محالةَ قادمون.

عن المحرر

شاهد أيضاً

قطوف من رائعة الأجنحة المتكسرة/ الكآبــــــــــــة الخرساء

أنتم أيها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه، متأسفين على انقضائه، أما أنا فأذكره …