الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | شفقـة النبي – صلّى الله عليه وسلّم – وحرصـه على أمتـه

شفقـة النبي – صلّى الله عليه وسلّم – وحرصـه على أمتـه

د. يوسف جمعة سلامة*/

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَن جَابِرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلّى الله عليه وسلّم- : (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا, فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا ، وَهوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي) (1).
هذا حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، باب شفقته – صلّى الله عليه وسلّم – على أمته، ومبالغته في تحذيرهم مِمَّا يضرّهم.
مِنْ أجمل وأعذب الوسائل التي نلجأ إليها كُلَّمَا ضاقت النفس، هي قراءة ودراسة سيرة نبينا محمد – صلّى الله عليه وسّلم-، فقراءة ودراسة السيرة النبوية تُعطينا قوة وطمأنينة، وعند دراستنا للحديث السابق يتضح لنا مدى شفقة رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – وحرصه على هداية أمته وإنقاذها من النار؛ كي تنجو وتصل إلى بَرِّ الأمان، وهذا ما يجب على الدّعاة أن يتحلوا به كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}(2).

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
لقد أرسل الله سبحانه وتعالى رسوله – صلّى الله عليه وسلّم – لإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، فكانت بعثته – صلّى الله عليه وسلّم – رحمة للعالمين ، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(3)، ومن الجدير بالذكر أنّ سُور القرآن الكريم مُفتتحة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقد جاء في الحديث الشريف أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم– قال: (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ)(4)، وقد بلغت الرحمة نسقها الأعلى في شخصية النبي – صلّى الله عليه وسلّم – الذي أرسله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، فكانت سيرته مع الناس نموذجاً للرّقّة واللطف والسماحة والعطف والشّفقة.
أُمتــي… أُمتــي
من المعلوم أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- مُحِبٌ لأمته، ناصِحٌ لها، مُشْفِقٌ عليها، كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ- عَلَيْهِ السَّلام- فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلام- فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ تعالى، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ- عَلَيْهِ السَّلام- فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى- عَلَيْهِ السَّلام- فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيُؤْتَى مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلام- فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى – عَلَيْهِ السَّلام- فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيُؤْتَى عِيسَى- عَلَيْهِ السَّلام- فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا ،فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ تعالى، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ : يا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي) (5).
دعاءُ النبي – صلّى الله عليه وسلّم- لأمته وبكاؤه شفقةً عليها
لقد كانت شفقته – صلّى الله عليه وسلّم- على أمته بالمقدار الذي لا يُمكن وصفه، حيث بكى- عليه الصلاة والسلام- شفقةً عليها، وهذا يُبين مدى شفقته وحرصه – عليه الصلاة والسلام – على أمته ، كما جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ – رضي الله عنهما-( أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَلا قَوْلَ اللَّهِ تَعالى فِي إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلام -:{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِن النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } الآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلام-: { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَاسْأَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلام – فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا قَالَ. وَهُوَ أَعْلَمُ ، فَقَالَ اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ : إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ )(6).
حرص النبي – صلّى الله عليه وسلّم- على أُمته مِنْ بعده
لقد كان رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – يخاف على أمته التي ستأتي من بعده ، ويرجو لها النجاة والسلامة و الخير والسعادة،كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَتَى الْمَقْبرَةَ فَقَالَ : (السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا ) ( 7).
بُشرى نبوية
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ ، فيَقُولُ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ أُرَاهُ قَالَ: تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ، «وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ «، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا ) (8).
هكذا بَشَّر الرسول الكريم – صلّى الله عليه وسلّم – أصحابه- رضي الله عنهم أجمعين-، بعد أن اشتدَّ عليهم الأمر، ووقعت منهم الكآبة، كما بَشَّر أمته برحمة الله بهم ، حيث جعل نصيبهم في الجنة أكثر من غيرهم من الأمم، وهذا فضل من الله ونعمة.
ومن خلال دراستنا للسيرة النبوية الشريفة نجد أنه – صلّى الله عليه وسلّم – كان لَيِّنَ الجانب، نقيّ السريرة، حسن المعاملة، يُرغّب الناس في رحمة الله، كما كان- صلّى الله عليه وسلّم- مُشْفِقاً على الناس جميعاً، فعندما خرج – صلّى الله عليه وسلّم – من مكة المكرمة مُتوجهاً إلى الطائف، وهناك رجمه سفهاؤهم وشتموه حتى سال دمه الشريف، فقال له المَلَكُ: «أَأُطْبِقُ عليهم الأخشبين؟» ، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» وفي رواية «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعلَّ الله يُخْرج من أصلابهم مَن يُوَحِّد الله «، وفعلاً استجاب الله دعاء نبيه وحبيبه – صلّى الله عليه وسلّم – ، وخرج من أصلاب هؤلاء رجالٌ يعرفون الله حقّ المعرفة، فقد خرج من صُلب أبي جهل عدوّ الله اللدود الصحابي الجليل عكرمة، وخرج من صُلب أمية بن خلف الصحابي الجليل صفوان، وخرج من صُلْبِ الوليد بن المغيرة سيف الإسلام خالد، فهذا هو منهجه – صلّى الله عليه وسلّم– في دعوة الناس إلى الحق وشفقته بهم وحرصه عليهم.
فأيّ رحمة هذه؟ إنها رحمة الحبيب – صلّى الله عليه وسلّم – بالناس جميعاً، فلماذا لا نتراحم فيما بيننا:{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ }(9)، لماذا لا يرحم
القويّ الضعيف، والغنيّ الفقير، ونكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحُمّى؟.
هذا هو نبينا – صلّى الله عليه وسلّم – الذي أرسله ربّه رحمة للعالمين، فعلينا أنْ نسيرَ على هديه، ونتبعَ منهجه، حتى نكون من السعداء في الدنيا والآخرة.
وصلّى الله على سيّدنا محمد y وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الهوامش:
1- أخرجه مسلم،2- سورة التوبة الآية (128)،3- سورة الأنبياء الآية (107)،4- أخرجه البخاري،5- أخرجه مسلم،6-أخرجه مسلم، 7- أخرجه مسلم،8- أخرجه البخاري9- سورة الفتح الآية (29).

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

ووصينا الإنسان بوالديـــــه

د. يوسف جمعة سلامة*/ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ …