الرئيسية | وراء الأحداث | الدكتـــور عبــد الله شريــط الفيلســوف الـمناضــل

الدكتـــور عبــد الله شريــط الفيلســوف الـمناضــل

أ. عبد الحميد عبدوس/

عن عمر ناهز تسعة وثمانين عاماً رحل المجاهد الأستاذ الدكتور عبد الله شريط، أحد أهم كتاب الفكر السياسي والتحليل الاجتماعي في الفكر المعاصر، لقد كان الراحل متنوع الثقافات والاختصاصات ومتعدد المواهب، عميق الثقافة، مرهف الشعور، فهو فيلسوف وعالم اجتماع ومؤرخ وشاعر ومترجم وناقد وصحفي وفقيه ديني.
ولد عبد الله شريط ببلدية مسكيانة أم البواقي بالشرق الجزائري سنة 1921، التحق في صباه بكتاب القرية لحفظ القرآن الكريم، وبدأ تعليمه الابتدائي بمدرسة فرنسية في مسكيانة سنة 1927م، انتقل إلى تبسة سنة 1932 وهناك درس بمدرسة جمعية العلماء (تهذيب البنين) على يد الشيخ العربي التبسي، رحمه الله، توجه إلى تونس سنة 1938 ودرس فيها سنة واحدة، ثم توقف بسبب الحرب العالمية الثانية، ولما انتهت الحرب سنة 1945 عاد مرة أخرى إلى تونس وأنهى دراسته بجامع الزيتونة ونال شهادة التطويع سنة 1946، واصل الدراسة سنة 1947 بالجامعة السورية بكلية الأدب قسم الأدب العربي لكن تحول إلى قسم الفلسفة بنفس الجامعة وقد تخرج منها بشهادة الليسانس في الفلسفة سنة 1951. التحق سنة 1955 بالبعثة السياسية لجبهة التحرير الوطني في الخارج، أسندت له مهمة الترجمة من اللغة الأجنبية إلى اللغة العربية. بعد إصدار جريدة (المقاومة) ثم جريدة (المجاهد) لسان حال جبهة وجيش التحرير الوطني، تولى تحرير الافتتاحية والتعليق وترجمة المقالات المنشورة في الصحافة الدولية عن الثورة الجزائرية، وظل يمارس هذه الوظيفة حتى فجر الاستقلال سنة 1962، عاد إلى الجزائر في شهر أوت من نفس السنة في سبتمبر 1962 التحق بجامعة الجزائر وعمل أستاذا بقسم الفلسفة، فكان من مؤسّسي جامعة الجزائر المستقلة والعاملين على تعريبها وتمكينها من تجاوز الإرث الاستعماري، حصل سنة1972م على شهادة الدكتوراه بأطروحة عن:« الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون »، أطر أجيالا من الطلبة وأشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه، وظل إطارا بالجامعة إلى آخر أيام حياته مدرسا للعلم والحكمة.
عرف بنضاله الفكري والسياسي في مرحلة التحرير الوطني ومرحلة بناء وتشييد الدولة الجزائرية، وساهم بمجهود وافر في نشر الثقافة الفلسفية والتربوية في علم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع التربوي، كما عرف عنه دفاعه الصلب والواعي عن اللغة العربية وخاض في سبيل الدفاع عن مكانتها معارك فكرية دون عداء اللغات الأجنبية
كتب مقالات شهيرة على صفحات جريدة «الشعب» الوطنية رداً على المفكر والوزير مصطفى الأشرف بخصوص سياسة التعريب والتعليم، وأحدثت مقالاته الجدالية ضجة كبيرة في أوساط المثقفين الجزائريين، كما اشتهر بحواراته في حصص إذاعية وتلفزيونية كان ينشطها مع المفكر الراحل عبد المجيد مزيان والمثقف الكبير الراحل الدكتور عبد الله الركيبي وشارك في إدارتها الإعلاميين عثمان شبوب ومصطفى عبادة المغتال من طرف الجماعات
المسلحة.
أغنى المكتبة الجزائرية والعربية بعدد من المؤلفات القيمة منها:« معركة المفاهيم» الذي صدر أول مرة في أواخر السبعينيات، وأُعيد طبعه سنة: 1981م قدم فيه مجموعة من الحوارات والمناقشات التي تركز على قضية إدراك المفاهيم بدقة. وكتاب:« من واقع الثقافة الجزائرية» الذي عالج فيه الكثير من القضايا والمشكلات التي تتصل بواقع الثقافة الجزائرية في فترة ما بعد الاستقلال وتناولها بأسلوب نقدي، وبكثير من الصراحة، مؤكداً أهمية اللغة الوطنية كمقوّم وطني يبني شخصية الفرد الجزائري. وكتاب:« نظرية حول سياسة التعليم والتعريب»، وقدم فيه رؤى معمقة عن قضية التعريب، والصراع الفكري في الجزائر بين أنصار اللغة العربية، وأنصار الفرنسة والتغريب، وكتاب « الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون»، الذي صدر ضمن سلسلة الدراسات الكبرى بالمؤسسة الوطنية للكتاب، وهو عبارة عن أطروحة جامعية لنيل درجة الدكتوراه، وله مجموعة شعرية بعنوان «الرماد»، تميزت قصائدها بالطابع الوجداني الرومانسي، وكتاب «الثورة الجزائرية في الصحافة الدولية» الذي غطى ما كُتب عن الثورة الجزائرية ما بين سنوات:1955-1962م في الصحافة العالمية، وقد صدر في ثمانية عشر جزءاً عن منشورات وزارة المجاهدين بالجزائر. كما ألف بالاشتراك مع الكاتب محمد الميلي كتاب:« مختصر تاريخ الجزائر السياسي والثقافي والاجتماعي».
في سنة 2007 وبمناسبة احتفالية الجزائر عاصمة للثقافة العربية صدرت أعماله الكاملة في طبعة فاخرة في سبعة مجلدات ضخمة عن وزارة الثقافة الجزائرية، احتوت جميع أعماله الفكرية وكتاباته الفلسفية التي ناقش فيها أهم قضايا الجزائر، والأمة العربية.
ومما قيل عن مساهماته الفكرية وخصاله الأدبية شهادة الدكتور محمد العربي ولد خليفة رئيس المجلس الأعلى للغة العربية سابقا التي قال فيها: «إن الدكتور شريط ينتمي إلى سلسلة ذهبية من رجالات التنوير الذين استوعبوا معطيات عصرهم ورهانات المستقبل، وأهم ما ميزه هو جمعه بين المدرسة الخلدونية والباديسية في انطلاقه من المنهجية الخلدونية لدراسة عدد من مواثيق الجزائر، وأخذه من الباديسية الكثير من أفكارها النهضوية والإصلاحية خاصة الجانب العملي منها الذي يتجنب الإفراط في التنظير والتجريد وفي الانعزال عن الناس».
وقال عنه الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:« بأي الكلمات أصفه لأفيه حقه من الموضوعية، بعيداً عن الذاتية التي ينبذها، وعن العاطفية، والمحسوبية التي نرفضها؟ أأصفه بالجبل في صلابة مواقفه وثبات مبادئه؟ أم أصفه بالنخلة في شموخه، وعلوه وخصوبة إنتاجه، وتسامحه مع مخالفيه؟ أم هل أقول عنه، بأنه البحر في موسوعية علمه، وسعة أفقه، وعمق مفاهيمه؟ يصعب أن تجد لأستاذنا عبد الله شريط، وصفاً جامعاً مانعاً يفي بخصائصه، وخصوصياته، فهو صيغة منتهى الأوصاف، وما ظنك بفيلسوف أخذ من الفلسفة منهاجاً فطبقه على كل اهتماماته العقلية، وأخذ من الأدب المقفى، والمسجوع سلاسة اللغة، وعذوبة الأسلوب، ومسحة الجمال، فانعكس كل ذلك على لغته الشاعرية والفلسفية. كما أخذ من الحكمة، والتسامح، والجدل بالتي هي أحسن، فسال ذلك على منهجه في الاختلاف، فكان عنده أدب الخلاف، الذي تحلى به أئمة الفقه…».

عن المحرر

شاهد أيضاً

مدينـــــة سبـــدو تكـــرم الشيــخ الراحـــل عمــار مطــاطــلـــة

أ. عبد الحميد عبدوس/ تم بمدينة سبدو بولاية تلمسان تكريم الراحل الشيخ المجاهد عمار مطاطلة …