الرئيسية | أعلام | مقالات | الـمرأة فــي قلـــب الاقـتـصـــاد الأخــضـــــــــــر

الـمرأة فــي قلـــب الاقـتـصـــاد الأخــضـــــــــــر

أحمد توفيق العلوي */

المرأة … يظل اسمها دائمًا مرتبطًا بكل الحضارات وكل المراحل التي عايشتها البشرية وستعيشها؛ ومازال التاريخ يُخلّدها، فهي لا تحمل فقط آلام وقسوة الأمومة الثّقيلة، والتي تحولها إلى “شرنقًا من الحرير النّاعم”، بل أصبحت أدوارها الرّياديّة تلمع في مختلف القطاعات عبر كل وحدة جغرافية من كوكبنا الفسيح. … فهي توأم البيئة؛ وكلاهما متشابه في عطائهم وإحسانهم للبشريّة وفي عطائهم لهذا الكوكب الشاسع.

 

يقول المُفكّر الجزائري المعاصر “مالك بن نبي”: “المرأة ليست كائنًا يعيش وحده ويطرح مشكلاته على هامش المجتمع، إنّها أحد قطبيه وقطبه الآخر الرّجل، ولا ينبغي لنا أن نتصوّر قطبًا ينفصل عن الآخر، ولو حدث هذا بفرض لا يتصوّره العقل فالمجتمع نفسه يتبخّر..، فالمرأة كإنسان يشترك في كلّ نتاج إنساني أو هكذا يجب أن تكون”.
فتُؤكّد الآراء الحديثة في التّنمية على أنّ نجاح نماذج التّنمية وضمان استدامتها وقدرة المجتمعات على مواجهة التّغيّرات العالميّة، مرهونٌ بمشاركة العنصر البشري بحُسن إعداده وتأهيله؛ فعلى ذلك الأساس تُعتبر المرأة عُنصرًا مهمًّا في عمليّة التّنمية، وعليه فلابدّ من تمكينها من أجل المساهمة الإيجابيّة في حركة التّنمية وتوجيهها، ويأتي في مقدّمتها الإنتاج الاقتصادي الذّي يضعها في موضع القوّة ويجعلها قادرة على خدمة مجتمعها، حيث يُعتبر عمل المرأة في المؤسّسات والشّركات تدعيم لقدراتها الاقتصاديّة كما يُعطي مؤشّرًا واضحًا على تفهّم المرأة لدورها في بناء المجتمع وقدرتها على المشاركة الحقيقيّة في التّنمية خاصّةً إذا ما أدركنا أنّ دورها في هذه المؤسسّات في تطوّر مستمرّ، نظرًا لما وصلت إليه المرأة من قدرة على الأداء.
ويُضيف الدّكتور “رفعت عبد الحليم الفاعوري” المدير العام للمنظّمة العربيّة للتّنمية الإداريّة بجامعة الدّول العربيّة في قوله..” احتلّت المرأة مكانة اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة ودينيّة متميّزّة في مختلف العصور، ولعبت دورًا فاعلاً في شؤون الحياة كما تباينت أهمّيّة وأشكال هذا الدّور وهذه المكانة بمختلف الأزمنة، ففي المراحل الأولى للتّاريخ كانت مكانة المرأة في مرتبة عالية جدًّا، وشكّل وجودها رمزًا من رموز الخير والإنتاج والخصوبة، كما ارتبط وجود المرأة مع الأرض المنتجة الخصبة التّي تُطعم البشر من خيراتها”، فقد تعدّدت أشكال تعظيم وتقديس المرأة على امتداد التّاريخ البشري، فقد بلغ تأهيلها بتمليكها كلّ السّلطة في تسيير شؤون الأسرة، وبدت المرأة منذ العصر الحجري للبشر قرينة الأرض، فكلاهما يمدّ البشريّة بالحياة والاستمرار فتجلّت الأرض بيدرًا مُقدّسًا لإنتاج الحياة؛ شأنها شأن أحشاء الأمّ..

اهتمام المؤتمرات الدّوليّة بالمرأة كعنصر هامّ  في التّنمية
تعهّدت مختلف حكومات الدّول من خلال كل المحطّات الدّبلوماسيّة التّي عُنيت بالمرأة وخاصّةً قمّة نيروبي 1985، بالارتقاء بمساهمة المرأة خاصّةُ الاقتصاديّة، إذْ لا يستثني مشاركتها الفعليّة والفعّالة في بناء التّنمية المستدامة والتّي هي في صالح الفرد أكان امرأة أو رجل.
فقمّة الرّيو دي جانيرو حول البيئة والتّنمية سنة 1992، أكّدت على الدّور الرّيادي للمرأة في التّنمية المستدامة وفي الحفاظ على البيئة، وبما أنّ النّساء يشكّلن عددًا هامًّا من بين المنتجين الفلاّحّين في العالم خاصّةً في جنوبه، كما أنّهنّ في عدّة بلدان يُشكّلن المسئولات الرّئيسيّات لتوفير وضمان احتياجات الماء والوقود لعائلتهنّ، فإنّهنّ بالتّالي عنصر حيوي في كلّ المجهودات لحماية وللحفاظ على البيئة، وهكذا دعا كلّ من برنامج التّنمية المستدامة وأجندة 21 المنبثقة من هذه القمّة إلى إدماج المرأة في تدبير وتسيير حماية الموارد الطّبيعيّة خاصّةً في المناطق القرويّة.
وكذلك قمّة بيكين سنة 1995، إذْ تطرّقت هذه الأخيرة إلى 12 مجالاً يهتمّ في علاقته بالمرأة وجاءت قضيّة المرأة في الرّتبة 11، حيث أشارت هذه القمّة في هذه القضيّة إلى عدم الاعتراف اللاّئق وغياب الدّعم لمساهمة المرأة في تدبير الموارد الطّبيعيّة والحفاظ على البيئة، حيث دعا برنامج العمل المنبثق عن هذه القمّة إلى الاعتراف بمساهمة المرأة في إنتاج الماد المعيشيّة، ودعا كذلك إلى إعطاء أرقام لقيمة هذا العمل الذّي يتمّ بدون مقابل قصد إدراجه في الحسابات المحليّة والميزانيّات الوطنيّة، بما يتلاءم وجهود المرأة في هذا النّطاق.

دور المرأة في حماية البيئة
كطريفة في مساهمة المرأة في حماية البيئة والبشر، يُأخذ المثال بالبريطانيّة نيلي سميث فهي فتاة بالغة من العمر 10 سنوات قامت بإنقاذ حياة حوالي 100 سائح من موجات تسونامي التّي اجتاحت جنوب شرق آسيا في 26 دسيمبر 2004، فقد حذّرتهم من كتلة عملاقة في المياه في طريقها إلى شاطئ ميخاو في تيلاندا، بعدما تعلّمت في المدرسة حقائق عن هذه الظّاهرة، فالعبرة هنا بدور الأنشطة التّربويّة في إنتاج جيل واعي بيئيًّا؛ وامرأة مستقبليّة واعية بيئيًّا.
فتُعتبر المرأة المسئولة الأولى عن تغيير السّلوكيّات غير المنضبطة بيئيًّا، فهذه المسئوليّة نابعة من كونها مربّية سواءٌ كأمّ أو كعاملة في قطاع التّعلّيم بجميع مستوياته من الحضانة إلى التّعليم الثّانوي والعالي، كمثال:
* تستخدم المرأة مصادر الطّاقة أثناء قيامها بالنّشاطات اليوميّة، فيُعتبر توجيهُها للأطفال للحدّ من استهلاك الطّاقة دورًا رئيسيًّا في تنشئة أجيال جديدة على دراية بأبعاد مشاكل الطّاقة.
* المرأة مسئولة عن ترشيد استهلاك المياه في المنزل ووعيها بأهميّة هذا العنصر يجعلها تُشارك في توجيه الأطفال إلى الطّرق السّليمة للاستفادة من هذه الثّروة وعدم هدرها.
* المرأة مسئولة عن توعية الأطفال بأهميّة المساحات الخضراء وعدم قطع الأشجار.
* المرأة مسئولة عن تدبير النّفايات المنزليّة، ووعيها بخطورة هذا الأمر يدفعها إلى تربية الأطفال على تجنّب التّصرفات غير المسئولة كتلويث المياه والغابات ورمي القمامة في الأماكن العامّة.
* المرأة في الرّيف مسئولة عن تدبير موارد الطّاقة الطّبيعيّة، وبالتّالي إشراكها في التّربية البيئيّة (التّربية الخضراء – أُنظر المبحث الأوّل من هذا الفصل) يجعلها أكثر حرصًا بالمحافظة على الثّروة الغابيّة.
وكمثال عن المرأة الفاعلة في حماية البيئة هي الكينيّة “ونغاراي ماتاي” والتّي تُعتبر أوّل امرأة أفريقيّة تفوز بجائز نوبل للسّلام لسنة 2004، إذ كانت المرأة الأولى التّي وسّعت مفهوم السّلام التّقليدي الذّي حدّده “ألفريد نوبل” سنة 1895، ليشمل شؤون البيئة المتعلّقة بالأرض، وبرّرت لجنة نوبل باختيارها بأنّ السّلام ” يعتمد على تأمين بيئة سليمة ونظيفة وعلى حمايتها”، وأنّ “السّيدة ماتاي معروفة بنضالها الدّءوب من أجل محاربة الفساد وتحسين وضع الفقراء والمرأة في كينيا، وهي تتقدّم المعركة من أجل التّشجيع على التّنمية المستدامة على الصّعيد الاقتصادي والاجتماعي والثّقافي.
فقد أسّست “ماتاي” عام 1977 “حركة الحزام الأخضر النّسائيّة” التّي زرعت أكثر من 30 مليون شجرة في كينيا، متّخذة الشّجرة كشعار للسّلام ووسيلة لحلّ الخلافات العرقيّة وإرضاء الأطراف المتنازعة، وتُنفذّ الحركة أهمّ مشروع للتّشجير في أفريقيا يعمل على تشجيع التّنوّع البيولوجي وإيجاد فرص عمل للنّساء، فقد أرادت “ماتاي” من هذا المشروع أن تُظهر كيف يُمكن تدبير البيئة بصفة جيّدة من أجل أن تدعم مستوى حياة أفضل، فقد أكّدت على ضرورة تولّي المرأة أدوارًا قياديّة في حماية البيئة.

دور المرأة في الاستهلاك والإنتاج الزّراعي الأخضر
وفي الزّراعة يُمكن للتّكنولوجيات التّي تُعزّز إنتاجيّة عمل المرأة في الأرياف (مثل الأدوات الزّراعيّة الأفضل وتوفير المياه وخدمات الطّاقة الحديثة؛ ووسائط حديثة لإعداد الأطعمة في الأسرة)، وعلى سبيل المثال أظهرت دراسة في الهند أنّ النّساء اللّواتي استخدمن آلة تقشير الفستق استطعن تقشير مقادير أكبر من 14 مرّة، واستخدمن جُهدًا أقلّ بكثير ممّن قمن بذلك يدويًّا، وبالتّالي قد تنتج الابتكارات التّكنولوجيّة فرصً للنّساء لكسب دخل أعلى أو تفريغ وقتهنّ لبذل المزيد من الاهتمام للأسرة .
وتنشط المرأة كذلك في زاوية تسويق الأغذية، فعلى سبيل المثال في أمريكا اللاّتينيّة ومنطقة البحر الكاريبي وأفريقيا، تهيمن النّساء على العمالة في العديد من سلاسل السّلع الزّراعيّة الأساسيّة ذات القيمة العالية، وعلى الرّغم من أنّ الصّناعات الزّراعيّة الموجهّة للتّصدير قد لا توظّف المرأة بشكلٍ كافٍ، لكنّها كثيرًا ما تُؤمّنُ للمرأة فُرصًا أفضل من تلك المتوفّرة في الزّراعة التّقليديّة.

المرأة تُحارب الفقر من أوّل ألف يوم
إنّ نقص تغذية الأمّ والطّفل هو الطّريق الأساسي الذّي ينتقل من خلاله الفقر من جيل إلى جيل، ويُعاني حوالي ربع الأطفال جميعًا ممّن تقلّ أعمارهم عن خمس سنوات والنّصف من التّقزّم، ويُعاني حوالي النّصف من وجهٍ واحد من أوجه نقص المُغذّيات الرّئيسيّة، ونافذة الفرصة الحرجة لنموّ الطّفل وتطوّره الإدراكي الكافي هي بين ولادته وحتّى عمر 24يوم، ولا يُمكن عكس أو التّعويض عن الضّرر التّنموي الذّي ينجم عن نقص التّغذية خلال هذه الفترة بمرور الوقت، ولذا تُركِزّ العديد من المبادرات الوطنيّة والدّوليّة المُتعلّقة بالتّغذية الآن على أوّل 1000 يوم من حياة الطّفل.
وحسب البنك الدّولي قد تبيّن أنّ زيادة سيطرة المرأة على الموارد والمداخيل، تعود بالنّفع على صحّة وتغذية وتعليم أطفالها وكذلك على صحّتها وحالتها التّغذويّة؛ وبالتّالي الحدّ من انتقال الفقر من جيل إلى جيل، ويجب التّنبيه أنّ الإنتاج الزّراعي والتّصنيع الغذائي مصدران رئيسيّان لعمالة المرأة (النّساء) في معظم المناطق النّامية، ولكن تُسيطر المرأة على موارد أقّل من الرّجال، ولذا يُمكن أن ينتج عن سدّ الفجوة بين الجنسين في مجال الزّراعة (مثلاً) مكاسب تغذويّة كبيرة للمجتمع، بما في ذلك خلال الأيّام الألف الأولى من عمر الطّفل.
وبناءً عليه، يظهر الدور الرّيادي للمرأة في مكافحة الفقر في هذه الزاوية، وهذا ما يرتبط بمفهوم الاقتصاد الأخضر بمفهومه الأممي، اقتصادًا يحترم البيئة ويقلل من انبعاث الكربون، ولا سيما العمل على مكافحة والحدّ من الفقر.

أهميّة مشاركة المرأة في عمليّة الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر
ومن خلال كل التأهيلات التي حازت علها المرأة،يبرز دورها الفاعل في عملية تعزيز الاقتصاد الأخضر، والذي يُنظر إليه حسب برنامج الأمم المتّحدة للبيئة (P.N.U.E)، “انّه الاقتصاد الذّي ينتج عنه تحسّن في رفاهيّة الإنسان والمساواة الاجتماعيّة؛ في حين يقلّل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئيّة و ندرة الموارد الإيكولوجيّة”، كما حاول بعض الباحثين تقديمه في ذات السياق، على أن الاقتصاد الأخضر ذلك المكسب المزدوج بين البشر والبيئة، يُحقّق الازدهار الشّامل والمنصف والمستدام “، أي ازدهار يشمل جميع أنشطة البشر في مختلف القطاعات وبإنصاف فيما بينها من جهة وبين البيئة من جهة أخرى، وبشكل مستدام يحفظ حقوق الجيل الحالي والمستقبلي، وعليه تتمثّل أهميّة دور المرأة في أي عمليّة تنمويّة بما في ذلك الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر من خلال:
– تُشكّل المرأة نصف سكّان العالم تقريبًا ومن ثَمَّ فإنّه يُمكن الاستفادة الكاملة من جهودها، إذا ما تمّ تمكينها واستثمار قدراتها على نحو أفضل من أجل حماية البيئة وصيانتها؛
– تُعتبر المرأة المخلوق البشري الوحيد القادر على تحسين مجتمعه وتنميته وإحداث التّغيير، بالمشاركة والانجاز والتّخلي عن الأنماط والأساليب السّلوكيّة المترتّبة عن عادات وتقاليد وأعراف واتّجاهات تتجاهل البيئة، فالأزمة البيئيّة هي ظاهرة سلوكيّة مرضيّة بالدّرجة الأولى تستلزم وعيًا وتعديلاً للسّلوك البشري؛
– تُعتبر المسئول الأوّل عن النّفايات المنزليّة والاستهلاك الغير الرّشيد للمياه والطّاقة في المنزل، وبالتّالي وجب توعيتها وتكوينها، فهي المسئول الأولى عن الاهتمام بنظافة المنزل المستمرّة مع ضمان القدر الكافي من التّهوية والإضاءة داخله، وتجنّب الاستخدام المتكرّر والدّائم للمبيدات الحشريّة ومعطّرات الجوّ، وكذلك مسئولة أن تسعى جاهدة إلى التّقليل أو الحدّ من الضّوضاء داخل المنزل، وإذا ما استطاعت ذلك فهي تضمن الرّاحة النّفسيّة والعقليّة والجسديّة لأفراد أسرتها.
– تُعتبر المرأة المسئول الأوّل عن سلامة الأطفال الرّضع، فوجب اتّباع نظام غذائي سليم لأطفالها وإتّباعها الممارسات الصّائبة في فطام الطّفل؛
– تبرز أهمّيتها كذلك من خلال مساهمتها في تنمية المجتمع عن طريق نشر الوعي التّنموي في السّكان، والمساهمة في انجاز بعض المشروعات الإنتاجيّة التّي تعود بالفائدة عليها وعلى مجتمعها المحلّي.
ومن خلال ما سبق، يجدر بنا نسج في نفوس البشريّة مواطنة خضراء، أي خلق رادع ذاتي يتدفق من داخل الإنسان، ويدفعه إلى حماية البيئة والحفاظ عليها واحترامها، وغرس مجموعة من القيم والمبادئ والمثل العليا بين أفراد المجتمع؛ صغارًا وكبارًا ، لتمكينهم من المشاركة بشكل فعّال في جميع القضايا البيئية، ويرتبط نجاح الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر بمشاركة العديد من الجهات الفاعلة كالقطاع العام؛ الخاص؛ مؤسسات المجتمع المدني … وفي نفس الوقت تلعب المرأة دورًا رائدًا في هذه المقاربة، حيث إنها عنصر بشري هام تشكل نصف سكان العالم … المرأة توأم البيئة؛ وكلاهما متشابه في عطائهم وإحسانهم للبشريّة وفي عطائهم لهذا الكوكب الشاسع….

* الباحث في الاقتصاد الأخضر

عن المحرر

شاهد أيضاً

حنفي بن عيسى (1932م/1999م) وقضايا التربية والأدب والتواصل اللّغوي

أ. محمد بسكر/ الذين يعرفون الدكتور حنفي بن عيسى، رئيس تحرير مجلة الثقافة، وأستاذ علم …