الرئيسية | شؤون اقتصادية | الـمصرف الإســلامي… تاجـر هــو أم وسيــــط مالــي ؟!

الـمصرف الإســلامي… تاجـر هــو أم وسيــــط مالــي ؟!

إعداد : أ. د. الطيب لحيلح */

 

هذه الحلقة تناولت أدبيات الموضوع؛ أي الجزء النظري لموضوع وساطة المصرف الإسلامي. والحلقة الثانية ستتعرض، بإذن الله، للجزء العملي؛ أي الجزء الذي سيتضح من خلاله ما إذا كان المصرف الإسلامي وسيطا ماليا أم غير ذلك، وما هي خسارة المصرف الإسلامي، والمجتمع الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، من وراء تخلي المصرف الإسلامي عن الوساطة المالية لصالح الوساطة التجارية.

ظهرت المصارف الإسلامية في سبعينيات القرن العشرين، وهي فترة غلبة الفكر الغربي (الاشتراكي الشيوعي والرأسمالي الفردي) على الساحة الرسمية، ولأن المسلم دائما يتخوف من تسلل الأفكار الغربية إلى الثقافة الإسلامية، واختلاطها به، ومن ثم إفساد الحياة الإسلامية النقية، فقد حاول المنظرون للمصارف الإسلامية أن يربطوها بما كان في العصور الإسلامية الأولى من صيغ توظيف المال، فاعتُبر المصرف الإسلامي مضاربا مضاربة مطلقة (غير مقيدة)، وباقي الممولين أصحاب المال. وشقت المصارف الإسلامية طريقها وسط أنظمة غير إسلامية، تتصيد العثرات لتنقض على المصارف الإسلامية، لكن أغلب المصارف الإسلامية قد نجت من الشراك المنصوبة لها، بفضل الله أولا، ثم بفضل التفاف الشعب المسلم حولها.
والآن، وبعد وصول الفكر الغربي إلى حافة الإفلاس، بدأ الغرب في طلب النجدة من المصارف الإسلامية لإنقاذ اقتصاده، يجب على الفكر الإسلامي أن يقف، ويراجع مسيرة المصارف الإسلامية بالنقد، ليصحح الاعوجاج، ويقدم لأمته أولا، وللغرب ثانيا، نموذجا في مستوى الفترة الزمنية التي تعيشها البشرية.
أولا: خلفية الموضوع
كتب قبلي في موضوع الوساطة المالية للمصارف الإسلامية عالمان: أحدهما الدكتور محمد علي القري؛ حين كتب في مجلة الاقتصاد الإسلامي1 مقالا بعنوان «البنك الإسلامي أتاجر هو أم وسيط مالي» رأى فيه «أن غرض الوساطة هو فصل المخاطر؛ بإدخال المؤسسة المصرفية بين أرباب الأموال ومستخدمي هذه الأموال»، «أما فكرة العمل المصرفي الإسلامي فهي قائمة على أساس مختلف تماما»، وأن الذين أفتوا للمصرف الإسلامي بالعمل كتاجر إنما أفتوا بذلك «ظنا منهم أن ذلك (الوساطة المالية) لا يعدوا أن يكون نمطا عصريا للالتفاف على تحريم الربا بأدنى الحيل، وأن الغرض من مثل تلك المقولة هو التهرب من المتطلبات الأساسية للبيع الحقيقي». ووضع شرطا يجب أن يتحقق في عمل المصرف وهو «ارتباط التمويل بالإنتاج والتبادل»، فمن طبق هذا الشرط جاز عمله؛ وسيطا ماليا أم تاجرا، ومن يقرأ مقالة الدكتور يلمس تقليله من فوائد الوساطة المالية، ومن مضار التجارة من طرف المصرف الإسلامي.
أما المقالة الثانية فهي للدكتور: سامي إبراهيم السويلم، وهي بعنوان «الوساطة المالية في الاقتصاد الإسلامي» المنشورة في نفس المجلة2. حيث رأى بأن ما تقوم به المصارف الإسلامية على أساس «الوساطة القائمة على المرابحة» خطأ، وأن ما يجب أن تقوم عليه المصارف الإسلامية هو «الوساطة القائمة على عقود الوكالة والمضاربة والمشاركة». ولم يبين المقال كيف تقوم الوساطة على أساس المضاربة والمشاركة.
أما هذا المقال فهو يعرض تعريف الوسيط المالي والوسيط التجاري (التاجر) والفرق بينهما، ثم مضار ممارسة التجارة من طرف المصارف، والفوائد التي يجنيها الوسيط، والموسط، والموسط له، والاقتصاد، من وراء الوساطة المالية.
ثانيا: المصرف الإسلامي.
يعرف المصرف الإسلامي عند أغلب الاقتصاديين، على أنه مؤسسة مالية وسيطة لا تتعامل بالفائدة أخذا وعطاء. فهل هذا التعريف صحيح في كل أجزائه؟ الذي يهمنا في هذه المقام هو وظيفة الوساطة المالية؛ فهل هو وسيط مالي فعلا؟ وإن لم يكن وسيطا ماليا، فمن هو إذن؟ للإجابة على هذين التساؤلين لابد من الإجابة عن مجموعة من الأسئلة، مثل: من هو الوسيط؟ وما هي أنواع الوساطة؟ وأين يلتقي المصرف الإسلامي مع الوساطة وأين يفترق؟
ثالثا: الوساطة
تعرف الوساطة على أنها عمل يتضمن التقريب بين جهتين متباعدتين؛ والوساطة بهذا المعنى تتضمن عملا يقرب بين جهتين قد تكونا متعاديتين، كما في قوله تعالي: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}(سورة النساء. الآية رقم 35)، وقد لا تكونا كذلك، وإنما لا تعرفان بعضهما البعض رغم ما بينهما من مصلحة. والعمل الذي يتم للتقريب بين الجهتين، قد يكون مجانا، وقد يكون بمقابل، وفي كل الحالات يعتبر وساطة.
أ / أنواع الوساطة.
يمكن القول أن الوساطة أنواع؛ حسب ميدان الوساطة:
ـــ فنكون بصدد وساطة سياسية؛ إذا كان العمل يتضمن التقريب بين جهتين متخاصمتين؛ كأن تقع حرب أو خصومة بين دولتين أو قبيلتين أو حتى شخصين، فيتطلب الأمر تدخل طرف ثالث لإصلاح ذات البين.
ـــ ونكون بصدد وساطة تجارية؛ إذا كان العمل يتضمن تقريب المنتج أو تاجر الجملة من المستهلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم (الجالب3 مرزوق والمحتكر ملعون4).
ـــ ونكون بصدد وساطة مالية؛ إذا كان العمل يتضمن التقريب بين ذوي الفائض المالي وذوي العجز المالي.
ب / وظائف الوساطة المالية:
تقوم مؤسسات الوساطة المالية بمجموعة من الوظائف؛ هدفها خدمة طرفي الوساطة الآخرين، وهما الموسط والموسط له، وأهم هذه الوطائف:
1. توفير المعلومات المالية، وبأقل التكاليف؛ والمعلومات المالية هي تلك المعلومات التي ترد في التقارير المالية، الصادرة عن جهات موثوق بها، وتتعرض لسوق المال؛ سواء في جانب الموارد المالية المتوفرة، أو في جانب الاستخدامات المتاحة لهذه الأموال. ومن شأن توفر المعلومات عن سوق المال أن يساعد طرفي الوساطة (الموسط والموسط له) على اتخاذ القرار المناسب في أقصر وقت ممكن، وعلى العكس من ذلك، فإن عدم توفر المعلومات المالية من شأنه أن يؤخر اتخاذ القرار؛ سواء من جانب أصحاب الفائض (الموسط عنده) أو من جانب أصحاب العجز (الموسط له). كما أن قيام مؤسسات الوساطة بعملها من شأنه أن يتيح المعلومة بأقل التكاليف؛ لأن مكتب الوساطة يجمع المعلومات عن عدد كبير من الأفراد أصحاب الفائض، وعن عدد كبير من التوظيفات، ويفيد بها عددا كبيرا من الأفراد والمؤسسات (أصحاب الفائض المالي أو أصحاب العجز المالي) الذين يستفيدون من هذه المعلومات.
2. توفير السيولة بصورة دائمة. يعني توفير السيولة وضع وسائل الدفع تحت تصرف أطراف الوساطة المالية؛ فالمودعون، وهم أصحاب الفائض، فرغم أنهم أودعوا أموالهم لدى الجهات الوسيطة، فلديهم وعد بإمكان سحبهم لتلك الأموال، وهذا ما يبعث على الاطمئنان. وأصحاب المشاريع، وهم أصحاب العجز المالي، فرغم أنهم لا يملكون أموالا كافية لتجسيد مشاريعهم فبإمكانهم الحصول على تلك الأموال من الوسطاء في الوقت الذي يريدون، وبالتالي يكرسون جهدهم لإجراء الدراسات التي تبين جدوى المشروع من عدمه، بدلا من التفكير في طريقة الحصول على السيولة. فيسود الاستقرار المالي المهم للنمو الاقتصادي.
3. تقليل المخاطر. المقصود بالمخاطر هنا هي المخاطر التي يتحملها أصحاب الفائض من جراء تمويلهم لأشخاص لا يعرفونهم معرفة جيدة، إذا كان التمويل مباشرا، أما إذا دخل وسيط بينهما، فهذا الوسيط تكون لديه معلومات كافية عن مدى جدية طالب التمويل، ومدى ربحية مجال الاستثمار ـ فلا يقترح لذوي الفائض إلا المستثمرين الجادين ولا يتقرح إلا تمويل المشاريع المربحة.
ج / الفرق بين الوسيط التجاري والوسيط المالي.
يعرف الوسيط التجاري بأنه الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يشكل حلقة وصل بين الجهة العارضة للبضائع والجهة الطالبة لها؛ فيقوم بجلب البضاعة من عارضها إلى طالبها، مقابل ربح يضعه لنفسه؛ والعارض قد يكون المنتج أو تاجر الجملة، والطالب قد يكون تاجر التجزئة أو المستهلك النهائي, ويسمى الوسيط التجاري بالتاجر. ويحصل من خلال عمله على ربح أو يتحمل الخسارة، إذا وقعت. وهذا الربح الذي يحصل عليه يكون مقابل ملكيته لمال التجارة أو للجهد المبذول في السعي لإحضار البضاعة أو لكليهما. ويقدم الوسيط التجاري خدمات جليلة، ليس مجال عرضها هذا البحث.
أما الوسيط المالي فيعرف بأنه الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يشكل حلقة وصل بين الجهة العارضة للأموال والجهة الطالبة لها؛ أي أن الوساطة المالية تتطلب وجود ثلاث جهات؛ جهة تحوز على الأموال، ولا تعرف هي كيف توظفها، ولا من يقدر على توظيفها. وجهة تفتقر إلى المال مع معرفتها لطريقة توظيفه، واستعدادها لذلك. والجهة الثالثة تمتلك المعلومات عن الجهتين؛ أصحاب الأموال؛ من جهة أعدادهم، وحجم الأموال التي بحوزتهم، وأصحاب الأفكار الخلاقة؛ من جهة أعدادهم، وحجم احتياجاتهم؛ فتقوم هذه الجهة الثالثة بعرض معلوماتها على الطرف الأول والطرف الثاني ويحصل التوافق، فيستفيد أصحاب الأموال، ويستفيد مستخدمو الأموال، ويستفيد الوسطاء، ويستفيد الاقتصاد الوطني.
فأصحاب الأموال يستفيدون مما يلي:
1. قصر الوقت اللازم للبحث عن أصحاب العجز المالي، حيث يمكنهم استغلال الوقت، الذي كان عليهم أن يبحثوا فيه عمن يريد هذه الأموال، في مسائل أخرى تعود عليهم بالنفع.
2. تَوَفٌر السيولة في أي وقت يريدون؛ وذلك بسبب القوانين التي تفرض على الوسيط الاحتفاظ بالسيولة في كل وقت لتلبية احتياجات ذوي الفائض وذوي العجز.
3. توفر الثقة في الجهة الطالبة للأموال بسبب الرأي الإيجابي المسبق للوسيط .
وأما أصحاب الأفكار الخلاقة فيستفيدون مما يلي:
1. الحصول على كل المال المطلوب؛ لأن الوسيط يتعامل مع عدد كبير من ذوي الفائض، ويتمكن من جمع مبلغ كبير، يمكنه من تلبية احتياجات طالبي التمويل.
2. قصر الوقت اللازم لجمع المبلغ المطلوب؛ بسبب الحصول عليه من جهة واحدة وليس من عدة جهات.
3. تنفيذ المشاريع في فترة قصيرة، والبدء في الإنتاج والتسويق، فيأتيهم العائد مبكرا.
وأما الوسطاء فيستفيدون من العائد الذي يعود عليهم، سواء كانوا يعملون حسب عقد الجعالة أم حسب عقد الإجارة (الوكالة).
أما الاقتصاد الوطني فيستفيد مما يلي:
1. توفر الأموال اللازمة لتمويل مختلف النشاطات، وما ينتج عن ذلك من توسع الاقتصاد، سواء من حيث كمية ما ينتج أو من حيث أنواع ما ينتج.
2. تجسيد المشاريع في فترات قصيرة؛ وهو ما يؤدي إلى زيادة نمو الاقتصاد الوطني.
3. كفاءة أداء المتعاملين الاقتصاديين؛ بسبب تخصص كل متعامل في مهمة محددة، وما يؤدي إليه ذلك من التقليل من الهدر المالي.
4. قلة اللجوء إلى الإصدار النقدي من طرف السلطة النقدية، وما يؤدي إليه من انخفاض معدل التضخم، أو اختفاء التضخم من الاقتصاد.
إذا كانت هذه هي فوائد الوساطة المالية، فما الفرق بين الوسيط المالي والوسيط التجاري؟
يمكن التمييز بين الوسيط المالي والوسيط التجاري (التاجر) فيما يلي:
1. الوسيط المالي يتعامل في المعلومات، بينما الوسيط التجاري يتعامل في السلع.
2. الوسيط المالي؛ حينما يقبض مال ذوي الفائض، يتصرف نيابة عنهم في إيصال المبلغ إلى ذوي العجز، بينما الوسيط التجاري؛ حينما يقبض السلعة من المنتج، يتصرف كمالك لها.
3. الوسيط المالي عمله في النقود، بينما الوسيط التجاري عمله في البضائع.

الهوامش
محمد على القري. البنك الإسلامي: أتاجر هو أم وسيط مالي؟. مجلة الاقتصاد الإسلامي. المجلد العاشر. العدد1 سنة 19981
سامي إبراهيم السويلم. الوساطة المالية في الاقتصاد الإسلامي. مجلة الاقتصاد الإسلامي. المجلد العاشر. العدد1 سنة 19982
3 من يخرج ما لديه من سلع ويبيعها بسعر يومها.
4 ابن ماجة. سنن ابن ماجة. الحديث رقم 2153.

* أستاذ الاقتصاد النقدي والمصرفي في جامعة العربي بن مهيدي/ أم البواقي
البريد الإلكتروني : tlhilah@yahoo.fr

عن المحرر

شاهد أيضاً

خـــــلال نزولـــــه ضيفــــا على منتـــدى شبكـــــة اللقـــــاء الإعـــــلاميـــــة / ناصر حيدر: الـماليــــة الإسلاميــــة في الجزائــر تشهــد نمــوا متسـارعــا

نواصــــل إنشـــــاء فروعنــــا عبـــر كافــــة أنحــــاء الوطـــــــــــــن   كشف السيد ناصر حيدر، المدير العام لمصرف …