الرئيسية | أعلام | مقالات | جهود الأستاذ الدكتور عمار طالبي في دراسة التراث الإسلامي

جهود الأستاذ الدكتور عمار طالبي في دراسة التراث الإسلامي

لعريد هناء

نوقشت بقسم العقيدة ومقارنة الأديان كلية أصول الدين جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة مذكرة ماستر،قبل مدة قصيرة، تناولت شخصيّة المفكّر عمّار الطّالبي الرّئيس الأسبق للجامعة، من انجاز الطّالبة لعريد هناء بإشراف نائب رئيس قسم العقيدة ومقارنة الأديان د. رجاتي نورة الموسومة بــ: «جهـود المفكّر عمّار الطّالبي في دراسة التّراث الفكــري الإسلامي» حيث اهتمت هذه الدّراسة بالكشف عن جهود د. عمار الطّالبي أثناء دراسته للتّراث الفكري الإسلامي من خلال الاطّلاع على تآليفه وتحقيقاته، وقد اجتهدت الطالبة في إبراز جهود الاستاذ عمار، من خلال ذلك الطّاقات العلميّة التّي تزخر بها الجزائر، إضافة إلى إقرار موسوعيّة المفكّر عمّار الطّالبي، وبيان موقفه من شتى العلوم والقضايا.

من هو الدكتور عمار طالبي
تناولت الدراسة في الفصل الأوّل من المذكّرة، الشخصية العلميّة للدّكتور عمّار الطّالبي. فقد وُلد الدكتور17 فيفري سنة 1934م بولاية خنشلة، ويعود نسبه إلى الأدارسة.
حصل على درجة الماجستير جوان 1969:في الفلسفة، برسالة عنوانها» آراء الخوارج الكلامية» وتحقيق كتاب الموجز في علم الكلام لأبي عمار عبد الكافي الأباضي، جامعة الإسكندرية. كما حصل على شهادة الدكتوراه جوان 1971 بجامعة الجزائر، في نقد أبي بكر بن العربي للفلسفة اليونانية، مع تحقيق كتاب العواصم من القواصم لابن العربي كما حصل على شهادات علمية من جامعات دولية مثل هارفارد وكامبردج نظير دراسات فلسفية .
ويرجع سبب نبوغه وبلوغه هذه المتربة العلمية إلى الدّعم الدّائم الذي حظيّ به من طرف عائلته وبالخصوص جدّه، فقد درس كل الأطوار بتونس وحظي بشرف الدّراسة في جامعة الزّيتونة على يد أكابر مشايخها أمثال الفاضل بن عاشور(ابن الطاهر بن عاشور).


شغل الأستاذ عدة مناصب علمية وإدارية أهمها:
-رئيس جامعة الأمير عبدالقادر بقسنطينة وقبلها مدير معهد أصول الدين بالعاصمة وغيرها من المناصب، كما شغل الأستاذ الكثير من المناصب في الهيئات الدولية كرابطة العالم الإسلامي، عضوية المجمع العالمي للتقريب بين الأديان، ولايزال الدّكتور يحتفظ بنفس المعلم والمشرف والموجه من خلال منشوراته وتوجيهه لطلبة الدّراسات العليا، وكذا نيابة رئاسة جمعية العلماء المسلمين.
تضمن الفصل الثّاني من المذكرة عن جهود د. عمّار الطّالبي في الدّراسات العقديّة والفلسفيّة مركّزة على جهده في إثراء الدّراسات الكلاميّة بذكر نموذجين من ذلك، ككشفه عن آراء أبي بكر بن العربي الكلاميّة وآراء الخوارج الكلاميّة، كما ذكرت أيضا البعض من جهوده في التّعريف بالمدرسة الصّوفية الجزائريّة بذكر مثالين من ذلك كالتّصوّف عند عفيف الدّين التّلمساني والأمير عبد القادر الجزائري، وقد أدرجت أيضا آراءه؛ بخصوص بعض القضايا كموقفه من التّصوّف والتّجديد في علم الكلام. كما ذكرت الدراسة أيضا جهوده في المجال الفلسفي وبيّنت أهمّ اضافاته في هذا العلم الواسع.
هذا وقد خلُصت المذكرة إلى عدد من النتائج، منها:
* تركيز الدّكتور عمّار الطّالبي على شخصيّة أبي بكر بن العربي الكلاميّة ودراسته لآرائه العقديّة ومنهجه بدقّة نابع من اهتمامه وتقديره لهذا الموروث الكلامي، وانفتاحه على مختلف المعارف والعلوم.
* اعتماد الدّكتور عمّار الطّالبي على مصادر الكتب في ترجمته لأبي بكر بن العربي دلّ على التزامه بالدّراسة الموضوعيّة والأمانة العلميّة.
* دقّته في تحليل القضايا ومحاولة انصاف كلّ شخصيّة بما جادت به لا بما تُقُوّلَ عليها، وتجنّب الابتعاد عن مقصود النّص الأصلي الذي قال به صاحب الرّأي.
* التّتبّع التاّريخي لنشأة فرقة الخوارج راجع في نظر د. الطّالبي لما لها ولفلسفتها من أهمّية عقائديّة على غرار الفرق الإسلاميّة الأخرى، وافتقار العالم الإسلامي لدراسة شاملة عليها.
* تأصيل المفكّر عمّار الطّالبي لفرقة الخوارج وآرائها، دالّ على ابتعاده عن العصبيّة والذّاتيّة وترك الانتصار لمذهب معيّن.
* دعوة د. الطّالبي للتّجديد في التّراث الفكري الدّيني، جاءت نظرا للضّعف الذي أحاط بفكر المسلمين واجتهاداتهم.
* أنّ د. عمّار الطّالبي من دعاة التّجديد على مستوى العلوم الإسلاميّة وبالتّحديد تجديد الفهوم والمناهج المعتمدة، لا العقيدة لأنّ العقيدة ثابتة لا يطالها التّغيير أبدا، كما أنّ للطّالبي العديد من المحاولات التّجديديّة على هذا الصّعيد أبرزها ترأّسه لجامعة الأمير عبد القادر ومحاولة وضع مناهج تسمح ببناء فكر طلّابي موسوعيّ يشتمل على مختلف العلوم.
* إبرازه للجانب الرّوحي الصّوفي في تآليف كلّ من عفيف الدّين التّلمساني والأمير عبد القادر الجزائريّ يهدف إلى أنّ الحياة الرّوحيّة حاضرة في كتابات المفكّرين الجزائريّين، مع تصحيح لبعض الآراء المخالفة لتعاليم الدّين الإسلامي التّي ظهرت ضمن اعتقاداتهم.
* قبول د. الطّالبي للتّصوّف جاء بعد دراسته المستفيضة لهذا العلم مع ردّه ورفضه لبعض القضايا التّي اعتبرها مخالفة للشّريعة الإسلاميّة.
* بروز البعد الإسلامي في تعريف الطّالبي للفلسفة.
* محاولة د. الطّالبي لعصرنة القضايا الفلسفية مع ذكره للملامح المستجدّة التي جاء بها هذا القرن، وذلك بالترّكيز على قسم الفلسفة المقارنة التّي هي إحدى أهم فروع الفلسفة اليوم.
* رفع د. الطّالبي من شأن الفلسفة ومحاولة بعث الروح الفلسفية من جديد، مع الإشادة بدورها الذي يطال كل جوانب الحياة.
وبعد هذه النتائج تعمّقت في موضوع آخر كان مغايرا نوعا ما لما سبق، فقمت بإدراج فصل ثالث عنونته بـ: مشروع المفكّر عمّار الطّالبي للنّهوض والتّجديد الحضاري للأمّة الإسلامية، تحدّثت فيه عن جهوده المتميزة في تحقيق المخطوطات، إضافة إلى اعتنائه بالتّرجمة لشّخصيّات إسلامية عامّة وأخرى جزائرية على وجه الخصوص.
وبعد هذا تناولت أهمّ أسباب أزمة التّخلّف الحضاري للأمّة الإسلاميّة والسّبل الإصلاحية في فكر الدّكتور عمار الطّالبي مستخلصة من ذلك ما يلي:
* نجاح د. الطّالبي في إعادة إحياء الكثير من المخطوطات في مجالات فكرية مختلفة، والتي تمثّل ثروة فكرية إسلامية بطريقة علمية دقيقة وممنهجة، معتبرا ذلك مسلكا حضاريا.
* اهتمام د. الطّالبي بترجمة الأعلام الجزائرية خاصة، ناتج عن تشبّعه بالرّوح الوطنيّة إلى جانب ما تزخر به تلك الشّخصيّات من عطاء فكري.
* إلمام الطّالبي بأسباب تدهور الأمّة الإسلاميّة على جميع الأصعدة، ومحاولاته الواقعيّة في رفع الضعف عنها، وذلك بسبب تأثّره الشّديد بفكر مالك بن نبي الإصلاحي والدّاعي إلى الدّفع بعجلة الحضارة من جديد.
وبعد هذه الدّراسة تمكّنت من الإقرار والتّأكيد على موسوعية الدّكتور عمار الطّالبي، والاعتراف بأنّه من أبرز علماء القرن الواحد والعشرون، وأنّه كاتب، مؤلّف، مترجــم، ومحقّق إضافة إلى أنّه أصولي وواعظ، غير أنّه لم يلق الاهتمام اللائق بمكانته في السّاحة العلميّة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حنفي بن عيسى (1932م/1999م) وقضايا التربية والأدب والتواصل اللّغوي

أ. محمد بسكر/ الذين يعرفون الدكتور حنفي بن عيسى، رئيس تحرير مجلة الثقافة، وأستاذ علم …