الرئيسية | على بصيرة | هل باءت وحدة المغرب العربي بالفشل؟

هل باءت وحدة المغرب العربي بالفشل؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

إنّ صح هذا، فإنّ، أحلام الأجيال المغاربية قد حُكم عليها بالتبخر، وآمال الماهدين من المجاهدين والشهداء، قد طالها التبعثر، ومنهج العلماء العاملين في المغرب العربي قد نالها الإحباط والتدهور.
فقد عشنا، نحن جيل الثورة في الجزائر، نتغنى، بأناشيد الوحدة العربية الإسلامية، وشعارات الاتحاد المغاربي.
بلادُ العُرْب أوطاني مِنَ الشَّام لبغدانِ
ومِنْ نجدٍ إلى يَمَنِ إلى مِصْرَ فتطوانِ
فلا حدٌّ يباعِدُنا  ولا دينٌ يفرِّقُنا
لِسانُ الضَّادِ يجمعُنا بغسَّانٍ وعدنانِ

كتب الله –إذن- للشمال الإفريقي، أن يتوحد على أسس ثابتة، هي العقيدة الواحدة، والمذهب المتناسق، واللسان الموحِّد، والرقعة الجغرافية الممتدة، والزمن التاريخي ذي الآمال والآلام.
فمن وحي هذه المعطيات كلها، جاءت فكرة وحدة المغرب العربي، الممتد من موريتانيا، إلى ليبيا مروراً بالمغرب والجزائر، وتونس، في انتظار نهاية الصراع الذي تخوضه الصحراء الغربية لإثبات الوجود.
كان كلّ شيء يسير على نغمات الأخوّة، والتضامن وحسن الجوار، إلى أن جاء عهد المحن والفتن والاستعمار فنكبنا بلعنة القرن التي حاولت أن تسلب منا قدسنا، وهو أولى قبلتنا، وتلت ذلك جريمة القرن، وهي الجريمة الفضيعة التي وقعت في بلد إسلامي شقيق وضد إعلامي إسلامي شقيق، هو جمال خاشقجي، وبأيد إسلامية تنتمي إلى بلد إسلامي شقيق، وثالثة الأثاثي وباء القرن الذي أودى بحياة الملايين من النّاس.
جاءت تلك البقاع السوداء في التاريخ لتضاف إلى البقاع السوداء في الجغرافيا، فكانت الحرب المدنية في سوريا، وحرب الأشقاء في اليمن السعيد، وفتنة الكراسي في السودان.
ولم يسلم المغرب العربي من هذه الفتنة الكبرى، فطال ليبيا، وليبيا كما يقول عنها الإمام محمد البشير الإبراهيمي «ليبيا -بأجزائها الطبيعية – قطعة ثمينة من وطن العروبة الأكبر، ومعقل حصين من معاقل الإسلام الباذخة، مكتنفة الشمال والجنوب بجمالين من مياه البحر الأبيض، ورمال الصحراء المغبرة؛ مسورة الشرق والغرب بجمالين من عظمة مصر ومجد تونس» (أنظر آثار الإمام – ج3، ص402)
ورحم الله إمامنا الإبراهيمي، فالجمال الخلاّب الذي صوّر به ليبيا بالأمس، تحوّل اليوم إلى ظفر وناب.
فليبيا اليوم، ضحية ذئاب وأسود مفترسة، والليبيون ينتقلون في بلادهم من «شدق الأفعى، إلى ناب الأفعوان» فالكل يتربص بها السوء، والكل يحاول فرض جيوشه ونقوده على ترابها، لمحاولة ابتلاعها والقضاء على استقلالها.
«إنّ لإخواننا الليبيين حقوقاً علينا، هي حق الدين وحق اللغة، وحق الجنس، وحق الجوار، وحق الاشتراك في الآلام والمحن» (المصدر السابق صفحة 403).
فإذا انتقلنا إلى تونس الخضراء، هالنا هذا الصراع الإيديولوجي الأسود، الذي يحاول أن يجعل تونس حمراء بالدم، أو سوداء بالحقد، فصرنا نحِنُّ إلى تونس الزيتونة، تونس العلماء، التي كانت رمز التسامح والإخاء، وعنوان المحبة والصفاء.
وإلى جانب تونس ران على شقيقتها الجزائر، زمن ساد فيه الانحراف الإيديولوج، والفكرولوج، والتعلموجي، عن كل ما هو عروبي، وإسلامي، ووطني، فساد التنكر والإقصاء، والفساد، والإلغاء، والعداوة والبغضاء، وكان ذلك مسمارا آخر يدق في تابوت وحدة المغرب العربي.
أما في المغرب الأقصى، جارنا بالجنب، فهو إضافة إلى حربه مع أشقائه الصحراويين، استعان بالصهيوني الغدّار، على الجار، ليحدث بدعة شنيعة، هي بدعة التطبيع مع الصهيوني الوضيع.
وكان أن سبق، لموريتانيا الشقيقة قبله أن طبعت مع نفس العدو، فأقامت علاقات معه، وهو ما ضاعف من خطورة وضعضعة وحدة المغرب العربي.
فماذا بقي من وحدة هذا الحلم الذي راود العلماء والشهداء، والعظماء؟ وهل –بعد هذه الضربات الدامية التي أصيبت بها جوانب البناء – هل بعد هذا كله يبقى البصيص من الأمل في بعث وحدة المغرب العربي من الرماد، وإيقاظه للنهوض من الوِهاد؟
إنّ الاستعمار باحتلاله، وعنجهيته، واستيطانه، هو الذي وحد أبناء المغرب العربي، لوقوفهم صفاً واحدًا ضده، وعندما خرج الاستعمار من بلداننا، عاد إليها من بوابة الفتن، والمكائد، فدبت بينهم العقارب، وشتتت وحدتهم، وهم أقارب.
صرنا اليوم شيعا وأخرابا، وطوائف وأغرابا، يلعن بعضنا بعضا، ويحارب بعضنا بعضا، فأصبحنا نكفر بالإتحاد، ونستسلم للاستبداد، ونخضع لحكم الأوغاد، فيا لَبؤس البلاد؟
واليوم، تتعالى أصوات خافتة، من تحت الركام، تنادي، بالعودة إلى الوحدة، وفك الخصام، وضرورة إعادة الوئام، وزرع السلام وفك الارتباط، مع الأعداء اللئام.
هل من مجيب لهذا النداء؟ وهل من مخلّص يخلصنا من الوباء، والأعداء، ليضعنا في طريق الوحدة والإخاء، ونهج التكامل والتعاون والوفاء؟
إنّ ذلك ممكن، إنّ نحن استجبنا قبل ذلك لنداء الله الذي وهبنا كل عوامل الوحدة، ونهانا عن كلّ أسباب الفرقة، فقد وهبنا لنا العروبة الحضارية، بقوتها وروحانيتها، وأديمها، وخصائصها، وامتداد عروقها فمهد لوحدة المغرب الإسلامي بأن جعل هذا المغرب عربيا قار العروبة مبني على أسس ثابتة من دين عربي، ولغة عربية، وكتابة عربية ومَنازع عربية، وتشريع عربي، إضافة إلى التاريخ الشاهد على ذلك والجغرافيا الطبيعية الواصلة من ذلك فلو أضفنا إلى التخلص من الشيطان الذي ينزغ بين بني الإنسان وهو الاستعمار، ووحدنا العملة المالية عملة التداول بين شعوبنا، وأزلنا جوازات السفر بين مواطنينا، وعزرنا التبادل التجاري ليتكامل إنتاجنا، لو فعلنا ذلك، لجعلنا من مغربنا العربي قلعة حصينة في مواجهة كل الأعداء، ولأضفينا على مواطنينا حلة، الرفاهية والرفاء، ولباس السعادة والهناء، وطيب العيش، ونعمة الرخاء.
على أن هذه الإنجازات العظيمة المأمولة ستبقى مرهونة بالقضاء على بؤرس الفتنة وأسبابها بدء بالاستعمار وذيوله، وأخرابه وفلوله، ولا يتحقق ذلك إلا بالوعي، والعودة إلى الذات وكما قال الإمام الإبراهيمي:
«إنّنا لا نلوم الاستعمار إلا إذا لمنا السباع الضارية على الافتراس، وإنما نلوم أنفسنا أن لا نكون شوكا في لهواته، ونغصا في شهواته، وسواد في لونه، وفسادا في كونه وضياعا في صونه، وخذلانا في عونه، ولو كنا ذلك لأنصفناه، وانتصفنا لأنفسنا منه».
(آثار الإمام-صفحة 125).

عن المحرر

شاهد أيضاً

سُحب دكناء في سماء تونس الخضراء

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ إن مما أنعم الله به على …