الرئيسية | في رحاب الشريعة | الحياة الزوجية الهنية بين الْقِوَامة الرجولية والزوجة الذكية

الحياة الزوجية الهنية بين الْقِوَامة الرجولية والزوجة الذكية

الشيخ محمد مكركب أبران/

من أين يبدأ بناء القصر العظيم الجميل للحياة الزوجية؟ قصر الأمن النفسي، والأريحية الإنسانية، حيث السكينة والمودة والرحمة؟ يبدأ البناء بالقواعد النفسية الأخلاقية الإيمانية.
أولا: الرزانة والاتزان في الكلام: أي التزام الجِدّ ولكن بدون تكلف، وهذا منذ اللقاء التعارفي الأول، أي الخطوة الأولى في الخطبة، فالكلمة لها وقعها الغائر في القلب، وأثرها المثير في النفس، فإذا كانت طيبة ارتاح القلب وانشرح الصدر، واطمأنت النفس، وإذا كانت الكلمة سيئة تعكر وجدان السامع، وثارت النفس ثورة الصَّدِّ والنكران، فالرجل يجب أن تكون له شخصية متميزة من سماتها: الاتزان، والجِد، والصدق، والوفاء، والتواضع، والصراحة، واجتناب اللغو، والكلام الساقط، وكذلك المرأة، لا يجوز أدبا ولا منطقا ولا شرعا أن يلفظ الخاطب، والذي يصير زوجا فيما بعد، أو المخطوبة، والتي تصير زوجة، لا يجوز لأحدهما أن يلفظ في حواره مع الآخر كلمة خارجة عن إطار الأدب والجد والمقصد النبيل. كل كلمة مخالفة للرجولة والمروءة والحياء والاحترام، هي ضربة قاسية في بناء العلاقة، تهدم حجرا أو أحجارا من قواعد قصر الحياة الزوجية، فتفسد العلاقة ويحدث الشقاق ثم الفراق، ثم الندم الذي لا ينفع معه الترياق، أيها الشباب، أيتها الشابات، احذروا الحوار في زمن الخطبة بكلمات مازحة أو مداعبة أو من لمز الكلام، أو زائدة عن اللزوم، احذروا الحوار في حالة القلق النفسي، واحذري أيتها المخطوبة أن تسترسلي في حوارك مع خطيبك في كلام عن خصوصياتك فيما لا علاقة له بالخاطب، لاتتحدثي عن ماضيك الخاص، وابني علاقة الجد والاتزان بالأدب والإخلاص. وحتى بعد العقد والبناء، لاتنسوا الرزانة والاتزان، فالرزانة والاتزان يزيدان الحب والاحترام، وعلو المقام.
ثانيا: التواضع والصراحة المتبادلان بين الزوجين: إن بناء علاقة المودة والرحمة والاحترام، لا تقوم بالسيطرة والاستبداد، من قبل الزوج، محاولا إثبات رجولته بالقوة والعنف والغلظة، وإنما قوة الرجولة في قوة الشخصية، التي قوامها: الجِد، والصدق، والوفاء، والعدل، والكرم، والأريحية، والتسامح، وهذه هي بعض صفات الزوج الرجل، (أي الزوج الذي له رجولة) (ونظيف إلى صفات الرجولة للفائدة: الشجاعة عن حسن رأي وعلم وحكمة، والإقدام بعد التخطيط واستشارة العلماء والاستخارة، والتضحية بعد التيقن بأنها في سبيل الله خالصة لوجهه سبحانه مائة بالمائة). وكذلك لا تظن الزوجة بأنها ستفرض وجودها وتعزز مكانتها بالتعالي والنشوز، وشيء من التطاول ورفض الأوامر، إنما قوتها وعلو مكانتها وتقديرها واحترامها سيتحقق كل ذلك بالطاعة والالتزام والتواضع والتضحية، وتقديم الخدمات بكل احترام وإخلاص. والمثل السائر على ألسنة الناس:{خدام الناس سيدهم} أول ما يصدق على ولي أمر المسلمين، إن كان بحق خادما للأمة استحق السيادة، ثانيا يصدق المثل على الزوجين كليهما، كل من كان خادما للأسرة بإخلاص استحق السيادة والشرف والتكريم.
ثالثا: الحكمة في التعامل مع الأهل: من جملة امتحان رجولة الزوج، هل هو قادر في إدارة الأسرة أم أنه فاشل يحتاج إلى التدريب من جديد؟ فعلى الزوج أن يعلم بأنه ولو تزوج مازال الولد المطيع لأبيه وأمه، والناصح المعين لإخوته، ثم هو مفروض عليه بأن يكرم زوجته، وأن يجتهد بقدر الاستطاعة ليهيئ لها مكانتها المحترمة، لتعيش إنسانيتها بحرية وأريحية في سكينة واطمئنان. ثم لتعلم الزوجةُ الذكية القادمة إلى هذه الأسرة بأن تتقبل ظروف العشرة الجديدة كما هي، في كل مالا يخالف الأحكام الشرعية. ونقطة أساسية ينبغي أن تعلمها الزوجة الذكية، التي تحب زوجها حب العقل والاحترام، حب الصدق والإسلام، لا حب المصالح والأفلام، قلت: الزوجة الذكية تعتبر نفسها كأستاذة في علم النفس، وتعتبر نفسها هي المسئولة إيمانيا وأدبيا، بأن تبث بين أفراد الأسرة خطاب الرقة والحنان، وعبارات الشكر والعرفان، وتعمل على أن تسود المحبة، والأنس، وتنتعش النفوس بالاطمئنان، ومن ذلك أن تُشْعِر حماتها التي هي في مقام خالتها، بأنها أحسنت تربية أولادها ومن بينهم، زوج هذه الزوجة الكنة الذكية، وأن تشكرها بأنها عملت وتعبت، ويجب على زوجها الذي هو ولدُ حماتها أن يرد الجميل، وتقول لحماتها وأنا معه أيضا في خدمتك، وما تحتاجينه يكون حاضرا بإذن الله عز وجل. ونفس الكلمات الطيبة المؤلفة للقلوب تقال لوالد الزوج، الذي هو بمثابة عمها. وأن تعين زوجها على أن يتذكر ويتدبر ويعمل بقول الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[الأحقاف:15].
أيتها الزوجة الذكية قلت لك: بأن اللين والتواضع وخدمة الآخرين قوة وليس ضعفا، وشرف وليس مهانة، وأن نعفو عمن ظلمنا، وأن نتصالح مع من عادانا إن تاب واتبع الصواب، وأن نضحي تطوعا في سبيل الله إسعادا للناس، بإدخال السرور عليهم، قلت لك ليس هذا مما ينقص من قدرك ومقامك، بل يزيدك رفعة وتشريفا، والقاعدة من تواضع لله رفعه الله فتذكري أيتها الزوجة الذكية. وعلى سبيل المثال فعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من هو، وهو أمير المؤمنين؟ وكان يحرس ويداوي إبل الصدقة بنفسه، ويحمل الجرة على كتفه، ويحمل كيس الدقيق على ظهره ليوصله إلى أرملة مسكينة ليخدمها وأولادها؟!!
رابعا: دور الزوج الرجل حقا: الزوج الرجل! هو الذي لم يكن وعد زوجته يوم الخطبة بالوعود المعسولة، بأن يقيم لها شهر العسل، ثم لتكون الملكة المطاعة، والآمرة الناهية في البيت، وأن تخرج متى شاءت، وتلبس ما تشاء، وتأكل الذي تحب وتتمناه، وميزانية المصروف بيدها، و.. و.. ألف واو.. الزوج الرجل: هو الذي يقول لزوجته من البداية: حياتي الاجتماعية، وظروفي الاقتصادية، وأفراد عائلتي الذين يعيشون معي، هو كذا وكذا للتعارف على بساط الصراحة وقول الحق، إن كنت راضية بأن تعيشي وفق ظروفي وتساعديني فها أنا ذا وها أنت ذي.
ثم إذا ما تم الزواج، كلما أراد أن يتكلم الزوج في مسألة تخص مصير العلاقة الأسرية، يعقد جلسة مع زوجته وبحضور أمه وأبيه، وإذا كان الزوجان في بيت عائلي ومعهما أخوات الزوج، فليحضرن الجلسة، والزوجة الذكية وبمبادرة منها هي التي تهيئ الشاي، وأخوات الزوج إن حضرن هن اللواتي يوزعن الشاي لطفا منهن وكرما ومجاملة طيبة من الطيبات اللائي يزرعن الخير والمحبة بين الأقارب. وتكون الجلسة حميمية يسودها المرح، والحوار الطيب الجميل عن شؤون حاضر الأسرة ومستقبلها، ولتظل المجالس العائلية حُلْوَةً وشيقة، ينبغي اجتناب كل كلمة عتاب، أو ذكر غلط قد فات وغاب، بل العمل على التماس الأعذار، وحفظ الأسرار، وشكر العزيز الغفار، وحمد الله الواحد القهار.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …