الرئيسية | الحـــق الـمر | علـــــم ٌ لا ينفــــع…

علـــــم ٌ لا ينفــــع…

يكتبه د. محمّد قماري/

لعل من أبدع الأمور التي وصلت إليها المجتمعات الحديثة، أمر تعميم التعليم وفي بعض المجتمعات لا تكاد تعثر على إنسان لا يقرأ ولا يكتب، فالتعليم غدا عندهم كالماء والخبز ضرورية حياتيّة، ثم بعد ذلك يتراتب المجتمع، حيث تجد من لا يزيد في تعليمه على ما يشتغل به في معاشه، فالبناء والكهربائي والرصاص…كلهم ينطلق في عمله وفقا لدروس نظرية تلقاها، وكأن شعارهم ما استفتح به الإمام البخاري أحد أبواب صحيحه بقوله: «العِلْمُ قَبْل القَولِ والعَمَل»…
وتجد في الطبقة العليا من تلك المجتمعات أناسا نذروا أنفُسهم للبحث عن سنن الله في الأنفس والآفاق، وأطلقوا على تلك الطبقات مسميات أو اجازات أو شهادات، وحرّم علماؤهم على أنفسهم أن يشهدوا شهادة الزور، وأنفوا أن يوقعوا بأسمائهم على أوراق تهب ألقابًا دون رواية ولا دراية…
ومن سنوات قرأت في كتاب (شروط النهضة) الذي ألفه مالك بن نبي، رحمه الله، سنة 1948 كلامًا أقول آسفًا أنه يصدق على واقعنا المعاصر، ففي فصل عقده بن نبي للحديث عن خطر الأميّة في المجتمعات التي تتطلع إلى النهضة، يقول: «إذا لم نأخذ هذا التنبيه الأساسي، فإنه لا يمكن للتعليم إلا أن يُفرّخَ مسوخًا تنبثُ وسط جماهير الشعب الأمي»، ويضيف: «هذا الخلل سببه ذلك الأخرق الذي بتر فكرة النهضة، ولم ير في مشكلة الجزائر إلا حاجاته أو طموحاته…ولم ير في الثقافة إلا مظهرها الأشد تفاهة: أنها وسيلة ليصبح ذا شأن في المجتمع أو مع ذلك علم يحصل به على قوته».
هذا هو الفرق بين شهادة يرجو المجتمع من صاحبها أن يقدم له حلولاً لمشكلاته، وهي حلول يقدمها على (بصيرة)، وشهادات عند أفراد في مجتمعات أخرى، يتزيّن بها الأمي المعّقد أمام الأميين البسطاء، وربما كان لتعوّذ صاحب الرسالة: (اللَّهُم إِني أَعُوذُ بِكَ منْ عِلمٍ لا يَنْفع) نصيب من التعّوذ، فذلك المظهر المخادع يثبط المجتمع، ويقتل عند الجادين فيه روح التطّلع للعلم، ويفتح باب شرٍ للمقامرين بحرمة العلم وشرفه…
لقد كان علماء الحضارة الإسلاميّة مقبلين على العلم لذاته، ويكسبون قوتهم بكد يمينهم وعرق جبينهم، فتجد صاحب الزجاج (الزّجاج) و(الرماني) و(الثعالبي)…يعيشون على الكفاف، وينذرون أوقاتهم في تحصيل العلم وتمحيص مسائله.
وحين شرعت أوربا في إحياء مدارسها، نذرت رجال الكنيسة ليقودوا الركب أولاً، وانطلقوا بروح الراهب وتبتل العابد في البحث عن الكتب واستيعاب علومها، ولم يلتحق بهم غيرهم إلا بعدما لاحت بوادر جدوى العلم، وأن العلم مربح في تحقيق الثروة والمجد…
إن تمييع الشهادات العلميّة، وحصرها في تحقيق كسب (الخبز) آفة قاتلةٌ، وأثارها البعيدة تمتد كخلايا السرطان، تعبث في التكاثر الفوضوي حتى إذا حاصرت وظائف الأعضاء قتلت الجسم كله، وصدق المتنبي وهو يصف بعضًا من هذا المظهر المخادع:
أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً *** أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ
صحيح أنه لا يرجى خيرٌ من مجتمع تعوزه قيادات علمية، تصل به إلى التنميّة والازدهار، لكن يجب التمييز بين الشهادات العلميّة والمحتوى المعرفي، فالعالم المتقدم يتحدّث منذ زمن طويل عن أصحاب (العقول الذكيّة المرتبة)، يسعى أن يذلل أمامها سبل البحث والانتاج العلمي، ويأخذ بما تشير به من حلول لمشكلات مجتمعاته.
ومن مذكرات عبد الرحمن بدوي، رحمه الله، قرأنا استغرابه من اشراف بعض الأساتذة الفرنسيين على العديد من رسائل الدكتوراه دفعة واحدة، يتقدم بها طلبة من العالم الثالث، فكان رد أولئك الأساتذة أن هؤلاء ليسوا فرنسيين وجاؤوا لأخذ شهادات ثم يعودوا لبلدانهم!
لكن الأغرب أن يشرف أستاذ واحد على العديد من الرسائل العلمية، دفعة واحدة في جامعاتنا، وهو في ذلك المقام إما عبقري يمتلك طاقة فوق طاقة البشر، أو هو مدع يكتفي بخريجين على حد قول المرحوم عبد السلام لعجيلي: لا يفرق بين (دكتور) و(تراكتور)!
ولطالما وقفت أضرب أخماسًا في أسداس، وأنا أقرأ بحوثًا جامعيّة تفتقد لأدنى شروط السلامة اللّغوية، لا أتحدث عن التراكيب الفاسدة أو الرسم الاملائي المنكر، فتلك إذن قسمة ضيزى، بل أشير إلى أسماء (إن) وأخواتها و(كان) وأخواتها، والفروق القاعدية بين (الظاء) و(الضاد) و(التاء) المفتوحة والمربوطة…
ومما يثيبك غمًا بغم، أن تجد في قائمة المراجع عشرات الاحالات إلى كتب ومقالات بالفرنسية أو الانجليزية، ومعرفة صاحبنا باللّغتين كمعرفة جدتي، رحمها الله، بالدوال (اللوغاريتمية) في الرياضيات، ومع ذلك لا يتطوّع أحدهم في سؤاله: أقرأ ما أثبت من مراجع في لغتها أم قرأها منقولة إلى العربيَّة؟ فإن كانت الثانيّة لمَ لمْ يثبت عنوان المقال أو الكتاب مترجمًا؟
ونحن لا نملك إلا الدعاء: فاللّهم نعوذ بك من علم لا ينفع.

عن المحرر

شاهد أيضاً

طريـــق الخـــــــــلود…

يكتبه د. محمّد قماري/ منذ بدء الخلق وجدت نزعة الخلود في هذا الكائن البشري، وفي …