الرئيسية | وراء الأحداث | تقرير المخابرات الأمريكية يحمل محمد بن سلمان مسؤولية اغتيال خاشقجي

تقرير المخابرات الأمريكية يحمل محمد بن سلمان مسؤولية اغتيال خاشقجي

أ. عبد الحميد عبدوس/

عادت قضية الصحفي المغتال جمال خاشقجي للتداول الإعلامي بعد مرور أكثر من سنتين على اغتياله البشع في 2 أكتوبر 2018 بالقنصلية السعودية في اسطنبول بتركيا، وبعد مرور شهر من تنصيب الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية جوزيف بايدن وخروج الرئيس المهزوم دونالد ترامب من البيت الأبيض والذي شكلت فترة حكمه حقبة كارثية في تاريخ الديمقراطية الامريكية بعد تعمده خلخلة المبادئ المستقرة للسياسة الأمريكية ومساندة الأنظمة المستبدة.
يرى العديد من المتابعين أن رفع السرية عن تقرير المخابرات الأمريكية الذي حجبته إدارة ترامب حول اغتيال الصحفي والمعارض السعودي خاشقجي وإصداره لوسائل الإعلام، يعكس الاختلاف في المواقف تجاه السعودية وقضايا حقوق الإنسان بين ترامب وبايدن، رغم أن المنشور من التقرير هو عبارة عن ملخص غير سري لنتائج المعلومات الاستخباراتية حول قضية خاشقجي، فقد تأخر نشر التقرير ليومين لأن الإدارة الأمريكية لم تكن راغبة في نشره قبل حدوث الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي والعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، وكان الرئيس بايدن قد صرح انه اطلع على محتوى التقرير واعرب عن حرصه على الحفاظ على العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية. ومن جهته أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس أن التقرير لن ينشر بشكل كامل، وليس من الغريب أن تراعي الإدارة الأمريكية بعض الاعتبارات السياسية والأمنية في علاقتها بالسعودية، لأن حكام الولايات المتحدة اتبعوا منذ ثلاثينيات القرن الماضي سياسة «النفط مقابل الأمن»، وحتى بعد أن أصبحت أمريكا أكبر منتج للنفط في العالم ظل الرئيس دونالد ترامب يمارس سياسة «الدولار مقابل الأمن» مع حكام السعودية مما جعل النظام السعودي من أكثر الأنظمة العربية التي اشترت غطاء الحماية الأمريكية مقابل مليارات الدولارات.
غير أن تقرير المخابرات الوطنية الأمريكية كشف تورط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في تكليف فريق الاغتيال السعودي بقتل خاشقجي وصادق على تقطيع جثته بقنصلية السعودية في اسطنبول، وسبق للأمير محمد بن سلمان أن نفى التورط المباشر في الجريمة، لكنه أعرب عن مسؤوليته عن الحادث باعتباره الحاكم الفعلي للبلاد، كما أكد وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بمبيو أنه ليس هناك أي عنصر يربط ولي العهد السعودي بمقتل جمال خاشقجي غير أن صحيفة نيويورك تايمز كانت قد كشفت في نوفمبر2018 أن تقرير المخابرات الأمريكية يحتوي على تقييم بدرجة «متوسطة إلى عالية من الثقة» حول مسؤولية ولي العهد والحاكم الفعلي للسعودية، عن جريمة مقتل خاشقجي، وقبل نشر تقرير المخابرات الأمريكية قالت شبكة سي أن أن، إن «الطائرتين الخاصتين اللتين استخدمتهما فرقة الاغتيال كانتا مملوكتين لشركة كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد استحوذ عليها قبل أقل من عام».
ولقد ظل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تحول إلى مقاول تجاري وصهره اليهودي جاريد كوشنر عراب صفقة القرن الصهيونية الذي قال صراحة: «نحن نحمي دولا غنية كالسعودية وعليها أن تدفع الثمن» يفرضان حمايتهما على ولي العهد السعودي ويرفضان أي مسعى لإدانته في مقتل خاشقجي.
لكن مرحلة إعادة تعديل العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية التي بدأت ملامحها في الظهور في عهد جو بايدن الذي رفض الاتصال برجل السعودية القوي ولي العهد محمد بن سلمان لن تصل إلى مرحلة القطيعة.
وللتذكير فقد تم اغتيال الصحفي السعودي الكبير جمال خاشقجي -رحمه الله- يوم 2 أكتوبر 2018 داخل مبنى قنصلية المملكة العربية السعودية في اسطنبول، وتم الاعتماد في تنفيذ هذه الجريمة البشعة على فريق قتل محترف ضم صلاح محمد علي الطبيقي: طبيب التشريح، الذي قام -حسب المحققين الأتراك -بمساعدة عناصر من الاستخبارات السعودية بتقطيع الجثة وتذويبها، ثم دعم بإرسال وفد لطمس معالم الجريمة وإخفاء الأدلة بالقنصلية ومنزل القنصل، يتكون من أحمد عبد العزيز الجنوبي الخبير الكيميائي، وخالد يحيى الزهراني وخبير علم السموم، كما كان من بين الـ 15 شخصاً المشتبه فيهم بتنفيذ جريمة الاغتيال، شبيه بالمغدور جمال خاشقجي، يدعى مصطفى محمد المدني ارتدى ثياب خاشقجي وخرج من باب القنصلية الخلفي يوم 2 أكتوبر 2018 من أجل التمويه، وإقناع الناس بأنه خاشقجي خرج فعلاً من القنصلية بعد إتمام تعامله الإداري في القنصلية . وظلت السلطات السعودية تنفي وجود خاشقجي داخل قنصليتها باسطنبول، وتنفي مسؤوليتها عن حادثة قتله، وبعد ثلاثة أيام من اختفاء الصحفي صاحب الشهرة العالمية، أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في حوار له مع وكالة بلومبيرغ الأمريكية: «المملكة ليس لديها ما تخفيه بشأن قضية خاشقجي». وفي 12 أكتوبر 2018 قال وزير الداخلية السعودية عبد العزيز بن سعود: «أن ما يتداول بوجود أوامر بقتل خاشقجي هي أكاذيب».
ولكن بعد تزايد ضغوط وسائل الإعلام وعدد من أعضاء الكونغرس على إدارة دونالد ترامب لتسليط الضوء على قضية خاشقجي أعطى الرئيس الامريكي لحكام السعودية فترة زمنية لصياغة رواية تعترف فيها بمقتل جمال خاشقجي، وبالفعل أصدر النائب العام السعودي في فجر السبت 20 أكتوبر 2018 أي بعد 18 يوما من اغتيال جمال خاشقجي بيانا قال فيه: «أظهرت التحقيقات الأولية التي أجرتها النيابة العامة في موضوع اختفاء المواطن جمال بن أحمد خاشقجي أن المناقشات التي تمت بينه وبين الأشخاص الذين قابلوه أثناء تواجده في قنصلية المملكة في إسطنبول أدت إلى حدوث شجار واشتباك بالأيدي مع المواطن جمال خاشقجي مما أدى إلى وفاته – رحمه الله –.
وبعد خمسة أيام من صدور بيان النائب العام السعودي عن سبب «وفاة» جمال خاشقجي خلال شجار، أعلن مكتب النائب العام يوم الخميس 25 أكتوبر 2018 أن المشتبه بهم في قتل خاشقجي أقدموا على فعلتهم بنية مسبقة. وسجلت القضية ضد ما سمي بالعناصر المارقة التي تصرفت من تلقاء نفسها وأقدمت على اغتيال الصحفي جمال خاشقجي دون علم المسؤولين السعوديين، وفي ديسمبر2018، أصدرت محكمة سعودية حكما أوليا بإعدام 5 أشخاص (لم تسمهم) من بين 11 متهما، كما عاقبت 3 مدانين منهم بأحكام سجن متفاوتة تبلغ في مجملها 24 عاما، وتبرئة 3 آخرين لعدم ثبوت إدانتهم، وهي الأحكام التي اعتبرتها كالامار في وقت سابق “مثيرة للسخرية”.
وفي شهر سبتمبر 2020أصدرت المحكمة الجزائية بالرياض أحكاما نهائية بحق ثمانية أشخاص مدانين، حيث قضت بالسجن 20 عاما على خمسه من المدانين لكل فرد منهم، وثلاثة من المدانين بأحكام تقضي بالسجن لعشر سنوات لواحد منهم وسبع سنوات لاثنين منهم كما أقرت أيضا في حكمها النهائي تبرئة أحمد عسيري (نائب رئيس الاستخبارات السابق) وسعود القحطاني (المستشار السابق لولي العهد محمد بن سلمان)، والقنصل السعودي السابق بسفارة الرياض في إسطنبول محمد العتيبي، رغم أنهم أبرز المسؤولين الكبار المتهمين في القضية. وأكد التقرير الأمريكي أن ما لا يقل عن 21 سعوديا متورطين بشكل مباشر نيابة عن ولي العهد السعودي في جريمة اغتيال جمال خاشقجي الذي كانت وصيته لعائلته هي أن يدفن بمقبرة البقيع التي تضم رفاة العديد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولكن حقد المجرمين على رجل المبادئ المدافع عن قيم الحرية والكرامة الإنسانية لم يقف عند قتله وتقطيعه جثته ولكنهم أذابوا جثته التي لم يتم العثور عليها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مدينـــــة سبـــدو تكـــرم الشيــخ الراحـــل عمــار مطــاطــلـــة

أ. عبد الحميد عبدوس/ تم بمدينة سبدو بولاية تلمسان تكريم الراحل الشيخ المجاهد عمار مطاطلة …