الرئيسية | على بصيرة | حـــذار من الاحتقان الذي يقود إلى الـــبركان!

حـــذار من الاحتقان الذي يقود إلى الـــبركان!

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

ماذا يحدث في جزائرنا الحبيبة اليوم؟ فهي تعاني حملة إشاعات، وهجمة إذاعات، وموجة تعاليق وانطباعات، واحتقان الأفراد والجماعات، فالكل متذمر، والكل متنمر، والجميع متخمر، هي –إذن- أعراض احتقان عسير، وغليان مثير، مما قد يؤول إلى انفجار خطير.
إن من نكد الدنيا على الجزائر، أن تصاب بمجموعة من الآفات، والأوباء، محنة جائحة الوباء، وآفة ظاهرة الغلاء، وندرة المواد والدواء، وانقطاع الماء والكهرباء، وقلة المداخيل وشح السماء.

فلو كان «هما» واحدا لا تقيتهولكنه «هم» وثان وثالث
ليت شعري! هل يع القائمون على الشأن العام عندنا، أبعاد، ومخاطر، هذه الأعراض؟ وهل أعدوا ما يناسب من التدابير والإجراءات للقضاء على هذه الأمراض؟
إذا كان ذلك كذلك فلماذا هذه المظاهر التي تطفو على السطح، لا تبعث على الطمأنينة؟ ولماذا بعض السلوكات الشعبية، وحتى الحراكية، تدفع إلى بث الأحقاد والضغينة والعصبية؟
فقد كان الجميع، يتوقع، أن يكون رد الفعل قويا، بنفس قوة الفعل، فتأتي القرارات مدروسة، لتبعث الآمال في النفوس الميئوسة.
وكيف نعلل، أن عودة الحراك، بعد أسابيع من التأمل والتفكير، تأتي منذرة بالاستفزاز وإحداث المزيد من البلبلة والتعكير.
وماذا نقول لمن علقوا الأمل على الحراك، عندما نسمع من داخل هذا الحراك، بعض متزعميه، ينادي بضرورة تخليص الحراك من الإسلاميين، لأنهم سبب كل بلاء مبين؟
وكيف نفسر من يكتب في الصحافة الناطقة بالفرنسية، من يحذر القائمين على السلطة الانتخابية، باتخاذ التدابير حتى لا يصعد الإسلاميون إلى الحكم في ضوء نزاهة الانتخابات؟
كبرت مواقف يتخذونها، وساءت كلمات ينطقونها! فهل الإسلام، في الجزائر، وباء جاء مع داء الكورونا؟ أم هو بلاء يعاني منه مواطنونا؟ وفيم التشدق –إذن – بالشعارات الجوفاء المرفوعة؟ والكلمات المظلومة المطبوعة؟ وأين نحن من شعار التعايش، والتسامح ومثله مما صم آذاننا؟ ما جدوى التغني بالديمقراطية، التي ملأوا بها أجواءنا وإعلامنا؟
لطالما، أعلنا، وأسررنا، بأن الإسلام في الجزائر، هو إسمنت البناء، وصمام الإخاء، وعنوان العزة والإباء؛ وكل من يحاول إنكار هذه الحقيقة، يعاني –قطعا – من الجهل والغباء.
إنها بديهية عقلية، ورِثناها كابرا عن كابر، وورَّثها الآباء للأصاغر، لأن الإسلام هو دين الأغلبية الساحقة في هذا الوطن، فمن أراد التشييد والإعلاء بدونه، لن يصل إلا إلى زرع الفتن والمحن، مما يعرِّض إلى المخاطر مستقبل الوطن.
كما أن القيادة الحاكمة في هذا الوطن، عليها أن تنأى بقراراتها، وتدابيرها، وإجراءاتها عن المواقف غير المدروسة.
ومن البديهيات، أن تضع الأولويات في إسناد المسؤوليات، للمعايير قبل الأشخاص، فتنأى عن الذاتية والأهواء، إلى اعتبار عامل الكفاءة، وحسن المواطنة، وفعالية الأداء.
فلم نعد نعرف المعايير التي بموجبها يتم تعيين هذا أوهذه، وإعفاء هذا أوهذه، في حين أن البلد –والحمد لله- يعج بالكفاءات، وذوي القدرات، وحملة الشهادات، والطاهرين والطاهرات.
نريد قرارات، تعلو عن الجهوية، والعصبية والنعرات الإيديولوجية، ونتعامل –بدل ذلك – مع كل من يقدم المزيد من العطاء، لمسيرة البناء والتنمية.
نحن، لا نسأل عن المواطن الصالح، المتحلي بالقدرة، والنزاهة، والإخلاص، إلى أية جهة ينتمي، وبأية قناعة يحتمي، فالوطن ملك للجميع، ويجب أن يتعاون المخلصون جميعا على بنائه.
إن الفاصل المشترك الأعظم، الذي ينبغي أن يكون معيارنا، في أسناد المسؤوليات هو الولاء لغير الوطن، سياسيا، أو ثقافيا، أو اقتصاديا، فالعمالة، والخيانة، والتبعية هي النوافذ التي جاءتنا، وتأتينا منها كل السموم ومن هنا فإن المعيار المقصي هو معيار الانتماء لغير هويتنا، ووطنيتنا، وانيتنا.
لذلك نعتقد، بأن هذه الثوابت التي يتفق عليها كل الطيبين المخلصين للوطن، هي أفضل الأسس التي يجب أن يلتف حولها النظام الحاكم والمعارضة، فهي أسس، إن نحن تبنيناها، ستعصمنا من الزلزال والزلل، وستجنبنا كل أنواع الخلل.
نحن مقبلون، على استحقاقات مختلفة، ويجب أن نقول، وداعا للممارسات الوسخة السابقة، التي كانت تحتكم إلى الأموال بدل الرجال، وإلى الولاء، بدل الوطنية والإباء.
ففي هذا المنحى نريد للحراك الشعبي المبارك أن يتدارك، فينفث خبثه، ويقصي جثثه فيعيد ربط الصلة بالأصول، التي من مبادئها التغيير العميق، والتجديد الدقيق والإصلاح الأنيق.
هذه نفتات مصدور، مصاب بحب الوطن البئيس المقهور، نريد من خلالها، أن نرفع عَلَم التنبيه والتحذير، فواجبنا الثقافي، ومنهجنا الإصلاحي ووعينا الأخلاقي، كل ذلك يحتم علينا أن نحذر من هذا الاحتقان الذي يشيد بمعظم المواطنين، ولا سيما الشبان.
كما ننصح بضرورة التصدي للغليان، السائد في كل ميدان، لا بالعنف، ولا بالقمع، ولكن بالتربية والتكوين، وبالعدل والتمكين.
يجب أن نحسن الإصغاء للناصحين المخلصين حتى ولو كانوا من المخالفين، فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها، فهو أحق بها.
وقديما قال شاعر عربي:
عِدايَ لهم فضل علي ومنّةٌفلا ابعد الرحمن عني الأعَاديا
همُ كشفوا عن زلتي فاجتنبتهاوهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
إننا لن نقضي على الاحتقان إذن، ولا على الغليان، ولن نطفئ لهيب البركان، إلا بتقديم المثل والقدوة، من القمة إلى القاعدة، وذلك بإزالة كل أسباب التوتر، ونزع العوامل التي تؤدي إلى التجمهر، والاستجابة إلى متطلبات الازدهار والتقدم، للقضاء على دواعي التأخر والتقهقر.
تلك هي وصية الشهداء، وتلك هي رسالة العلماء، وذلك هو الوفاء لما بُذل من العرق والدماء، إذا أردنا حقا، أن نشيد جزائر التغيير، جزائر التجديد، جزائر الاستقلال والسيادة، والنماء.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سُحب دكناء في سماء تونس الخضراء

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ إن مما أنعم الله به على …