الرئيسية | الحـــق الـمر | تـغــنَّـــــانــــــــــــــت…

تـغــنَّـــــانــــــــــــــت…

يكتبه د. محمّد قماري/

ينسب الفرنسيون إلى أحد سياسيِّ الثورة الفرنسيَّة قوله: (إنَّ السيَّاسةَ هِي فَنُ المُمْكن)، ذلك السيّاسي هو ليون غامبيطا(Léon GAMBETTA)، وغدت هذه العبارة حكمة، فالسيّاسي الناجح هو الذي يتحلى بأكبر قدر من المرونة في الوسائل، ويتحالف في طريقه مع من يقطع معه بعض الطريق، وهو يقَّدر أن الافتراق حاصلٌ لا محالة بعد حين…
وربما راود بعضكم سؤال مشروع: كيف تصنع لمقالك عنوان (تغنَّانت)، وتحدثنا عن (فن الممكن)؟ ولأجل رفع هذا الالتباس أسارع إلى القول إن الذي وضع هذا العنوان هو الشيخ محمّد خير الدين، رحمه الله، وهو نائب رئيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين، ففي مذكراته رصد لنا طائفة من الحوادث التي شارك في صنعها أو عاصرها، فغذت بحق مصدرا يجلو صفحات من تاريخنا المعاصر…
إن أبناء الاستقلال يجهلون تاريخ كفاح أسلافهم، ويكاد تاريخ مقاومة الاحتلال يُحصر في سنواته الأخيرة، فإن تكن (ثورة نوفمبر) هي أم المعارك في سبيل التحرير، فمن الرعونة والظلم ألا تعرف الأجيال الناشئة كفاح أسلافهم المرير، سواء بالسلاح والدم أم بالمقاومة الثقافيّة والقلم، ولا مستقبل لأمّة تقتل فيها ثقافتها التي تشحذ روح مقاومة ومقارعة المعتدي…
لقد آتى الله الشيخ خير الدين رشده، وهو يحرّر مذكراته، فأثبت قوائم الطلبة الناجحين في مدارس جمعيّة العلماء، فقرأنا أسماء السيّدة زهور ونيسي وأخواتها، وهي التي ألمَّ بها داء في عينيها جعل الطبيب يمنعها من مواصلة الدراسة حضوريًا، وتابعت دروسها في البيت فلما جاء الامتحان كانت الأولى على دفعتها، وقرأنا خبر نجاح الشيخ عبد الرزاق قسوم، والدكتور محي الدين عميمور…
وإن تعجب من المدرسة الجزائرية في مجال التعليق الرياضي بالعربيّة، فإن للقصة حكاية تجدها في تلك القوائم، تجدها شاخصة في اسم عبد الرزاق زواوي وهو أحد خريجي مدارس جمعية العلماء، وأسماء لمعت بعد ذلك في ميادين الجهاد أو في الدواوين المختلفة في سنوات الاستقلال…
كانت فرنسا تروّج لفكرة (المتوسطيّة)، وفحواها أن البلدان التي تطل على المتوسط يجب أن تندمج في مسعى تتخلى في عن طعمها وذوقها ورائحتها، والمقصود طبعًا هي الضفة الجنوبيّة المغلوبة، ففي سنة 1932 صدر مرسوم عن (لجنة البحر الأبيض المتوسط الفرنسيّة) يقضي بمنع التعليم العربي في المدارس الحرّة وفي المساجد، يقول الشيخ خير الدين: وعلى إثر إعلان هذا المنشور، أصدر الأستاذ الأمين العمودي، رحمه الله، عددا خاصا من جريدته (الدفاع) التي يصدرها باللغة الفرنسية في العاصمة الجزائرية مجللا بالسواد، يهيب فيه بالشعب الجزائري أن يقدم الاحتجاجات وينظّم المظاهرات في عموم الوطن، تعبيرًا عن سخطه تجاه هذا القانون الجائر…
قام الشيخ خير الدين بالتنسيق مع الدكتور سعدان، وخرجت مظاهرة ضخمة عمت أرجاء مدينة بسكرة، ولقد خلّد الشاعر محمّد العيد آل خليفة تلك الحادثة شعرا:
يـــــــــا (لجنة البحر) خبرينــــــا*هل فيك للشعب من مفيد؟
يــــــــا (لجنة البحر) لا تحيفي*عن جانب العدل أو تحيدي
هل من جديد فقد سئمنا*سياســــــة الوعــــــد والوعيــــــد
ووقع اتفاقٌ بين الرجلين أن يساند الشيخ خير الدين الدكتور سعدان في تنظيم وقيادة الحملة الانتخابيّة التي يخوض الدكتور غمارها، وكان منافسه فيها أحد الموالين للسلطات الاستعمارية، وكانت (تغنَّانت)…
والشيخ خير الدين يشرح مفردة (تغنَّانت): كلمة بربريّة معناها على الرغم من أنف الخصوم، وللفظة أصل في المعجم العربي إذ نقرأ في لسان العرب: (وأَغَنَّ الذُّبابُ: صَوَّت، والاسم الغُنانُ)، وبالانزياح الدلالي كأَّن من يغلق رأسه عنادا يصَّوت كغُنَان الذباب، وهو من الأصوات المنكرة إذا علا، ويسمى أيضا طنينًا لما يحدثه من صوت مزعج.
وتصَّوروا معي أن (تغنَّانت) كانت عنوانا لصحيفة بالعربيّة أصدرها الشيخ خير الدين وجماعة الحملة الانتخابيّة المساندة للدكتور سعدان مع أخت لها ناطقة بالفرنسيّة تحت عنوان (Le coup de bambou) أي (ضَرْبة الخَيزُران)، بمناسبة ترشح الدكتور، وكانت معركة شرسة مع الإدارة الفرنسيّة وأذنابها، وانتهت بفوز الحكيم، وتبعتها مؤامرات خسيسة في حق الشيخ وعائلته…
أعود لتلك المفاصل الحرجة من تاريخنا، وأستحضر عزمات رجال آمنوا بأن العاقبة للحق، وأن حُلكة الليل لا يجب أن تنسينا سنن الله في الكون، فالليل مهما طال يتلوه النهار، وأن عجرفة الظلم تحمل بذور فنائها في داخلها، وأن هيجان الزبد على السطح مآله الجفاء والاندثار: «كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ»(الرعد/17).

عن المحرر

شاهد أيضاً

صناعةُ الاستبداد…

يكتبه د. محمّد قماري/ لفت نظري في قصة موسى عليه السلام، كما جاءت في القرآن …