الرئيسية | مساهمات | حـــــديث الاثنـــــين

حـــــديث الاثنـــــين

عبد العزيز بن سايب/

كانت البلاد جَوْعَى.. فالعودةُ للتدين صارتْ باديةً وقويةً ونَهِمَةً.. خصوصا بين صُفوف الشباب المتعلِّم.. وفي رحاب المساجدِ والجوامعِ والمصلياتِ والجامعاتِ وأحيائِها..
وغالبُ النفوسُ تَهْفُو للغريبِ قبل القريبِ.. فكيف إذا كان القادمُ عملاقًا في منزلةِ ومقامِ الشيخ محمد الغزالي.. الذي كان يملَأُ السمعَ والبصرَ والفؤادَ والعقلَ.
أَشَعَّ بأنواره على جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية ومَن يَلُوذُ بها في مدينة قسنطينة.. فكان لها نصيبُ الأسد.. لكن لم تُحْرَم البلادُ وعبادُها من ذلك الخير العميم.
فكان يُطِلُّ علينا الشيخُ مساءَ كل اثنين من خلال “درس الاثنين”.. أو “حديث الاثنين” الذي كانت تَبُثُّهُ الإذاعةُ والتلفزيونُ الجزائرية، قبل نَشْرَةِ الأخبارِ المسائيةِ.. وهو تَوْقِيتُ خِرِّيتٍ..
كان الشوقُ يتملكنا ونحن مُتحَلِّقِين حول التلفاز نَرْقُبُ ذلك الدرس الماتع النافع المتميِّز..
مع تلك البِدايةِ والدِّيباجةِ البسيطةِ بنَبْرَةِ الشيخ الجذَّابَة: بسم الله الرحمن الرحيم.. أيها الإخوة.. السلام عليكم ورحمة الله..
وخاتمته البسيطة أيضا: والله ولي التوفيق.. والسلام عليكم ورحمة الله.
أحيانا يُصَوَّرُ الدرسُ في بيته، وأحيانا في مكتبِهِ في الجامعة، وأحيانا في قاعة المحاضرات “مالك بن نبي”.
أخبرني من كان يحضر بعض تسجيلات تلك الدروس أنّ الشيخَ يَجمعُ عِدَّةَ دروسٍ في جلسةٍ واحدة.. أحيانا تبلغ السِّتَّةَ.. وبين الدرسِ والدرسِ يَسْتَمْهِلُ الشيخُ المصوِّرَ لحظاتٍ يَستجمِعُ فيها الموضوعَ الآخر في ذهنه.. ثم ينطلق في بيانه.
وهذا احتياطٌ من الشيخ حتى لا تَنقطعَ سلسلةُ الدروسُ، فقد تأتيه أسفارٌ ومشاغل لا يَفْرُغُ معها للتسجيلِ.
موضوعاتٌ حديث الاثنين مُتنوعة.. لكنَّها تَمسُّ الحياةَ وترمي إلى التوعيةِ الدِّينيةِ..
وكم لتلك الدروس من الآثار الطيبة على مجتمعنا، وكم لها من أيادٍ بيضاء على الأفراد والجماعات.. نعم إنها دقائق تستغرق ربع ساعة أو أقل أو أكثر.. لكنها تفعل الأفاعيل، تقلب التُّرَابَ تِبْرًا.. خصوصا أن بعض الأُسَرِ لا علاقة لها بالدين فكانت النافذةُ الوحيدةُ ليسمعوا صوت الإسلام هي من خلال مثلِ هذه الدروس التلفزيونية.
حتى العجائز الأُمُّياتِ يَقْعُدْنَ له في هدوء وخشوع.. أخبرني أحد الأصدقاء أنّ جَدَّتَه الطاعنةَ في السن كانت تجلس أمامَ التلفازِ وقتَ الدرسِ بكل سكنية واهتمام.. فكان صاحبي يُمازحها قائلا: يا نَانَّى.. يعني تفهمي كلّ شيء يقوله الشيخ؟!
فتُجِيبُه غيرَ آبهةٍ بغِلاظَتِهِ: لا.. لكنَّ هيأتَهُ تَدُلُّ أنه يقول الحق والشيءَ المهم.
فالكلام الذي يخرج من القلب لا يستأذن أحدا.. إنهّا فصاحةُ القلوبِ وبيانُ الأرواحِ وبلاغةُ النِّياتِ.
كثيرا ما كُنَّا في صبيحة الثلاثاء نجتمع أمامَ بوابةِ الثانوية نتذاكر ما تَعَرَّضَ له الشيخُ الغزاليُّ في درس ليلة الأمس.. بين تَساؤلٍ وإعجابٍ ونِقَاشٍ.
كالدرسِ الذي تكلم فيه عن تَلَبُّسِ الجنِّ بالإنسِ وما أَثَارَهُ.. وستأتي في هذا الموضوع بالذات مع الشيخ مقالةٌ مستقلةٌ..
وكدرس الزِّلزالِ الْمُرَوِّعِ الذي هَزَّ مدينتنا قسنطينة في شهر أكتوبر سنة 1985.. وما أصاب أهلَها من الجزعِ والمبيتِ في العراء ليلةً بيضاءَ..
وكموضوع الباقيات الصالحات الذي قسمه إلى 4 دروس.. في الدرس الأول تكلم عن “سبحان الله”، وفي الثاني عن “الحمد لله”، وفي الثالث عن “لا إله إلا الله”، وفي الرابع عن “الله أكبر”.. شرح فيها الشيخُ هذه الأذكار ومعانيها وفوائدها..
وفي الدرس الثاني تفاعل الشيخُ كثيرا مع الموضوع وعند قراءتِه لقوله تعالى من سورة الروم: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}.. تَأَثَّرَ جدا.. وهو رقيقُ المشاعرِ سريعُ الدمعِ.. فأَحَسَّ كلُّ مَنْ شَاهَدَ الحلقةَ بأنَّ الشيخَ كاد أن ينفجر باكيا.. لكنه تَمَاسَكَ وعَجَّلَ بختم الدرس قبل أن يَنْقَضَ تَجَلُّدُهُ.
حتى إنَّ أحد أصدقاءِ الثانوية ممن لا علاقةَ له بالدين لطبيعة نشأته الأسرية وبيئته العائلية.. جاءني مُسرعا صبيحةَ الدرس وخاطبني وكلُّه حماسٌ وتعجبٌ:” يا بن سايب شُفْتْ الشيخ الغزالي البَارَحه.. رَايَحْ يبكي.. والله شَوَّكْ لحمي كي شُفْتُه”.
وفي مرة من المرات دار النقاش في حصة أستاذة الإنجليزية ـ التي لا شَكْلُها ولا طريقتُها تَدُلُّ على اهتمامٍ بالدينِ أو شؤونِهِ ـ عن مسألة تتعلق بالدين.. فكانت مني المباردةُ ببيان نظرةِ الدينِ لتلك المسألة.
فإذْ بالأستاذة تقول لي بالفرنسية: لكن يا بن سايب الشيخ الغزالي لم يقل هكذا في درس من دروسه..
تفاجأتُ من تعقيبها وسارعتُ من فرحتي بالقول: يا أستاذة.. هل تُتابعين درس الاثنين للشيخ الغزالي؟!
فأجابتني بالفرنسية أيضا: طبعا.. أكيد.
أصدقكم نالت الأستاذةُ بذلك إعجابي وتقديري.. وسألتُ لها في باطني الهداية والاستقامة.. ولُمْتُ نفسي على التسرع بالحكم على النّاس من خلال شكلِهم وثيابِهم.
كنتُ أحرص كلّ الحرص على تسجيل تلك الدروس في الأشرطة السمعية.. فأدنو جدا من التلفاز حاملا المسجلة.. حتى لا يفوتني شيء من الدرس وكي أمنعَ الضجيجَ والأصوات المشوشة في البيت..
وما زالتْ عشرات تلك الأشرطة في حوزتي.. أُحافظ عليها إلى ساعة كتابة هذه الأسطر.. فهي من حَبَّاتِ قلبي..
والآن ولله الحمد قام بعضُ الأفاضل بجمع هذه الدروس صوتيا، في أقراص مضغوطة.. وقد بلغت قريبا من 172 درسًا..
ونشر عبد القادر نور، المدير الأسبق للإذاعة الجزائرية، كتابا تحت العنوان: “أحاديث الاثنين”، ضَمَّ فيه 30 درسا، وهي قرابة خُمسِ الدروس فقط، وجعل ريع الكتاب مُهْدى للمعاقين حركيا بالجزائر، حسب وصية الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى.
ولا يَفُوتُني أن أذكِّرَ أنَّ مشروعَ هذا الدرس كان باقتراحٍ من الشيخِ عبد الرحمن شيبان، وموافقة رئيس الدولة وقتَها الشاذلي بن جديد..
جزى الله تعالى الشيخَ الغزاليَّ كلَّ خيرٍ وأجرٍ.. ومَنْ كان سَببًا ومُخَطِّطًا ومُجَسِّدًا وناشرا لهذا الدرس “حديث الاثنين”..
كتبه عبد العزيز بن سايب. عفا الله عنه

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـمفكــــر هشـــام جعيـــــط وســـــؤال الـمنهــج

أد. مولود عويمر/ كنت أقرأ بعض كتابات المفكر التونسي هشام جعيط (1935) تحضيرا لمناقشة أطروحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *