الرئيسية | مساهمات | الـمفكــــر هشـــام جعيـــــط وســـــؤال الـمنهــج

الـمفكــــر هشـــام جعيـــــط وســـــؤال الـمنهــج

أد. مولود عويمر/

كنت أقرأ بعض كتابات المفكر التونسي هشام جعيط (1935) تحضيرا لمناقشة أطروحة دكتوراه في الفلسفة أعدتها الطالبة الباحثة فتيحة سالم بجامعة الجزائر 2 والتي تناولت فيها مسألة الهوية بين المرجعية التراثية والمرجعية الغربية كما تصورها هذا المؤرخ والمفكر المعروف.
وقد استوقفتني خلال القراءة والبحث هذه الفقرة من مقال قيّم كتبه منذ 35 سنة فأحببت أن أشاركها هنا مع القارئ نظرا لأهميتها:
«لم نعد عالة على المستشرقين في دراسة تاريخنا ولا على الخبراء الأجانب في دراسة اقتصادنا. لكن نلحظ أن هذه المجهودات قامت بفضل أناس آمنوا بالفكر والثقافة، وقليلا ما حظوا بتشجيع من الحكومات أو الجماهير، والخطر اليوم أن يهدر هذا المجهود وأن ينقرض علماؤنا دون أن يتمكنوا من تكوين أجيال جديدة على ما يلزم من حب للمعرفة ومنهجية كاملة».
وهنا نطرح السؤال الآتي: هل يوجد فعلا خلف للجيل السابق الذي تميّز بالجدية والعمل الرصين؟
إن الجامعات العربية التي ابتعدت عن التقاليد العلمية المعتمدة في العالم المتقدم لم تعد تكوّن النخبة وتنتج العلماء المبدعين والمفكرين الملهمين، وإنما اقتصرت جهودها على تلقين القدر اليسير من المعرفة وتوفير الحد الأدنى من الإنتاج العلمي، وتوزيع الشهادات على الطلبة الذين يلتحقون في كل سنة بالطوابير الطويلة للعاطلين عن العمل.
ولا شك أن هناك إستثناءات ونماذج ناجحة رغم كل المعوّقات القائمة ولكن ذلك النجاح تطلب جهدا فرديا مضاعفا ولا يمثل القاعدة العامة المنتشرة والغالبة على المشهد الجامعي والأكاديمي.
ولقد حان الوقت لتصحيح هذا المسار وإصلاح الجامعة والتعليم العالي وكذلك التعليم في المراحل السابقة، فالجزائر تملك كل القدرات المادية والبشرية للارتقاء بهذا القطاع إلى مستوى التحديات الراهنة والطموحات المستقبلية.
وهنا نطرح سؤالا آخر: هل حقا تحرر هشام جعيط من المنهج الاستشراقي وهو يدرس تاريخنا وتراثنا العربي والإسلامي؟
إن الاستشراق علم قائم بذاته، طبق أدواته على معارف الآخر، تتنافى في كثير من الأحيان مع المناهج العلمية الصارمة التي تدرس نفس الموضوع في فضائه الثقافي الغربي. والمقصود في كلام جعيط هو العودة إلى دراسة التاريخ بنفس المناهج العلمية الحديثة التي تُطبّق على التاريخ الغربي. هل هذا المنهج سليم ومناسب لدراسة تاريخنا؟
يرى العديد من الباحثين أن الدكتور هشام جعيط لم يتحرر من المنهج الاستشراقي بل كان أحيانا قاسيا على تراثنا أكثر من المستشرقين أنفسهم. وكان هذا الحكم مبنيا على قراءة جزئية لكتبه دون قراءة النص الكامل ومتابعة كلية لمقارباته، بينما المفكر يُقيم على كل إنتاجه العلمي وليس على كتاب واحد خاصة إذا كان هذا الكتاب قد صدر في بدايات مشواره العلمي. إن تاريخ الفكر لا يدرس فقط البدايات وإنما يهتم أيضا بالمسارات والتحوّلات والمراجعات والنهايات.
تميّزت كتابات جعيط بالشك والتناقض والتراوح تدل على شخصية قلقة ومهمومة بالمشكلات الأساسية لمجتمعه الصغير (تونس) أو مجتمعه الكبير (العالم العربي والاسلامي)، كما أن تعدد مؤثراته الثقافية وتنوّع مرجعياته الفكرية تؤثر باستمرار على تكوينه العقلي وتحديد آرائه في الأحداث ومواقفها من القضايا الراهنة. فما هو معيار الصواب والخطأ عنده؟
العالم أو المفكر يملك طرقا عديدة للدفاع عن أفكاره أو مراجعتها، أو تصحيحيها أو تهذيبها أو التخلي عنها. وكل عالم حر في اختيار طريقته التي تناسبه لاعتبارات مختلفة، وجعيط اختار هذه الطريقة: «إن إحياء جانب من التاريخ الاسلامي في حقيقته وكثافته إنما هو جزء من مسيرتي الوجودية الطويلة. فهل وجدتُ دائما النبرة الصحيحة؟ وهل أوضحت المسائل على الدوام؟ وهل تسلحت دائما بحكم سديد؟ هذا ما يعود للقارئ حق النظر والفصل فيه».
وإذا كان المنهج الغربي غير صالح دائما أو نافعا جزئيا فقط لدراسة تراثنا العربي الإسلامي، فهل يوجد منهج بديل له عندنا أو عند غيرنا من الحضارات الشرقية الأخرى القريبة منا، وأقصد بشكل خاص الحضارات المتطوّرة في الهند واليابان والصين وماليزيا وإيران وتركيا؟ هذا سؤال المنهج يحتاج إلى الدرس والبحث.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مؤلفـــــون وكُتــــاب قــــرأت لهـــم واستــفــــدت منهـــم/ الأستاذ أحمد توفيق الـمدني رحمه الله (1404-1317هـ / 1983-1899م)

أ.د/ مسعود فلوسي*/ أول ما قرأت من مؤلفات العلامة الأستاذ الشيخ أحمد توفيق بن محمد …