الرئيسية | قضايا و آراء | تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

أ. عبد القادر قلاتي/

أكثر ما يزعج تيار العلمنة من الدين كلمة «الشريعة»، فهي في تصورهم، الحاجز الأكثر صلابة في عملية الاختراق المسماة كذبًا وبهتاناً بـ «التنوير»، التي يديرونها انطلاقاً من مشروع تحديثي(موهوم) هو في حقيقته امتداد لمشروع الاستشراق الكولونيالي، الذي نقّب وبحث في التراث الإسلامي القديم، وأخرج جملة من المقولات التي نشأت على هامش المتن الأصلي للإسلام، ومارست عملية تشويه وتشويش على هذا المتن، خلال مسار الإسلام الطويل، فكانت هذه المقولات مرتكز الاختراق الذي بني عليه مشروع العداء للإسلام، منذ القديم وإلى ظهور التيار العلماني –الحداثي تجاوزا -.في صوره الاديولوجية المتعددة (اليسار، واليسار القومي، والليبرالي القديم والجديد، وتيار الالحاد….وغيرها).
ولعلّ المتابع اليوم لحجم التهجم على الإسلام وشريعته، وخصوصا في وسائل الإعلام والتواصل بأنواعها، يدرك كثافة خطاب الاستهزاء والتهوين من الشأن الديني عموما، لكن الملاحظ أن بعض النّخب اتجهت اتجاهات مختلفة في العداء، وذلك بإدارة عدة جبهات فكرية لتفكيك الخطاب الديني عوماً، والدفع به نحو الارتهان للفكر الحداثي، كما جرى مع المسيحية في المجال التداولي الغربي، عندما بدأت المناقشات حول مسألة الدين وحجم الاعاقة التي يشكلها أمام التطور الفكري والمادي، فبدأ ما يسمى بـ «الإصلاح الديني» يتنازل على مقولاته المركزية، حتى فقدت المسيحية خصوصيتها، ووضع الدين في الغرب تحت وصاية الحقول المعرفية الجديدة (الانثروبولوجيا الثقافية والدينية، وسوسيولوجيا الدين، والميثولوجيا، واللسانيات، والسيميائيات… وغيرها من حقول المعرفة التي قدمت مقاربات نقدية للمسألة الدينية)، نقدا وتشريحا وتجاوزا، حتى تحوّلت المسيحية الغربية إلى ميدان للدراسة والبحث التاريخي، وخرجت تماماً من حياة الإنسان الغربي، فهذه الصورة التي أنجزتها الحداثة الغربية، هي الحلم الذي يراود التيار العلماني في نسخته العربية والإسلامية.
لكن الأمر في المجال العربي الإسلامي يختلف اختلافاً جذرياً، فالاسلام في بنيته الفكرية والمعرفية والروحية، شكّل بالنسبة للجغرافيا التي دخل إليها، منعطف التغيير والتحوّل، ولم يكن سبباً فيما لحق هذه المنطقة الجغرافية من تخلف وركود حضاري، ولو بحثنا بإنصاف عن الأسباب التي حوّلت العالم الاسلامي إلى تلك الحالة من التخلف والركود الحضاري، لوجدنا أسبابا أخرى ليس منها الدين إطلاقاً، ودليل ذلك أنّ حركة الإصلاح والنّهضة التي انبعثت في العالم الإسلامي، كان مصدرها الدين وعلماء الدين (الطهطاوي، الأفغاني، محمدعبده، رشيد رضا، الكواكبي…)، فكلّ المجهودات التي عرفها العالم الإسلامي بحثاً عن التغيير والنّهوض كان منشؤها الدين وليس العكس، كما يروّج تيار العلمنة في كتاباته ومنشوراته.
نعود لمسألة الشريعة والمقولة المرتبطة بها، وهي: «فصل القرآن عن الشريعة»، حيث يعمل هذا التيار على التسويق لهذه الفكرة، من أجل تحييد النّص القرآني، والنأي به بعيدًا عن منظومة التشريع، ليتمكن الخطاب الحداثي من إنزال مقولاته مشفوعة بقراءات جديدة للقرآن، تفرغه من كلّ حمولاته الدينية، وكأنّه نص تاريخاني خاضع للزّمان والمكان والتاريخ، ومن ثمّ إبعاد فكرة القداسة التي ارتبطت به منذ نزوله كنّص ديني، وإذا كان القرآن -وهو وحي – لا قداسة له فكيف تكون القداسة للشريعة؛ وهي في مجملها اجتهادات الفقهاء والمفسرين؟، هذا ما سيبرر به تيار العلمنة رفضه للشريعة الإسلامية؛ لأنّ الشريعة ليست -بحسب هذا التيار- ديناً وإنمّا هي جملة من التأويلات والاجتهادات القانونية التي صاغها العقل الفقهي، بالتحالف مع الأنظمة السياسية للتحكم في الشعوب، وبالتالي الدين مسألة فردية ليس للمجتمع أو الدولة التدخل فيه، فإذا قبلنا بالشريعة فمعنى ذلك أنّ العلاقات الاجتماعية لا تخرج عن صيغ التحكم والضبط التي تفرضها الشريعة، في جدلية الفرد والجماعة والدولة، لكن هذا التيار يقبل بالمنظومة القانونية الحديثة التي تؤدي الدور نفسه في إطار هذه الجدلية، ونختم بتعريف مهم للشريعة يحتاج إلى إمعان النّظر، من رجل ليس مسلما وإن كان عربيا، وهو الفلسطيني وائل حلاق في إجابته عن سؤال: ما هي الشريعة؟ فشرح رؤيته للشريعة، يقول شارحا ومبينا: «الشريعة لم تكن إذن مجرد نظام قضائي أو مذهب فقهي تنحصر وظيفته في تنظيم العلاقات الاجتماعية وتسوية النزاعات بين الناس، وإنمّا كانت ممارسة خطابية ربطت نفسها بنيوياً وعضوياً بالعالم من حولها بطرق عمودية وأفقيه، بنيوية وخطية، اقتصادية واجتماعية، أخلاقية وقيمية، فكرية وروحية، إبيستيمولوجية وثقافية، وعلاوة على كون الشريعة مثلت محصلة لكلّ هذه العلاقات، فإنّها قد ميّزت نفسها عن القانون الحديث من طريق آخر أشد حسما: أنها قد نبعت وترعرعت في قلب النّظام الاجتماعي الذي أتت لكي تخدمه في المقام الأول..».

عن المحرر

شاهد أيضاً

رحيل العلماء موت للمؤسسات والمجتمعات

أ. محمد مصطفى حابس جنيف/سويسرا/ انقراض حضارة هو سقوط مجتمع بشري اتسم بفقدان هويته الثقافية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *