الرئيسية | اتجاهات | التوحيد بيــن الـمقاربـــة الصحيــــة والمرَضيــــة

التوحيد بيــن الـمقاربـــة الصحيــــة والمرَضيــــة

عبد العزيز كحيل/

توحيد الله تعالى هو أساس عقيدة الإسلام، هو قطب الرحى وبيت القصيد والركن الركين، هذا ما لا يختلف فيه مسلمان، بل هو الجامع الأول لهم مهما اختلفوا في المسائل الفقهية والفكرية والسياسية وغيرها، وقد يفرط المسلمون في كل شيء إلا في عقيدتهم، فهي تتجاوز حتى معاصيهم وتغلبها، والتوحيد مسألة بسيطة جدا تعني إفراد الله عز وجل بالوحدانية، فهو وحده ربنا وإلهنا، دون سواه، له الخلق والأمر والحاكمية في الكون كله، في الدنيا والآخرة…وهذا ما يعرفه جميع المسلمين ويمتثلونه في حياتهم.
إذًا التوحيد عقيدة إسلامية واضحة وبيّنة، ولذلك سميت شهادة الإسلام بكلمة التوحيد، ومعنى التوحيد هو إثبات صفة الوحدانية لله تعالى، وبإثباتها يُثبت العبد المؤمن تفرُّد الله بالألوهية والربوبية وصفات الكمال وأسماء الجلال، وقد جعل القرآن الكريم التوحيد علامة فارقة في حياة الإنسان، فإنّ المؤمن بألوهية الله تعالى ووحدانيته في الإيجاد والإمداد والإسعاد ينطلق قلبه في ميدان الإيمان بلا قيد، قال الله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}[الأنعام:19].
بيد أن هناك نوعيْن من التعامل مع التوحيد أفرزهما الواقع: التعامل الصحي والتعامل المرَضي، الأول ينطلق من بساطة العقيدة وسهولتها ووضوحها، فيؤدي إلى ظهور الثمرات الطيبة على المسلم كما يفضي إلى توحيد الأمة وقوتها، أما الثاني فهو تحويل التوحيد إلى مباحث كلامية وجدال عريض ينتهي إلى تكفير المسلمين وتشريكهم ورميهم بالضلال، وبالتالي إلى التشتت والتنازع والشقاق وذهاب الريح، وهذا ما نراه في زماننا عيانا، وقد امتدت ظلال الصراع إلى العقيدة ذاتها فكادت تصبح عقائد متعددة مختلفة، إن التعامل المرضي يبدأ بمراقبة بعضهم لألسنة المسلمين وحمل ألفاظهم على أسوأ المحامل والحكم عليهم بسبب ذلك بالكفر المخرج من الملة، رغم أنها إما ألفاظ متشابهة أو هي صواب لا غبار عليه يحتمله النسق الشرعي، أو هي في أسوأ الأحوال أخطاء تعبيرية يكفي تصحيحها برفق، وهو ما يفعله العلماء عبر الكتابة والخطابة والتنبيه.
وأخطر ما في الأمر ما دأب عليه بعض هؤلاء من صياغات عقدية للمسائل الخلافية، فأصبح صنع العصيدة – مثلا – ليس بدعة فحسب بل هو مخالف للتوحيد!!! هكذا أصبح التوحيد سلاحا بيد بعض العباد لا يقوي إيمانا ولا يبني أمة ولا يحمل خفقات الأرواح المؤمنة بل هو مماحكات لفظية وجدال كلامي يهدم ولا يبني ويفرق ولا يجمع…إن هذا المسلك – باسم السلفية – هدفه قد يكون سليما لكن سوء الفهم يلفّه من أوله إلى آخره، وما كان السلف ينظرون إلى أعمال الناس وأقوالهم وتصرفاتهم هذه النظرة السوداوية بل يحملونها على أحسن المحامل كما أمرنا شرعا…هكذا انتقل التوحيد من مصدر للإيمان ولوحدة الصف إلى مصدر للشقاق وإخراج المسلمين الموحدين من دينهم بالظن، والتيار الذي يروج هذه الثقافة المرَضية انتهى هو إلى مفارقة الجماعة واعتبار دار الإسلام دار حرب، مع الأسف.
ومن صور تحوّل التوحيد إلى مباحث لاهوتية إصرار بعضهم على ما يسمى تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، والمشكلة لا تكمن في هذا التقسيم ولكن في التعصب له باعتباره لازما لمفهوم التوحيد ملزما لجميع المسلمين، بحيث يخرج من يناقشه من دائرة أهل السنة والجماعة، وتعداد أنواع التوحيد وتقسيمها بحسب مفهوم كلٍّ منها لا محذور فيه شرعا أو علما، بل يمكن تقسيم التوحيد بأكثر من هذه الأقسام، فيمكن أن تقول: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، وتوحيد الولاية وتوحيد الحاكمية، وكل هذا مأخوذ من القرآن الكريم، أما التقسيم الثلاثي المعروف فهو قول الحنابلة وحدهم.
ليس التوحيد مباحث كلامية ولا لاهوتية ولا مادة للجدال العقيم بل يجب النظر إليه من خلاف الثمرات التربوية التي يكتسبها المسلمون بالتمسك به، ويجب الرجوع إلى المعنى الأصيل للتوحيد، وهو معنًى حيٌّ لِخدمة المسلم في تعبّده لله، وخِدمة الإسلام، وإصلاح الآفاق والأنفُس، بأحكامِه وآدابِه، وإذا تجاوزنا التعقيداتِ الكلامية، واستقَيْنا المفاهيمَ من القرآن والسنة – فإن التوحيد يبدو لنا حركة إيجابية، تربط المسلم بربِّه وبِغيره من الناس، وكذلك بالكون، العلاقة بالله عبودية وتعبدا، خشية ورجاء وحبا، والعلاقة بالناس بالحب والتجاوب والتعاون، باعتِبار أن النَاس لآدم وآدم من تراب؛ بناء على ذلك الوجدان الحيِّ الحرّ المطمئن، الذي أثْمره فيه توحيده لله، وهذا سواء بالنسبة لمجال آصرة العقيدة، أو مجال آصرة الإنسانية؛ لأن الأولى وإن كانت أهم وأوثق؛ إلا أنها لا تلغي الثانية ولا تُهمِّشها، والعلاقة بالكون هي ربطُ صِلة الإنسان بالكائنات جميعا، من حيوان وطير وجماد؛ بل ومخلوقات غيبية، في سيمفونية رائعة، ربانية المصدر والتوجيه، تقضي على خرافة العداء المستحكم بين الإنسان والطبيعة، وقهْر أحدِهما للآخَر، التي يروِّج لها الفكر الغربي؛ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44].

عن المحرر

شاهد أيضاً

خواطر خجولة حول القدس وفلسطين

عبد العزيز كحيل/ قد ننسى أي قضية إلا قضية القدس وفلسطين لأنها ليست قضية سياسية …