الرئيسية | الحـــق الـمر | الفَصلُ أم الفِصَال…

الفَصلُ أم الفِصَال…

يكتبه د. محمّد قماري/

ليس كلُ ما يلمعُ ذهبًا، هكذا لخص الفرنسيون في أمثالهم حال الناس مع الدنيا، فحظوظهم في الذيوع والانتشار، لا تتطابق دائمًا مع مواهبهم الذهنيّة والأخلاقيّة، بل ذهب أحدُ الشعراء العرب قديمًا مذهبًا مغاليًا، فوصف كل المتصدرين في الحياة بالجيف الطافيّة على الماء، وأن الثمين الغالي الذي ينفع الناس يطلب هناك في الأعماق، وأنشأ يقول:
رأيتُ الدَهرَ يرفعُ كلَ وَغدٍ ***ويخْفِضُ كلُ ذي زِينةٍ شريفَهْ
كَمثـل البَحر يَغرقُ فيه حيٌّ***ولا ينْفكُ تطفُو فيهِ جيفَهْ
ولا أذيعُ سرًا إذا قلت أن هذا الشعور يستبد بي كلما أعدتُ تصفح مذكرات الشيخ توفيق المدني، رحمه الله، فالرجل (قيمةٌ وقامَة)، وقد أحسن الاختيار يوم صنع لمذكراته عنوانًا موحيًا (حياة كفاح)، إذ يوم كان الناس في غفلةٍ لاهون، كانت فرنسا تطارده وتأمر بنفيه من تونس سنة 1925، وهو يومئذ من الصفوف الأماميّة في (الحزب الدستوري الحر)، ويتقدم بعد بضع سنين وينضم لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وما إن دوّى صوت رصاص نوفمبر حتى وجدناه يعضد جهود إخوانه في الداخل أولاً ثم في الخارج…
إنها محنةٌ كبرى أن يجهل شبابُ اليوم هذا الاسم العَلم، وأن يطفو زبدٌ بشري على سطح المشهد، فيحسب الغُفَّل أننا أمة عقرت عن إنجاب الأبطال، فالأستاذ توفيق، رحمه الله، صاحب قلم سيّال، وقريحةٌ معطاءة، وحركة دؤوبة لا تكل في سبيل تقديم النافع، بمداد القلم وجهد العضل، وهو نموذج حي لامتداد الأمة، إذ تسري في دمائه روح الأندلس وهواء الدردنيل ووهج الجزائر واخضرار تونس…
ولم يكن في نيتي وأنا أقعد للكتابة أن اتحدث عن سيرة توفيق المدني، لكن طبيعة اللّغة تشبه جدائل الحبال، فالحبل قد يمتد عشرات الأمتار، ومنشؤه جديلة صغيرة تتصل بأختها، فإذا ذهبت لتبحث عن البداية لم تجدها، ولعل هذا ما جعل المرحوم الكرمي قبل سنوات يخصص برنامجا إذاعيا أطلق عليه بحق عنوان (قولٌ على قولٍ)، وقديمًا قيل: الحديثُ يجر بعضه بعضًا…
ليلة البارحة، كنت أحضر بعض البحوث، وكانت عقارب الساعة تنفرج لتشير إلى الواحدة صباحًا، وأشفقت على نفسي، وفكرتُ في اغتنام ما بقي من ساعات الليل في النوم، وما إن غادرت كرسي مكتبي حتى دبت في همة ونشاط، إنه الأرق اللعين لا محالة، وامتدت عيناي إلى رفوف المكتبة، ووقعتا على كتاب (حياة كفاح)، ورحت أقلب صفحاته، ووقفت فيه عند قصة جديرة بالتأمل.
في مطلع عقد العشرينيات (1920) من القرن الماضي، كان الأستاذ توفيق المدني يشغل منصب الأمين العام بالنيابة المكلف بالقلم العربي ضمن هيئة قيادة (الحزب الدستوري الحر)، وكان يدوّن محاضر الجلسات، يقول المدني: «كنا نجتمع في مكتب من المكاتب، ونشتغل بوضع القانون الأساسي للحزب…»، وفي إحدى الاجتماعات: «كنا ثلاثة: عبد العزيز الثعالبي، والشيخ الصادق النيفر وأنا…».
«…وأملى الثعالبي: الفصال الأول، كذا وكذا…وتململ الشيخ الصادق النيفر وسكت، ثم أملى الفصال الثاني، فتكلم الشيخ الصادق قائلاً: أظن يا سيدي الشيخ أن كلمة الفصال لا تصح هنا بل الواجب استعمال كلمة الفصل، فللفصال معنى آخر، والله يقول: «وَحمْلُهُ وفِصَالهُ ثَلاثُونَ شهْرًا»، فالمراد بالفصال هنا هو الفطام.
قال الثعالبي: كلا بل الفصال هو الانفصال، ومعناه هنا هو انفصال قسم عن قسم…احتدمت المناقشة بين الشيخين، كانت مناقشة لغوية أولاً ثم تدرجت إلى التعليم في جامع الزيتونة وأنه يعنى بالفقه والأصول أكثر مما يعنى باللّغة…ثم تدحرجت هوجاء واحتدمت، وأصبحت خصومة عنيفة، ارتفعت فيها الأصوات بصفة منكرة…كنت أعجب للدرجة التي تصل إليها السخافة في أفكار رجال نعدهم من عظماء الأمة…دامت الحملة هوجاء نحو ساعة، ولم تسفر عن نتيجة ما، ثم وقف الرجلان واستعدا للخروج، دون أن يسلم أحدهما على الآخر…ومن ذلك اليوم لم أر الثعالبي والنيفر تبادلا كلمة ولا إشارة ولا سلامًا…
قلت في نفسي وأنا آسف حزين: هذه نتيجة التربية الشرقية العتيقة…ولو أن حادثا كهذا وقع بين عالمين من علماء الغرب، لانتهى حالا بالرجوع إلى معلمة أو كتاب من كتب اللغة…»؛ وصدق المرحوم المدني، فالمسؤول عندنا مهما كانت درجة مسؤوليته هو نتاج ثقافة: (نعم سيدي!)، هو مشروع طاغية مستبد في حالة (كمون)، تزعجه المراجعة، ويؤذيه التصويب، ويأنس بجحافل المطبلين له المهللين بحمده…
ولأجل هذا تشيع في ثقافتنا الشعبيّة: (اضربوا يعرف مضربو) أو (لا تصلح معنا إلا العصا)، ويركن المستبدون إلى هذه التبريرات المقززة، ويستلذون ركوب ظهر الأمة، وجعلها تساق كالخرفان لا تدري أهي في طريق مرتعها أم في طريق مصرعها؟
رحم الله الشيوخ الثعالبي والنيفر والمدني، فلقد كانوا معالم وضاءة في تاريخنا المعاصر، لكن ما نشب في نفوسنا من عهود الاستبداد الطويل له بقاياه في الأنفس.

عن المحرر

شاهد أيضاً

صناعةُ الاستبداد…

يكتبه د. محمّد قماري/ لفت نظري في قصة موسى عليه السلام، كما جاءت في القرآن …