الرئيسية | مساهمات | مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله (1866 – 1914)

مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله (1866 – 1914)

أ.د/ مسعود فلوسي*/

المؤلف المكثر، المفسر المجدد، الفقيه المواكب لمستجدات عصره، المصلح الرائد، أحد أعلام النهضة الإسلامية في بلاد الشام في النصف الأول من القرن الرابع عشر للهجرة، الشيخ جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، الذي عاش حياة قصيرة بحساب السنين، حيث إنه لم يكن قد بلغ الخمسين من عمره حين وفاته، إلا أنها كانت حياة حافلة بجلائل الأعمال، فقد ترك مؤلفات كثيرة تجاوز عددها المائة كتاب، فضلا عن الأثر العلمي والاجتماعي الذي كان له في حياته واستمر بعد وفاته.
لكن، على الرغم من هذا العدد الكبير من المؤلفات التي تركها، إلا أن المنشور والمنتشر منها لا يمثل سوى أقل القليل من هذا العدد الكبير، فمعظم مؤلفاته إما لا يزال مخطوطا أو أنه طبع في حياته ولم تُعَدْ طباعتُه بعد ذلك، أو أعيد طبعه إلا أنه لم ينتشر على نطاق واسع، ولذلك يبقى أكثر تراثه العلمي والفكري مجهولا لدى كثير من الباحثين وطلاب العلم وبعيدا عن أيديهم.
عرفت اسم الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله خلال المرحلة الثانوية، وذلك من خلال الاطلاع على مجموعة قليلة من كتبه التي نشرتها دار النفائس في بيروت خلال الثمانينيات من القرن الماضي، وانتشرت في المكتبات الجزائرية حينئذ.
وأول ما قرأت من هذه المؤلفات في تلك الفترة؛ كتابه «موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين»، الذي لخص فيه كتاب الإحياء للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله بأسلوب مبسط، مكتفيا في الغالب بالنصوص من الآيات والأحاديث وأقوال العلماء، وذلك لييسر على الوعاظ والأئمة قراءته على العامة وشرح محتواه لهم باعتباره من أفيد الكتب في التذكير والإرشاد وترقيق القلوب.
وثاني هذه المؤلفات؛ كتابه «دلائل التوحيد»، الذي ألفه في إقامة الحجج على عقيدة التوحيد، والرد على شبهات الملحدين الذين استفحل أمرهم في العصر الحديث، على طريقة علماء الكلام، مع الحرص على تبسيط العبارات وتقريب المفاهيم وترتيب الموضوعات بأسلوب جديد يحقق الغرض من تأليفه، حيث بدأه بتمهيدات سبع، ثم عقد المطلب الأول في الأدلة الواضحة على وجود الله تعالى وساق منها خمسة وعشرين دليلا، تلاه المطلب الثاني في تحقيق مسائل الإلهيات، ثم المطلب الثالث في المادة وشبه الماديين وإبطالها، وأخيرا المطلب الرابع في مسائل مهمات من علم النبوات.
في تلك المرحلة قرأت أيضا الكتاب الذي ألفه عنه ابنه الأستاذ ظافر القاسمي بعنوان «جمال الدين القاسمي وعصره»، وهو في أكثر من 700 صفحة، وقد أحاط في القسم الأول منه بالعصر الذي عاش فيه والده، وتحدث باستفاضة عن حياته الخاصة والعامة وآثاره ومؤلفاته. وأفرد القسم الثاني من الكتاب لنقل مئات الفقرات من مؤلفاته تبرز مواقفه وآراءه في مختلف شؤون الحياة، وقسمها إلى ثلاث مجموعات: الآراء والأفكار، السوانح، المفكرات.
أما القسم الثالث من الكتاب فتحدث فيه عن علاقة والده بمعاصريه من العلماء والمفكرين والرسائل التي تبادلها معهم. ومما لفت انتباهي في هذا الكتاب الموضوع الأول فيه، وهو بعنوان «اكتب عن أبيك بحب»، وهي كلمة قالها له أحد أصدقائه حين استشاره: هل أكتب عن أبي أم أترك لغيري أن يكتب عنه؟ وقد دفعته هذه الكلمة إلى أن يؤلف هذا الكتاب بعد أن كان مترددا في ذلك.
وفي المرحلة الجامعية قرأت باهتمام وإمعان – مع بعض زملاء الدراسة – كتابه الشهير «قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث»، الذي بسَّط فيه مبادئ علوم الحديث ومصطلحه وقربها وجعلها سائغة ميسورة الفهم والاستيعاب لمن يطلبها ويحرص على معرفتها، وهو كذلك كتاب كبير في أكثر من 700 صفحة، ومع ذلك فإن سهولة عبارته واستيعابه لمختلف مباحث علوم الحديث تشجع على الإقبال عليه. وقد قسم المؤلف كتابه إلى مقدمة وتسعة أبواب، هذه عناوينها: التنويه بشأن الحديث، معنى الحديث، بيان علم الحديث، معرفة أنواع الحديث، الجرح والتعديل، الإسناد، أحوال الرواية، آداب المحدث وطالب الحديث، كتب الحديث.
كما اطلعت على كتابه «الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين وهو شرح الأربعين العجلونية»، الذي شرح فيه الأحاديث الأربعين التي انتخبها الإمام إسماعيل العجلوني رحمه الله (1087-1162هـ) من أربعين كتابا من كتب الحديث وجمعها في كتاب بعنوان «عقد الجوهر الثمين في أربعين حديثا من أحاديث سيد المرسلين»، وقد جاء الشرح حافلا بالفوائد العلمية واللغوية والحديثية والتاريخية، حيث تجاوز عدد صفحات الكتاب 500 صفحة.
في هذه المرحلة قرأت أيضا كتابه الذي طبع في الجزائر حينئذ، «الفتوى في الإسلام»، وهو كتاب موجز في أقل من 200 صفحة، إلا أنه تضمن خلاصة شاملة ومبسطة وبأسلوب واضح عن الموضوعات التي يعالجها المؤلفون عادة في الموضوع، حيث قسم موضوعات الكتاب أربعة أقسام: أحكام الفتاوى، أحكام المفتين وآدابهم، آداب المستفتي وأحكامه، مسائل متفرقة.
اطلعت كذلك على تفسيره الشهير «تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل» الذي بلغ عدد مجلداته 17 مجلدا، أولها مقدمة شاملة عنونها بـ «تمهيد خطير في قواعد التفسير»، وضمنه 11 قاعدة، وقصد بها المعارف التي يجب أن تتوفر لدى كل من يُقدم على تفسير كلام الله عز وجل..
وفي السنوات الأخيرة، وبعد ظهور الأنترنت، وتصوير آلاف الكتب ووضعها على الشابكة في مختلف المواقع التي اعتنت بهذا الأمر، أتيح لي الاطلاع على عدد من كتبه المطبوعة قديما، أو التي أعيد طبعها حديثا، ومنها: شذرة من السيرة المحمدية، مجموعة خطب، النفحة الرحمانية في التجويد، حياة البخاري، إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق، تاريخ الجهمية والمعتزلة، جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب، رسالة في الشاي والقهوة والدخان، المسح على الجوربين، شرف الأسباط، مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن، رحلتي إلى المدينة المنورة، الطائر الميمون في حل لغز الكنز المدفون، الاستتئناس لتصحيح أنكحة الناس، إصلاح المساجد من البدع والعوائد، آداب الدارس والمدرس، سر الاستغفار عقب الصلوات، تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب، نقد النصائح الكافية، أجوبة المسائل.
هذا، وإن من البديهي أن يهتم الباحثون بتراث عالم مكثر كان له تأثيره في عصره، وكانت له مكانته التي اعترف له بها العلماء والفضلاء، كجمال الدين القاسمي رحمه الله، إلا أن الواقع أن هذا الاهتمام لم يبلغ أن يكون في مستوى مكانة وعلم الرجل وآثاره الجمة، حيث إن الدراسات التي تناولت هذا التراث قليلة إذا ما قورنت إلى ما حظي به غيره من العلماء والمفكرين ممن لا يبلغون مبلغه في غزارة العلم وتنوع مجالات التأليف والتأثير.
فمن المؤلفات التي تناولت حياته وأعماله بصفة عامة، نذكر: جمال الدين القاسمي وعصره للأستاذ ظافر القاسمي [1965]، شيخ الشام جمال الدين القاسمي لمحمود مهدي الإستانبولي [1985]، جمال الدين القاسمي أحد علماء الإصلاح الحديث في الشام للدكتور نزار أباظة [1997]، إمام الشام في عصره جمال الدين القاسمي لمحمد بن ناصر العجمي [2009].
ومن الدراسات التي دارت حول أعماله وآرائه، نذكر: «جمال الدين القاسمي علمه ودعوته» رسالة ماجستير لعبد العزيز بن إبراهيم بن محمد الأحيدب [1987]، «محمد جمال الدين القاسمي وآراؤه الاعتقادية» لعلي محمود دبدوب [2007]، «الشيخ جمال الدين القاسمي واختياراته الفقهية» لسامي بن الأزهر الفرضي [2008]، «الشيخ محمد جمال الدين القاسمي وجهوده الحديثية» رسالة ماجستير لمحمد أنس سرميني [2010]، «التفسير اللغوي في محاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسمي» لماهر جاسم حسن [2010].
*جامعة باتنة

عن المحرر

شاهد أيضاً

حـــــديث الاثنـــــين

عبد العزيز بن سايب/ كانت البلاد جَوْعَى.. فالعودةُ للتدين صارتْ باديةً وقويةً ونَهِمَةً.. خصوصا بين …