الرئيسية | ليتفكروا | المناخ العقــلي الـــذي أنشأه القـــــرآن

المناخ العقــلي الـــذي أنشأه القـــــرآن

د. بدران بن الحسن */

رأينا في بعض مقالاتنا السابقة كيف قام بعض المستشرقين بحرب نفسية تهدف إلى شل العقل المسلم، وتهوينه، وتعطيله عن التفكير، وإلباسه عقدة الدونية والنقص نحو الفكر الغربي، فتم تعميم الحكم الذي قد يصدق على مرحلة تاريخية اتسمت بهيمنة الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي، ولكنها لا تصدق؛ لا على التاريخ الإسلامي كله، ولا على الإسلام ذاته، وبالأخص لا تصدق على القرآن، لأن القرآن هو الذي أحدث تحولا علميا وعقليا وحضاريا كبيرا في حياة المسلمين.
وفي هذا السياق نذكر ما قام به مالك بن نبي في كتابه «إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث»، فقد قام بن نبي بتحليل دور الاستشراق في ترسيخ عقدة النقص نحو المنجز العلمي الغربي والفكر العقلاني الغربي، سواء بنسبة النقص لتراثنا الحضاري الإسلامي، أو مدحه وتصويره بطريقة تجعل المسلم يتيه فرحا وطربا به، لكن دون صلة عملية به يستعيد من خلالها فعاليته الحضارية والمناخ العقلي الذي أنتج ذلك التراث الذي ينتقصه بعض المستشرقين ويمدحه بعضهم الآخر (بن نبي، 1969).
ولكن بن نبي قدم فكرة منهجية مهمة في سبيل تفنيد دعاوى المستشرقين، وذلك بأن علينا ألا نكتفي بردود الأفعال، ونحاول أن نثبت أن القرآن يدعو إلى العلم، او أن فيه المعجزات العلمية، أو محاولة تطويع القرآن وتحويله تارة إلى كتاب فيزياء، وتارة كتاب فلك، وتارة أخرى كتاب جبر، وهكذا. بل علينا أن نطرح قضية «الاسلام والعلم في صورة جديدة تتماشى أكثر مع سمو الدين ومنطق العلم، بحيث لا نصبح نبحث في الآيات الكريمة هل ذكر فيها شيء عن غزو الفضاء أو تحليل الذرة، وإنما نتساءل هل في روحها مما يعطل حركة العلم، أو على العكس ما يشجعها وينميها» (بن نبي، 1969، 26).
ولهذا فإن بن نبي يؤكد على أننا ينبغي أن نطرح القضية بطريقة إيجابية، تستعيد للقرآن فعاليته، فنتساءل «إذا ما كان يستطيع القرآن أن يخلق في مجتمع ما المناخ المناسب للروح العلمي، وأن يطلق فيه الأجهزة النفسية الضرورية لتقبل العلم من ناحية، ولتبليغه من أخرى.» (بن نبي، 1969، 26).
إن هذا السؤال بصيغته التي قدمها بن نبي تجعلنا نحتفظ للقرآن بانه كتاب هداية، وليس كتابا في العلوم او التاريخ او السياسة بالمعنى المدرسي. فننظر كيف شكل القرآن البيئة التي تأسست فيها الروح العلمية، والمناخ العقلي الذي أدى إلى قيام علوم ومعارف وظهور علماء أنجزوا أعمالا عبقرية في شتى مجالات العلوم طيلة قرون، بتشكيلة للبنى النفسية والاجتماعية التي تعمل على تشجيع العلم والابداع العلمي ونشر العلم في العالم.
إن التطور التكنولوجي المعروف اليوم لا يمكن نكران بنائه على بعض منجزات المسلمين العلمية، مثل النظام العشري في علم الجبر، والحساب والهندسة وكثير من علوم المسلمين التي اخترعوها بفعل المناخ العقلي الذي اسسه القرآن. ولهذا نتساءل مع بن نبي: هل يمكن للآلات والأجهزة الالكترونية والميكانيكية التي نعرفها اليوم -كما يقول بن نبي- أن تقوم بعملياتها لو لم يهيئ من قبل ذلك النظام العشري الذي نستطيع به كتابة رقم أفوجدرو، على سبيل المثال، بخمسة رموز فقط، أو سبعة اذا تحرينا دقة أكثر؟ ألسنا ندين بوضع هذا النظام العبقري لذلك المناخ العقلي الذي كونته القيمة القرآنية في المجتمع الاسلامي؟
كما أننا لو تساءلنا عن دور الجبر، في تطوير علم الحساب، بحيث يتحول من علم الأرقام المحسوسة إلى علم الرموز المجردة، لأدركنا بعد الأخذ في حسابنا أن اسم الجبر نفسه عربي من ناحية الصيغة والاشتقاق، لأدركنا ما يدين به العقل الانساني إلى العقل الإسلامي من وسيلة لا يستطيع بدونها السير والتقدم في ميدان علوم التقدير والضبط. وأن ذلك كله يرجع إلى المناخ الذي أنشأه القرآن (بن بني، 1969، 27).
إن الكلام الذي أورده بن نبي عن دور الحساب العشري والجبر وغيرها من علوم المسلمين في تطور العلم والحضارة، ليس المقصود منه ذلك التقليد الاندفاعي في ربط كل منجز علمي ربطا آليا بآية من الآيات او حديث من الأحاديث النبوية الشريفة، كما دأب على ذلك كثير من دعاة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة بطريقة صبيانية.
ذلك أن «القرآن الكريم لم يأت قطعاً، وبصورة مباشرة، لا بالحساب العشري ولا بالجبر، ولكنه أتى بالمناخ العقلي الجديد الذي يتيح للعلم أن يتطور».
ونتساءل لماذا وكيف ربط بن نبي بين القرآن وبين تطور العلم وفي الوقت نفسه يرفض الربط الصبياني للآيات بالمكتشفات العلمية؟!
فيجيبنا بن نبي بملحوظة منهجية مهمة جدا، يعرفها علماء اجتماع المعرفة أو علم اجتماع العلم، وهي أن «تطور العلم لا يناط بالمعطيات العلمية فحسب، بل بكل الظروف النفسية الاجتماعية التي تتكون في مناخ معين». ولا شك ان التحول التاريخي الذي أحدثه القرآن في بنية التفكير، وفي البنى الاجتماعية والعلمية والثقافية، وفي مختلف المجالات لا يمكن إنكاره ممن له نظر واطلاع، وبخاصة في نشأة العلم وتطوره.
وهذه هي الزاوية بالذات هي «التي نقدر منها العلاقات العامة بين الاسلام والعلم، فموقف الانسان المسلم أمام عالم الظاهرات، والاتجاه الذي تتبعه العقلية الاسلامية تحت دفعة النص القرآني، والمناخ العقلي الجديد الذي ستتطور فيه هذه العقلية، هذه الأشياء هي في التالي العناصر الأساسية للقضية»(بن نبي، 1969، 28-30).
*مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية/ جامعة قطر

عن المحرر

شاهد أيضاً

سعة الوجود ومحدوديـــــة الوجــــــــدان

د. بدران بن الحسن */ إن القارئ للقرآن الكريم وهو يحدثنا عن الوجود، يقف مندهشا …