الرئيسية | قضايا و آراء | تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعــــــــة (1)

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعــــــــة (1)

أ. عبد القادر قلاتي/


مايزال تيار العلمنة يجتهد في خلخلة وتفكيك نظام التراث باستخدام آليات تنتمي إلى حقول معرفية متعددة، تدفعه باستمرار إلى قضية جوهرية تجاه نقده للخطاب الإسلامي، وهي قضية الشريعة، حيث يشكل بناؤها المعرفي عائقا كبيراً في كل المحاولات النقدية التي عالجت مسألة الشريعة، ولم تنفع الحيلة القديمة الجديدة، التي صاغها الفكري المحلي الذي نشأ على هامش متن الإسلام والدراسات الإسلامية عامة، وتبناه الخطاب الاستشراقي في العصر الحديث، ومن بعده الفكر العربي المعولم، وهي اعتبار السنة النّبوية نصًا إضافيًا للشريعة، إلى جانب ما استحدثه الفقهاء من مصادر أخرى كالإجماع والقياس وغير ذلك من المصادر المختلف فيها، لكن هذه الحلية لم تعد تملك ذلك التماسك المعرفي حين طرحت كأداة للنّقد، في وقت كان الفكر الاسلامي حبيس مقولات فكلّ المجهودات التي أبرزها الاستشراق في العصر الحديث حول نقد السنة النّبوية واعتبارها المدخل الذي سوّقه الفقهاء بالتحالف مع النظم السياسية التي تعاقبت على حكم العالم الإسلامي، وهي فرية أحكم بناءها أعداء الأمة عبر التاريخ وإلى يوم الناس هذا.
وبالرغم من أن القرآن لم ينج من تخاريف هذا التيار، إلاّ أنّ صلابة النّص وقوته الدلالية ومخزونه المعرفي الضخم، أحال منطق هؤلاء إلى حالة من التسليم بمصدريته (وقد تكون حيلة وليس تسليما)، لكن يجب أن تكون قراءته بعيدا عن الشريعة كبنيان محكم اتهم الإمام الشافعي بانجازه من خلال ما سطرته في كتابه التأسيسي الشهير: «الرسالة»، ولذا يتحامل التيار العلماني وقبله حركة الاستشراق عمومًا على الشافعي وكتابه، ويعتبرون أنّ الإسلام كدين كان مفتوح القراءة، لكن الشافعي من خلال تأصيله لجملة من الأصول التي تعاضدت في ترصيص هذا البناء (الشريعة)، أغلق الباب أمام حرية التأويل وهو المخرج الذي يستند إليه هذا التيار، ليبقى الوحي مجرد نص مرتل ومجود، غايته القصوى ممارسة الشعائر والالتزام بجملة من القيم الأخلاقية، وماكتبه أركون ونصر حامد أبوزيد وقبلهما المستشرق الألماني شاخت نقدا للشافعي خير دليل على ذلك.
إنّ مقولة فصل القرآن عن منطق الشريعة -بحسب هذا التيار – تؤكد حقيقة انتساب الشريعة إلى الفقهاء (كما يزعمون) وتجعله -أي القرآن الكريم – من خلال النّظر فيه مادة لغوية لا تخرج عن سياق اللغة وما تتحمله من دلالات، فالنّص بهذا حمّال أوجه وما قرّرته الشريعة ليس إلاّ قراءة من جملة القراءات…وللحديث بقية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

أ. عبد القادر قلاتي/ أكثر ما يزعج تيار العلمنة من الدين كلمة «الشريعة»، فهي في …