الرئيسية | اتجاهات | لماذا يُهَاجم رواة السنة النبوية على هذا النحو المشهود اليوم؟

لماذا يُهَاجم رواة السنة النبوية على هذا النحو المشهود اليوم؟

أ: محمد العلمي السائحي/

يتعرض رواة السنة النبوية الشريفة إلى هجوم شرس، ليس من طرف المستشرقين واليهود والنصارى كما كان مألوفا ومعتادا، وإنما هو هذه الأيام يصدر من قيادات سياسية وفكرية في البلاد العربية، التي كانت لها اليد الطولى في التبشير بالإسلام ونشره في جهات الدنيا الأربع، فكيف لنا أن نعلل ذلك ونفسره؟
لعل البعض منا ما زال يذكر تلك الضجة الكبرى التي أحدثها ظهور كتاب الدكتور «طه حسين» الذي أسماه: «نقد الشعر الجاهلي» ثم دعوته إلى الكتابة بالدارجة واللهجة العامية لتتلوها دعوات لأطراف أخرى لاستبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، لنفاجأ بكتاب آخر لطه حسين يدعونا فيه لنقتدي بالغرب ونقتفي أثره في خيره وشره، ثم يطلع علينا بعد ذلك الدكتور زكي نجيب محمود بكتاب عنوانه: «المعقول واللامعقول» وهو يقف فيه وقفة عقلية إزاء التراث الفكري الإسلامي ليبين للناس إنه: إن كان في تراثنا ما يوافق العقل ففيه أيضا ما يعارضه، وكأنه كان يقدم لنا دعوة للوقوف من تراثنا وقفة نقدية، ونعيد فيه النظر، ولما بدأت الدعوات لإعادة النظر في التراث تتعالى، ظهرت دعوة أخرى ترمي إلى التوفيق بين دعاة التمسك بالتراث والحفاظ عليه كما هو، ودعاة التخلص منه والاندفاع في تقليد الحضارة الغربية بخيرها وشرها على حد قول طه حسين، وأعني بها تلك الدعوة التي كانت تنادي بضرورة الجمع بين الأصالة والمعاصرة والتي وصلت أصداؤها أروقة ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في الجزائر، في عهد كل من مولود قاسم نايت بالقاسم، والشيخ عبد الرحمن شيبان، عليهما رحمة الله، عن طريق محمود قاسم وعثمان أمين والمفكر أحمد عمارة عليهم جميعا رحمة الله، أساطين الفلسفة في مصر.
ولكن يبدو أن تلك الدعوات لم يكتب لها أن تحدث التغيير المرغوب والمطلوب، ولذلك قرعت طبول الحرب في الجامعات الأوروبية وظهرت الدعوة إلى ضرورة إخضاع النص الديني الإسلامي للنقد والمراجعة، على يد محمد أركون الجزائري الأصل والفرنسي الجنسية، من خلال كتبه ومن بينها كتاباه: «في سبيل نقد العقل الإسلامي»، و«قراءات في القران»، ولعله فعل ذلك بإيعاز من ولي نعمته الأستاذ لوي ما سينيون الذي تعرّف عليه في الجزائر أيام دراسته بالجامعة، فأوصى بتوجيهه إلى فرنسا ليواصل دراساته العليا في جامعاتها، ليصنع على عينه وتحت رقابته، وزميليه المغربيين الآخرين وأعني بذلك: محمد عباد الجابري، صاحب كتاب «نقد العقل العربي»، وطه عبد الرحمن صاحب كتاب «تجديد المنهج في تقويم التراث»، خريج جامعة السوربون الذي اشتمل نقده للفلسفة الإسلامية على «نقد الحالات السلفية والصحوة الإسلامية، كما انتقد أيضًا الفكر الإسلامي القديم» كل ذلك مهد لبروز ظاهرة انتقاد رواة السنة النبوية المتمثلة في الحملة المسعورة على الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الرواة، وذلك تحت غطاء انتقاد التراث، باعتبار الدين جزءا من التراث حسب ما روّجت له الدراسات الغربية، وقد كان أول من دعا بضرورة تجديد الفكر الديني في هذه الألفية الثالثة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقد اتخذ هذه الدعوة أداة لمحاربة معارضيه من الإخوان، وقد سوق المفكرون العرب والإسلاميون، لفكرة ضرورة انتقاد التراث الديني، الذين تكونوا في الجامعات الغربية ومخابرها، والهدف من ذلك هو هدم الجسور التي تصل السنة النبوية بالقرآن، وذلك من خلال نقد الرواة الذين تكفلوا بنقل الهدي النبوي إلى المسلمين وذلك بالتركيز على:
– تجريح الرواة والتشكيك في أمانتهم عن طريق:
– التشكيك في احتفاظ مصادرهم بالأحاديث المروية عن النبي صلوات الله عليه وسلامه، سماعيا وعدم تعرضها للنسيان على الرغم من المدة الزمنية الطويلة الفاصلة بين الراوي الأول ومدون الحديث في العصر العباسي الذي فيه شرع في تدوين السنة.
ـــ التشكيك في السعة الاستيعابية لذاكرة الرواة الأوائل، كعبد الله بن عباس وأبي هريرة التي تتجاوز الأحاديث المروية عنهما الآلاف.
– وجود الأحاديث الموضوعة في كتب السنن.
– وجود صراع سياسي على السلطة يقوي احتمال التدليس ووضع الأحاديث، وقد ثبت ذلك بالدليل القاطع، وهو الأمر الذي كان وراء ظهور: «علم الجرح والتعديل».
– سكوت معظم الرواة عن رواية أحاديث صحيحة ثابتة تظهر فضل آل البيت مما يدل على أمرين لا ثالث لهما:
– إمّا انحياز الراوي إلى رأي صاحب السلطان وتعصبه له.
– أو أن امتناعه عن رواية تلك الأحاديث خوفا من تعرضه لبطشه.
ولكن علينا في هذا الأمر، أن نتوقف عند حقيقة لا يمكن التنكر لها، وهي: أنه إن كان تراثنا الثقافي في حاجة إلى أن تلقى عليه نظرة فاحصة لاستبعاد ما يجب استبعاده منه، فإن فكرنا الديني في حاجة إلى التعامل معه بمنهجية جديدة، تنفي عنه المتناقضات التي أثقلته، والتي باتت تشكل كابحا للعقل، ومشوشا للإيمان، ونابذا لليقين.
فليس من المعقول أن ترتفع قدسية بعض الصحابة لتتجاوز قدسية صاحب الرسالة ذاته عليه الصلاة والسلام، وليس من المعقول، أن يروج لاعتقاد أن إرادة الله غالبا ما تأتي موافقة لإرادة فلان أو علان من الصحابة.
نعم للصحابة فضل وأي فضل، ولكن لا ينبغي أن يترتب عن ذلك رفعهم إلى مرتبة النبوة أو الألوهية.
وعليه نقول: إن ظاهرة انتقاد التراث الديني إن كانت ظهرت في الغرب وبتدبيره، فإنها قد وجدت لها مبررات عندنا بسبب ما تضمنه هذا التراث من تناقضات، وهذا بحد ذاته يدعونا بإلحاح للتوقف عنده ونقده، لا بهدف التنكر له والتخلي عنه، وإنما بهدف تجريده من تلك الألغام التي زرعت فيه والتي كثيرا ما تنفجر علينا من وقت لآخر في شكل أزمات فكرية حينا، وسياسية أحيانا أخرى، وكذلك حتى لا نفتح المجال للغربيين لاتخاذه متكأ للتدخل في شؤوننا الدينية ذاتها، واستغلال ما تتضمنه من تناقضات في إثارة الفتن والصراعات بيننا…

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإســــــلام ليس مخـــــــدرا…

عبد العزيز كحيل/ كل من يعمل عقله في آيات الكتاب والأحاديث النّبوية وتاريخ صدر الإسلام …