الرئيسية | المرأة و الأسرة | أنجـــــــز ولو كنت عابـــــــرا

أنجـــــــز ولو كنت عابـــــــرا

أ. صباح غموشي/

قبل ما يقرب العام والنصف كنت بحاجة لمعلمة تحضيري فدلوني على فتاة متخرجة حديثا كنت قد حضرت عن قريب مناقشتها لمذكرة تخرجها.. وشهدت حينها تفوقها وتميزها الواضح في دراستها وجديتها البارزة في تعاملها مع العلم أخذا وتعليما.. فكانت جديرة بلقب دكتورة الذي تحصلت عليه بعد جد واجتهاد السنين.. لا أحد كان يصدق حينها كيف تحمل دكتورة في الكيماء ملفها وشهادتها المعتبرة وتضعها في طلب عمل كمعلمة لأطفال التحضيري أصحاب الخمس سنوات وهي بصدد تعليم الشباب الذي جاوز العشرين كمساعدة في الجامعة.. لكن لا شيء يبدو لك من هذا الكلام حين أتت ووضعت طلبها، لم أكن أتبين يومها هل هو تواضع جميل منها أم أنها الحاجة الملحة للعمل التي تدفع بالشباب أمثالها للارتماء في أحضان أي بصيص عمل مهما كان ومهما كانت ظروفه ومردوده المادي .
لم يمر وقت طويل حتى لمحت جليا كثيرا من الجدية في عملها والانضباط ومحاولتها بكل ما تستطيع تعلم تفاصيل ما تحتاجه ليكون عملها متقنا وثماره مرجوة. فكانت منضبطة في التوقيت ملتزمة بكل قوانين المدرسة تتعامل بكل عفوية وحيوية وانشراح صدر واحترام مع الأطفال وأوليائهم، واستطاعت في وقت وجيز أن تملك قلوب أطفالها فيحبونها ويتعلقون بها ويتعلمون منها الكثير، فلا تسأم أن تعيد الأمر لكل الأطفال يوميا حين كانت تغرس فيهم بعض الآداب لدى دخولهم إلى المدرسة وخروجهم منها، فتستطيع أن تلحظ جليا كيف يخرج أطفالها كزملائهم في الفوج الآخر ويتركون أماكنهم منظمة وألسنتهم تردد تحية السلام ودعاء الخروج وغيرها من الآداب.. كان عليها أيضا أن تتعلم كثيرا من المهارات في التعامل مع أمزجة الأطفال وتصرفاتهم المختلفة خاصة في بداية اعتيادهم على المدرسة وأبجدياتها، مهارات مختلفة تماما عن تلك التي تتعامل بها مع الكبار الذين تدرسهم في سويعات الجامعة.. فكثيرا ما كنت أتعجب في توفيقها في تغيير نمط التعامل سريعا بين فئة صغيرة جدا صباحا وبعدهم مساء مباشرة فئة الشباب القريبين نسبيا إلى سنها.. لكنها كانت موفقة في التعامل مع هؤلاء ومع أولئك بالقدر الذي تحظى فيه بحب واحترام واستيعاب الفريقين.
كل هذا كان يدهش من حولها ربما وكنت أجده شيئا جيدا لشابة مثلها متقنة لعملها متفانية في تعلم تفاصيله ومهاراته وهذا الذي نرجو أن يتحلى به شبابنا جميعهم من أجل انطلاقات مميزة في أعمالهم وحياتهم العملية.. لكن الذي كان يدهشني شخصيا وينال إعجابي ويستوقفني كثيرا.. هو الروح الرائعة التي كانت تعمل بها في كل الأيام على مدار العام ونصف العام.. كانت مبتسمة دوما منشرحة دوما لا تتذمر ولا يبدو عليها أبدا امتعاضها من عملها هذا الذي كانت تعلم يقينا أنه مؤقت، لكنها كانت تعيشه بتفاصيله وتنهمك فيه بحب وتجتهد في التميز فيه وتبذل ما في وسعها لتكون له ثمار طيبة، بينما يتصرف كثير من الشباب مع أعمالهم التي يحصلون عليها ويظنون أنها مؤقتة كأنها شيء عابر لا يستحق بذل الجهد ولا إتعاب النفس ولا الانهماك في تعلم وإتقان التفاصيل، فتمر الأيام والأشهر والسنوات ربما وهم في نفس المزاج وبنفس الروتين القاتل والتذمر المدمر لكل الطاقة والمحطم لكل المعنويات.. وتمر التجربة وقد يتحصلون على عمل في مجال تخصصهم أو في مكان مستقر لكنهم يغادرون ولم يستفيدوا من تجربتهم شيئا ولم يطوروا في مهاراتهم قيد أنملة.. هي تعاملت معها كتجربة فريدة من نوعها أتيحت لها فأحبتها وأرادت أن تخرج منها بفوائد جمة تجدها في حياتها مرة أخرى ربما كأم تربي أبناءها على القيم والآداب التي غرستها في أطفال التحضيري، والتجربة فعلا كانت غنية بالنسبة لها بما قد لا تجدها في غيرها من التجارب فكانت ذكية بالقدر الذي لم تتركها تمر دون فائدة.. وقد تحصلت على عمل في مجال تخصصها وتزوجت دكتورا مثلها وستبقى التجربة بالنسبة لها ذكرى جميلة ورصيدا جيدا تزودت به في فترة ما من حياتها وأثرا طيبا تركته وراءها .
ورجائي في الأخير من كل الشباب أن يمعنوا النظر في هذه التجربة ويجعلوا كل محطات حياتهم تجارب يعيشونها بتفاصيلها ويستفيدون منها قدر ما يستطيعون، والأهم من ذلك ينجزون فيها ويتركون الأثر الطيب مهما بدت لهم أنها قصيرة وعابرة.. وكذلك الحياة كلها شجرة نستظل بظلها ونمضي والكيس فينا من ينجز فيها ويترك أثرا طيبا يذكر به وينتفع به .

عن المحرر

شاهد أيضاً

-نساء خالــــــــدات- أسماء بنت أبي بكر الصديــــق

بقلم أم محمد عياطي/ ذات النطاقين شاء الله سبحانه وتعالى أن تشتهر أسماء بنت أبي …