الرئيسية | ملف | نظرات في تقرير سـتــورا حول قضايا الذاكرات بين الجزائر وفرنسا

نظرات في تقرير سـتــورا حول قضايا الذاكرات بين الجزائر وفرنسا

أد. مولـــود عــويمــــر/

في منتصف شهر جويلية 2020 كلّف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صديقه المؤرخ بن يامين ستورا لتحرير تقرير حول مصالحة الذاكرات بين الجزائر وفرنسا المتعلقة بالفترة الاستعمارية. وكان أول سؤال تبادر إلى الأذهان لماذا اختار بالذات ستورا وليس غيره من المؤرخين الفرنسيين؟ وعاد هذا السؤال خلال النقاشات والسجالات التي رافقت صدور ذلك التقرير الذي سندرسه في هذا المقال، وقبل أن أجيب مباشرة عن هذا السؤال، أقدم للقارئ نبذة مختصرة عن هذا المؤرخ الذي قضى قرابة نصف قرن من عمره في دراسة تاريخ الجزائر المعاصر.

 

من هو بن يامين ستورا؟
هو من مواليد مدينة قسنطينة في عام 1950، التحق مبكرا بالنضال السياسي في رحاب الحركات الطلابية المنتمية لليسار المتطرف المتضامن مع الحركات التحررية والاحتجاجية في العالم. تخصص في دراسة الحركة الوطنية الجزائرية، وأنجز حولها كل أعماله الجامعية من الماجستير والدكتوراه ودكتوراه الدولة. فمن الجانب التاريخي خصص أطروحة الدكتوراه عن مصالي الحاج ثم أطروحة دكتوراه الدولة عن الهجرة الجزائرية إلى فرنسا تحت إشراف المؤرخ الكبير الأستاذ شارل-روبير آجرون، وأما من جانبها الإجتماعي، فقد أعد أطروحة الدكتوراه في علم ااجتماع عن سوسيولوجية المناضلين الجزائريين.
ولم يتوقف الدكتور ستورا من بدايات السبعينيات إلى اليوم من تأليف الكتب ونشر الدراسات والمقالات وإنتاج الأفلام الوثائقية حول تاريخ الجزائر. وهو يعد من أكثر المؤرخين الفرنسيين غزارة في الانتاج والإبداع في هذا المجال. فهل كان هذا هو السبب الوحيد في اختياره من طرف الرئيس ماكرون؟
لا شك أن كفاءة ستورا وإنتاجه الغزير المتخصص في تاريخ الجزائر كان مساعدا في هذا الاختيار لكن هناك إعتبارات أخرى، ففي فرنسا يوجد مؤرخون آخرون مهتمون بهذا الموضوع، وألفوا كتبا ومقالات كثيرة، واشتغلوا على الأرشيف أكثر من ستورا، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر: غوي بيرفيي، موريس فييس، جاك فاليت.. إلا أن هؤلاء لا ينتمون إلى المدرسة الايديولوجية التي ينتمي إليها كل من ماكرون وستورا اللذان تكوّنا وتخرجا من مدرسة الحزب الاشتراكي الفرنسي، وارتبطا ببعض قادته ومفكريه المعروفين والملهمين.
ولا بد أن أضيف هنا شيئا آخر، وهو التواصل الدائم لستورا مع الجزائر التي يزورها كل عام مرات عديدة للمشاركة في الندوات التاريخية واجراء حوارات مع الصحافة الجزائرية، واستطاع أن ينسج شبكة من العلاقات الاجتماعية متينة مع النخبة العلمية والسياسية في بلادنا، لا يملكها غيره من الفرنسيين. وقد عوّل عليها ماكرون كثيرا كما جاء ذلك في رسالة التكليف بالمهمة.
وتعود هذه الميزة في ستورا إلى جذور المدرسة الفرنسية الخاصة بتاريخ الجزائر. فكتابة تاريخ الجزائر المعاصر خلال فترة الاحتلال الفرنسي (1830 – 1962) كانت تهيمن عليه في فرنسا مجموعة من “عائلات” المؤرخين، وأشهرها: “عائلة” جوليان. وهي تتكوّن من: الجد: شارل- أندري جوليان والأب: شارل -روبير آجرون، والأبناء: بنيامين سطورا ، جلبير مينيي وغوي برفيي… وإذا كان برفيي ومينيي قريبيْن أكثر من الأب آجرون، فإن سطورا كان أقرب إلى الجد جوليان الذي كان يتمتع بقدرة كبيرة على نسج العلاقات مع أقوياء الحاضر أو رجال المستقبل، فكان صديقا لرؤساء الحكومات الفرنسية ليون بلوم وبيير منديس-فرانس، والزعماء والرؤساء المغاربة من أمثال الحبيب بورقيبة، ومحمد الخامس، وفرحات عباس. فستورا لم ينغلق على نفسه داخل أسوار الجامعة أو مراكز الأرشيف منعزلا عن حركة المجتمع وطموحاته في الارتقاء والتقدم والتمدد، وإنما كان له حضور فعال في الحياة السياسية والثقافية العامة. وقد قال ستورا بكل وضوح: “لم أشعر أبدا أنني كنت مؤرخا للماضي، ولا مؤرخا للحاضر، وإنما كنت ببساطة مؤرخا في الحاضر”.
نظرات في محتويات التقرير
هناك فرق بين التقرير الذي يقدمه الخبير للهيئة العلمية، والتقرير الذي يقدمه لهيئة سياسية. ففي المثال الأول، لا يخضع المقرِر إلا للضوابط العلمية ليحافظ على مصداقية الموضوع وسمعته بين أقرانه، بينما في المثال الثاني يسترشد المقرِر بالتوجيهات العامة التي أخذها من الشخص الذي كلّفه بالمهمة التي يعتبرها مهمة علمية بوصفه خبيرا، وفي نفس الوقت يحسبها انخراطا في إنجاح المشروع المرسوم لاعتبارات مختلفة.
يتضمن تقرير الأستاذ ستورا 157 صفحة، منها 57 صفحة مخصصة للتشكرات والملاحق. وقد قسمه إلى 3 فصول حسب التسلسل الموضوعي التالي: الجزائر “النسيان المستحيل”، العلاقات بين فرنسا الجزائر، مواجهة التحديات.
تطرق إلى آثار الذاكرة الاستعمارية والثورة الجزائرية على الجزائريين والفرنسيين، وقد أحصى 7 مليون شخص في فرنسا معنيين مباشرة بهذه الذاكرة المشتركة من الأقدام السود، والحركى وأبناء المهاجرين. كما عرج على خطابات الرؤساء الفرنسيين منذ الاستقلال لتحسين العلاقات بين البلدين في مجالات مختلفة، وكان آخرهم إيمانويل ماكرون الذي عبّر عن نواياه الحسنة في مصالحة الذاكرة بين الشعبين، وخطى خطوات عديدة لتجسيده منها: نقد النظام الاستعماري بشدة خلال زيارته للجزائر في فبراير 2017، والاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية في عام 2018 في قتل الأستاذ الفرنسي موريس أودان المتعاون مع الثورة الجزائرية في عام 1957، وكذلك إعادة 24 جماجم لقادة مقاومة الزعاطشة (1849) في عام 2020.
كما عرض التقرير كل الجهود السابقة من أجل المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري على المستوى الرسمي والجمعوي، وخاصة في مجال البحث العلمي الذي يعرف نشاطا مستمرا من خلال إنجاز رسائل جامعية كثيرة من طرف الطلبة والباحثين الفرنسيين والجزائريين حول تاريخ الجزائر، وفتح الأرشيف للباحثين من الضفتين، وتضاعف الاصدارات الجديدة حول الجزائر في المجالات التاريخية والأدبية والإنتاج السينمائي.
أما بخصوص التحديات التي تنتظر المعالجة ذكر التقرير تحديد هوية الأرشيف وحجمه وطرق استغلاله من الطرفين، جرد المفقودين الفرنسيين والجزائريين خلال الثورة التحريرية، ودراسة آثار التجارب النووية في الجزائر، وإعادة ترميم المقابر الأوروبية واليهودية في الجزائر.
توصيات التقرير:
دعا الأستاذ ستورا إلى تكوين لجنة مشتركة لمواصلة العمل، وفق 27 اقتراحا (وليس 22 كما هو متداول جدا).
تتعلق الاقتراحات: 1 و2 و10 و جزء من 11 بالحركى والجنود الفرنسيين، فبالنسبة للحركى فإنه يقترح يوم 25 سبتمبر يوما وطنيا في فرنسا للحركى، كما يقترح السماح لهم ولأبنائهم بزيارة الجزائر. وبخصوص الجنود الفرنسيين، فإنه يقترح على اللجنة المشتركة أن ترسِّم في فرنسا يوما وطنيا لهم دون تحديده.
كما دعا إلى تدريس تاريخ فرنسا في المناهج المدرسية الجزائرية بشكل أوسع وألمع بالتركيز على الموضوعات الأخرى التي لها صلة بالحضارة والآداب الفرنسية، عوضا من التركيز على ماضيها الإستعماري، ودعم إبداع الشباب الجزائري والفرنسي والتقارب بينهم، وتشجيع حركة الكتابة والترجمة بين البلدين، وتنظيم ملتقى دولي حول بعض الشخصيات الفرنسية التي عارضت سياسة الحكومة الفرنسية خلال الثورة الجزائرية من أمثال فرنسوا مورياك، ريمون آرون، جون بول سارتر، أندري موندوز، وبول ريكور، ونقل رفات المحامية المناضلة جزيل حليمي إلى مقبرة العظماء، المعروفة بالبونتيون.
أما الاقتراحات الأخرى فإنها تتعلق بفتح الأرشيف بين البلدين، والتعاون بين الباحثين الجزائريين والفرنسيين في مجال البحث التاريخي وتسهيل تنقلاتهم بين البلدين، واسترجاع الجزائر بعض المسروقات الفرنسية مثل سيف الأمير عبد القادر وأشياء أخرى. كما يدعو إلى بناء تمثال للأمير عبد القادر في مدينة أومبواز، واعتراف الدولة الفرنسية بمسؤوليتها في قتل المناضل والمحامي الجزائري علي بومنجل…
مصادر التقرير
اعتمد ستورا في تحرير تقريره على تجربته الطويلة في دراسة قضايا الذاكرة سواء المتعلقة بالذاكرة الجزائرية- الفرنسية، أو الذاكرة الفيتنامية- الأمريكية.
كما استلهم من أعمال الفيلسوف الأستاذ بول ريكور الذي اشتغل عليه أيضا الرئيس ماكرون لما كان طالبا. واستفاد ستورا أيضا من أعمال المؤرخ الجزائري الكبير الأستاذ محمد حربي الذي تربطه به علاقة متينة، وكذلك استلهم من كتابات المؤرخ المفكر والملهم الأستاذ بيير نورا الذي أشرف على إصدار موسوعة “أماكن الذاكرة” في 3 مجلدات ضخمة، وشارك فيها عدد كبير من المؤرخين الفرنسيين. ويعتبر تعريفه للذاكرة من المرجعيات في هذا المجال، وتبنى ستورا روحها في هذا التقرير عندما كتب ” الرهان لا يكون أحيانا على فهم ماذا وقع في الماضي، ولكن على اعتبار المرء أنه كان على صواب في الماضي”. أما الأستاذ نورا فيقول في الكتاب السابق: ” الذاكرة إطار في الواقع أكثر مما هي محتوى، رهان جاهز دائما، مجموعة من الإستراتيجيات، موجود قائم تكمن قيمته فيما نصنع به أكثر مما تكمن فيما هو عليه.”
وعزز ستورا عمله بإجراء حوارات عديدة مع الشخصيات السياسية والعلمية الفرنسية والجزائرية، بلغ عددها 65 شخصية من السياسيين والمؤرخين والأدباء والمفكرين والسنيمائيين. واستخدم أيضا مراجع كثيرة منشورة باللغة الفرنسية. كذلك اقتبس في كل مرة مقولات هامة لكتاب ومؤرخين وسياسيين من أمثال الأمير عبد القادر، كاتب ياسين، مولود فرعون، ألبرت كامو، جرمين تيلون، بول ريكور…
نقد وتقييم عام للتقرير
لقد كان ستورا منسجا مع قناعاته فأعاد في هذا التقرير ما كتبه في كل كتبه ومقالاته، وفي مداخلاته التلفزيونية والإذاعية سواء في فرنسا أو في الجزائر. شخصيا لا أرى أشياء جديدة في هذا التقرير إلا في بعض التفاصيل التطبيقية فقط.
هذا العمل جاء مستعجَلا (بفتح الجيم) بضغط ما حدث في فرنسا خلال فترة تحرير هذا التقرير والتحديات الانتخابية القادمة في فرنسا.
لقد ركز ستورا تماما على فترة 1954-1962 وأهمل الفترات الأخرى من التاريخ الاستعماري في الجزائر، واختصر جدا الحديث عن جرائم جيش الاحتلال في القرن التاسع عشر، ولم يخض في تجريد المجتمع الجزائري من أملاكه، وحرمانه من مقوّماته الثقافية خلال 132 سنة.
لقد استعان ستورا في تحرير تقريره بمقابلات مع 65 شخصية فرنسية وجزائرية من مختلف الإختصاصات، ولكنهم يملكون وجهات نظر متقاربة في قضايا الذاكرة والتاريخ والمستقبل باستثناء شخصية أو شخصيتين. كذلك لم يعد إلى الرصيد الكبير للكتابات الجزائرية باللغة العربية التي تتضمن وجهات نظر أخرى ومعلومات غير موجودة في الكتب الفرنسية. ولم نجد في اقتباساته العديدة أعلام من تيارات أو تكوينات أخرى خارج المدرسة أو الجامعة الفرنسية باستثناء الأمير عبد القادر. كما تساءل بعض المؤرخين والإعلاميين والسياسيين الجزائريين لماذا لم يذكر الشهيد الشيخ العربي التبسي في تقريره، ويدعو إلى اعتراف الدولة الفرنسية باغتياله؟
كانت الاقتراحات الأولى المقدمة في هذا التقرير معنية بفرنسا وشأنها الداخلي، أما الاقتراحات الأخيرة الخاصة بالأرشيف والتعاون العلمي واسترجاع الممتلكات، فإنها متعلقة مباشرة بالعلاقات الجزائرية الفرنسية، وهي جديرة بالدراسة والمناقشة والتطبيق والتجسيد على أرض الواقع.
أنا مقتنع دائما أن تاريخنا تكتبه أقلامنا أولا، والمؤرخون الآخرون المنصفون ثانيا، واستحضر هنا ملحوظة كتبها المؤرخ الكبير شارل-روبير آجرون في تصديره لكتاب غوي بيرفيي حول الطلبة الجزائريين في الجامعات الفرنسية، وهي أنه كان ينتظر أن ينجز هذا العمل التاريخي واحد من المؤرخين الجزائريين.
لا تكون كتابتنا في مستوى آمال أبنائنا وطموحات أحفادنا إلا إذا التزمنا دائما بضوابط المنهج العلمي، وابتعدنا عن الغرور والعواطف الفائضة، والقراءات الأيديولوجية الضيّقة، وارتقينا إلى مستوى المتطلبات المعرفية وطموحات شعبنا في التقدم وأحلامه في الازدهار.
وأما الذاكرة، فإنها لم تعد اليوم مسألة تاريخية صرفة ليهتم بها فقط المؤرخون أو السياسيون، وإنما أصبحت مسألة مصيرية متعددة الجوانب تحتاج إلى كل العقول المفكرة والمبدعة لإعادة تشكيلها بما يحافظ على روح الماضي، ويسدد رهانات الحاضر، ويحقق آمال المستقبل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حـــول تقــريــر بــن جاميــن ستــورا الخـاص بـملــف الـذاكــــــرة

د.جمال مسرحي/ لقد أثار تقرير المؤرخ بن جامين ستورا حول الذاكرة بين فرنسا والجزائر، والذي …