الرئيسية | ملف | قراءة بيـن السطـور لنظـرة «ستــورا» الأحاديـة لـمسائل الذاكرة الـمشتركة

قراءة بيـن السطـور لنظـرة «ستــورا» الأحاديـة لـمسائل الذاكرة الـمشتركة

د. مولود قرين/

القارئ المتأني للتقرير الذي أعده المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا حول ملف (الذاكرة المشتركة) يدرك أن نظرة ستورا كانت نظرة أحادية، منحازة للطرف الفرنسي، كما أن أغلب تحليلاته كانت إنشائية عاطفية غير مؤسسة علمياً، إضافة إلى أنها تحمل بين طياتها رسائل مشفرة، يمكن أن تعود سلباً على الذاكرة الجماعية للجزائر. ومن الملاحظات التي سجلناها على التقرير، هو اتهام الجزائر بأنها غير متصالحة مع تريخها، وهذا ما نلمسه في تطرقه لمسألة الاحتفالات الرسمية بالفاتح نوفمبر، فيذكر بأن الجزائر تحتفل بهذا التاريخ باعتباره الفعل التأسيسي لأمة تسترجع حقوقها في السيادة، غير أن في هذا الاحتفال، حسب ما ذكره، لا يتم التّطرق إلى انقسام الجزائريين، ولا إلى الاشتباكات التي كانت بين جناح مصالي الحاج MNA وجبهة التحرير الوطني FLN. وكذلك في الاحتفالات لا يتم التطرق إلى قضية ما تعرض له الحركى من انتهاكات، وكأن ستورا يريد أن يقول على الجزائريين أن يتصالحوا مع تاريخهم أولاً !!.
كما أنه يطرح ملفاً شائكاً جداً، ويحلله تحليلاً سطحياً، وهو ملف الحركى، مستند في ذلك إلى خطابات عبد العزيز بوتفليقة 2005م: «أن أبناء الحركى لهم نفس الحقوق مثل باقي الجزائريين، بشرط أن يدافعوا عن هذا البلد، وأن أبناء الحركى ليسوا مسؤولين عن أفعال أبائهم». وإلى جانب ملف الحركى الذي يقول أنه طفى إلى السطح منذ الثمانينات، هناك ملف آخر لا يقل خطورة، وهو ملف الأقدام السوداء، الذين شكلّوا جمعيات للمطالبة باسترجاع ممتلكاتهم المفقودة!!.
يحاول ستورا كذلك في بداية تقريره أن يلقي مسؤولية ما حدث في الجزائر على النظام الاستعماري الذي يقول بأنه كان نظاماً مغلقا لم يسمح بتطور المسلمين الجزائريين، فالنضال والمقاومة كان في نظره ضد الحرمان ونزع الملكية والقمع المستمر ويستند في ذلك إلى تحليل المؤرخ الجزائري محمد حربي المعروف بتوجهه الماركسي في تناول تاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية، وهنا يجب أن نشير إلى أن تقرير ستورا قد استند إلى دراسات تاريخية ذات توجه واحد مثل حربي، جيلبرت ميني وغيرها من الأقلام الفرنسية، وفي الكثير من الأحيان كان يستند إلى دراسات لأقلام مغمورة سواء في الوسط الأكاديمي الجزائري أو الفرنسي، في حين أنه لم يول عناية بما قدمه الباحثون الجزائريون خاصة الذين اهتموا بقضية الذاكرة المشتركة أمثال المؤرخ الجزائري محمد القورصو وغيره. والأكثر من ذلك فإنه يطلق حكماً جزافيا مجحفاً على الباحثين الجزائريين الذين يصفهم بأنهم ظلوا أسرى لاستراتيجيات القوى السياسية المختلفة، ويعطي مثلاً عن ذلك بأزمة 1991م التي أدت إلى تصلّب الذاكرة، والانسحاب كما قال إلى محو مآثر رواد الحركة الوطنية الجزائرية أمثال مصالي الحاج، فرحات عباس، عبد الحميد بن باديس.
ويحاول في تقريره أن يقول بأن ضحايا الفترة الاستعمارية ليسوا الجزائريبن فقط، بل شملت حتى المعمرين الذين دخلوا فرنسا سنة 1962م، ووجدوا صعوبة كبيرة في الاندماج في المجتمع الفرنسي، فكانت لهجتهم وطريقة عيشهم مختلفة، وكان ينظر إليهم بأنهم المسؤولين عن الصراع الذي انتهى.
كما يقدم مجموعة من الدراسات والكتابات التي كتبها مؤرخون فرنسيون وجزائريون من بينهم «شارل روبير أجرون، جيلبرت ميني، محمد حربي، وعبد المجيد مرداسي»، ويقول بأنها كفيلة لإيجاد الأطر المرجعية، وتقديم الأدوات المنهجية، لحل المشكلات الأيدولوجية، فهي نماذج ذات توجه واحد فلم يذكر أي مؤرخ جزائري له نظرة مختلفة، أو على الأقل له رصيد ضخم من الدراسات حول تاريخ الجزائر المستعمرة، مثل أبو القاسم سعد الله، محفوظ قدّاش، جمال قنان، عبد الحميد زوزو وغيرهم.
وفي القسم المتعلق بتحديات ملف الذاكرة المشتركة، فتتمثل في نظره في الأرشيف وملف المفقودين وقضية الاعتراف الفرنسي بجرائمها في الجزائر. فمسألة الأرشيف قضية محورية، وذلك نتيجة أهمية الوثائق والمستندات في بناء الذاكرة. وفي تحليله لقضية استرجاع الأرشيف، فيرى بأن الأرشيف الفرنسي أرشيف وطني له علاقة بالسيادة الوطنية، باعتبار أن أراضي الجزائر كانت مكونة من ثلاث مقاطعات فرنسية خلال الفترة الاستعمارية، لذلك حسبه لا يمكن أن تلزم الجزائر فرنسا باسترجاع كل الملفات الأرشيفية بدعوى أن الأرشيف هو ملك للبلاد التي كتب فيها. كما أن فرنسا قد تركت في الجزائر مستندات ووثائق أرشيفية تساعد في تأسيس الدولة الجزائرية عشية الاستقلال، مثل السجلاّت العقارية، وتخطيط المدن، والغرف التجارية والصناعية، والوثائق الإدارية المتعلّقة بالمدارس والجامعات، وهناك ملفات رقمنت من طرف A.N.O.M وهي متاحة على النت سيما المتعلقة بالأحوال المدنية. وهناك اقتراح لاسترجاع أرشيف الفترة العثمانية في الجزائر.
وإن كان هناك تفاهم حول استرجاع الأرشيف، فيجب على الجزائر، حسبه، أن تسّهل عملية الوصول إلى مختلف الوثائق، خاصة سجلّات الإدارة غير المتاحة للباحثين.
كما يجب دراسة كل سلسلة تاريخية على حدى، وحتى السلاسل الفرعية يجب أن تدرس، كما يجب في نظره أن يتحلى الجانبين بالحزم والجدية، وذلك بتفعيل اللجنة المنبثقة عن اتفاقية تعاون سنة 2009 بين مديريتي الأرشيف الوطني والفرنسي، هذه اللجنة التي ضمت من الجانب الجزائري (مديريات الأرشيف، وزارة الدفاع الوطني)، ومن الجانب الفرنسي (مدير الأرشيف الفرنسي، ومديريات أرشيف القوات المسلحة والشؤون الخارجية)، حيث اجتمعت اللجنة 6 مرّات من 2012م إلى 2016م ولم تجتمع منذ أربع سنوات. كما اقترح أن يتّم جرد شمال لكل الوثائق سواء في الجزائر وفرنسا.
واقترح أن تقدم فرنسا كل عام منح لعشر طلبة من الجامعات الجزائرية حتى يتمكنوا من الاستفادة من وثائق الأرشيف الفرنسي. وفي الملف الحساس المتعلق بالاعتراف، حاول أن يميّع الملف ويجري مقارانات خارج السياق كاعتراف اليابان بجرائمها في كوريا والصين، ويرى بأن موضوع الاعتراف الرسمي لا يشكل أهمية كبيرة، إذ لا بد من خطوات بهدف التعرّف على النظام الاستعماري وتفاصيله وأهدافه الإيديولوجية، فيقول أنه عمل كبير، خصوصاً قضية التجارب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نظرات في تقرير سـتــورا حول قضايا الذاكرات بين الجزائر وفرنسا

أد. مولـــود عــويمــــر/ في منتصف شهر جويلية 2020 كلّف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صديقه المؤرخ …