الرئيسية | الحـــق الـمر | ما ينفعُ الناس…

ما ينفعُ الناس…

يكتبه د. محمّد قماري/

لعلني لا أبالغ إذا قلت أن من أبغض الأمور إلى قلبي ظاهرة التسوّل الموّسع، وأقصد به أن تتولى جمعيات التسوّل باسم الفقراء، وربما التسوّل لإنجاز أعمال خيريّة، وذلك البغض لم يتملكني لأنني أكره فعل الخير، معاذ الله، أو أنكر وجوب تضامن أفراد المجتمع، لكن الذي أبغضه وأنكره هو أن تتوّسع ظاهرة التسوّل، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى.
إن الأصل في تحسس أوضاع أصحاب الحاجات هو مؤسسات الدولة، فإن غفلت عن تلك الوظيفة أو أهملتها أو لم تحسن إدارتها فإن أعضاء المجتمع تتحرّك بالأقرب فالأقرب، ولأجل ذلك اعتبرت صدقة أو احسان المرء لأقاربه من المحتاجين: صدقة وصلة رحم، وهذه الدوائر أشار إليها القرآن الكريم بوضوح، فهناك (الجار) و(الجار الجنب) وهناك (الصاحب) و(الصاحب بالجنب): «وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ…» (النساء/36).
ونقرأ ونسمع في الإعلام مواد خاصة بجمع معونات لأناس، مغلفة بكثير من عبارات التوّسل، لا تختلف في شيء عن تلك التي يرددها المتسوّلون في الشوارع وأمام المساجد، وقد يأتيك الفرد منهم يحمل وصفة، فإذا هممت بشراء الدواء له تملص، وقد عرفت بعض الأفراد يجتهدون في جمع معونات لمرضى، لكن يشترطون العلاج في الخارج!
وأذكر أنه في أحد الأيام كنت مشغولاً بأمر ضروري في شارع الدكتور سعدان بالعاصمة، ولقيني كهل كأنه أدرك ما أنا فيه من تشتت وانصراف الذهن، واقترب مني وفي يده وصفة دواء، وقلت في نفسي لن تطال مني فلسًا واحدًا، لكن الرجل قال إنه يريد شراء حليب خاص لابنته الرضيعة، وأنها لم تنم ليلتها متضورة من الجوع…
رق قلبي، وذهبت معه لصيدلية على ناصية الشارع، فلم نجد الحليب المطلوب، فقال ربما وجدناه في ذلك الدكان، وصحبته إلى المحل، ولفت نظري أن صاحب المحل أثقل علينا في احضار علبة الحليب، ومع انصراف ذهني لحاجتي في الإدارة رجوته أن يسرع، وكررت رجائي، فأحضر الحليب ودفعت الثمن، وانصرف الرجل، وحانت مني التفاتة لصاحب المحل الذي أومأ لي من طرف خفي…
قال صاحب المحل: أعرف أنك ضجرت من تثاقلي، ولقد تعمدت ذلك لعلك تفهم وتنصرف، فيا أخي أنت الخامس اليوم، وفي آخر اليوم يأتيني الرجل بعلب الحليب وينقص من الثمن الذي دفعته أنت، إنه محتال!
فما يدريني وجود محتالين بالجملة باسم محتالين أفراد؟ وإن كنت أعرف وجود تلك الظاهرة، لكن أقول: ربما، لأنني أعتقد أن أغلب أولئك الطيبين محبون للخير، وربما انخرطوا في طريق هو أقرب لقول عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: (وكَمْ مِن مُريدٍ للخير لن يُصيبَه)…
إن الاستغلال البشع لفطرة الخيرية في الأمة، باسم دواء وكساء وطعام المحتاجين، أمر غاية في البشاعة والسوء، كما أن اعانة الطفليين من القضايا الضارة بالمجتمع، والأصل هو البحث عن العمل الشريف لهؤلاء، واعانتهم على الكسب الحلال الذي يأتي بكد اليمين وعرق الجبين.
ولعل هذه الظاهرة تقودنا إلى النظر في أزمتنا الحضارية، فكثير من الجهود تبذل في سبيل (إعادة) المسلمين إلى الإسلام، ومئات الدروس والمواعظ تتحدث عن (توحيد الألوهية) و(توحيد الربوبية) و(توحيد الأسماء والصفات)، لكن أثرها في النفوس ضعيف، لأنها معني مجردة من عقيدة (التوكل) و(فعل الخير) بالاحتراف والعمل والسعي في طلب الرزق.
إن ما تشكو منه أمتنا هو تحقيق التنميّة، وذلك بتثمين (قيمة السعي): «وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ» (النجم/39)، وقيمة الحركة النشطة السريعة في ذلك السعي: « وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» (آل عمران/133)، ومن ذلك المنطلق نفهم معنى (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، ولم يكن في سلف الأمة ورعيلها الأول من يعرض على عامة الناس تفاصيل نظرية، بل كانت المنجزات والحركة على الأرض، وهو ما جعل الصحابي المهاجر وقد عرض عليه أخوه الأنصاري دارا ورزقا وزوجة يقول له: (دُلني على السوق).
وهذا هو الفارق بين النشاط الإسلامي في بلدان كماليزيا وتركيا يؤتي أكله، وتتعثر جهود آخرين لا زالوا يبحثون في الحواشي، وحواشي الحواشي عن قضايا نظرية وخلافية، وتمضي الجهود والأوقات في الجدل والتمحيص والردود…
إن المنطق العملي هو الذي يشحذ همة الأستاذ والطالب والطبيب والفلاح وصاحب الورشة والإداري، كلهم يسعى لتحقيق سعادة غيره من أعضاء المجتمع، فلا تجد الطالب الذي يتسوّل العلامات، ولا الموظف الذي يأكل السحت، ولا تلك الجموع (العاطلة) التي تبسط أيديها للتسوّل أو تتسوّل بألسنة وجهود غيرها…

عن المحرر

شاهد أيضاً

حسن البنا…

يكتبه د. محمّد قماري/ بحلول يوم الثاني عشر من الشهر الجاري (فبراير)، تكون اثنان وسبعون …