الرئيسية | عين البصائر | حـــــديث في الهويـــــة هادي، هادئ، هادف

حـــــديث في الهويـــــة هادي، هادئ، هادف

أ. لخضر لقدي /

 

كلما جاء شهر يناير تجددت في بلادنا أسئلة الهوية وزادت حدَّتها وتشعبت معضلاتها، وفي وسط هذا الجو المتأزم تطل أسئلة الهوية برأسها، وتجد من يحتكر الهوية ويصبغها بألوانه ويضبطها بقوانينه، وقد يستورد لها شيشناقا من بيئة أخرى، ويمارس النفي والإقصاء لعناصر الهوية الجامعة الموحدة.
والهوية سيرورة متحركة منذ أن بدأت رياح العولمة تعصف بالمجتمعات وتبشر بالثقافة الواحدة والعالم الواحد وبنمط العيش الواحد، مهدّدة بذلك ما يسمى الخصوصيات الثقافية.
ولا شك من وجود عناصر مشتركة من الدين واللغة والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك، توافق واجتمع الناس عليها في بلادنا منذ قرون طويلة.
وهوية الجزائر المعيشة يوميا مسلمة أمازيغية عربية، أو مسلمة عربية أمازيغية، فقد تعايشت هذه الأبعاد الثلاث في كل جزائري طيلة قرون منذ اعتناق أجدادنا الأمازيغ الإسلام، وتبنيهم للعربية بصفتها لغة الإسلام، فكانوا يعتزون بالعربية مثلما يعتزون أيضا بالأمازيغية التي كان يستعملها الكثير منهم في حياتهم اليومية، مثلهما في ذلك مثل الإسلام الذي يعد إسمنت هذه الهوية.
إن النقاشات الساخنة المطروحة خرجت من إطارها الثقافي الألسني إلى سياقات سيئة تحركها عصبيات عنصرية، واستفرد بها غلاة يمارسون الإقصاء تارة، كما يمارسون التنكر للانتماء الحضاري طورا.
والأمازيغية التي نريدها للحفاظ على مجتمعنا متماسكا هي أمازيغية تجمع ولا تفرق، وتوحد ولا تشتت.
وأنا لا أعادي الأمازيغية من حيث المبدأ، فلا يغيب عليَّ أن الإسلام لم يُغَيِّر لغات تسعين بالمائة من المسلمين، وأنا مؤمن أن اختلاف الألسنة والألوان من دلائل عظمة الله المتجلية في خلقه:{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}[الروم: 22].
وليس اختلاف اللغات والألوان من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين، بل هي من تدبير الباري سبحانه وتعالى، ولذلك عقبت الآية بقوله تعالى:{إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّلْعَالَمِينَ} والعَالَمِينَ تشمل البر والفاجر والمؤمن والكافر.
ولكنني أرفض تماما أن يفرض على غير الأمازيغي تعلم الأمازيغية، كما أرفض أن يُفرض على الشاوي أو الميزابي أو الشلحي أو التارقي … لسانا غير لسانه وإن كان قريبا منه، أما إذا كان ذلك باختياره فله ما شاء.
ولكن هناك فرق شاسع بين أمازيغ أحرار مسلمين وطنيين يحبون العربية ويحافظون على تراثهم، وبين جاحدين للإسلام، ناكرين للعربية، متنكرين لاختيار أجدادهم، مُسْتَعْمَلِينَ ضد مصلحتهم ومصلحة وطنهم، هذا هو الفرق.
إن الفرز يكون يوم يُختار للأمازيغية الحرف الذي تُكتب به، هل يكون الحرف العربي الذي اختارته شعوب غير عربية، كتبت به لغاتها: الأوردية (لغة باكستان وبعض ولايات الهند)، أو الفارسية، أو التركية أو السواحلية (لغة كينيا وتانزانيا)، فتتناسق مع نفسها،وتتناغم مع غيرها من المسلمين، وتختار ما يخدم دينها ويعزز وحدتها.
إن الملاحظ المتبصر ليرى جليا أن الشعوب التي حافظت على كتابة لغاتها بالحرف العربي، ما زالت شعوبا متمسكة بدينها (الأوردية، والفارسية)، بينما التي اختارت كتابة لغتها بالحرف اللاتيني (التركية والسواحلية) هي أقل تمسكا أو تكاد.
وسيشتد الفرز حينما نعرف الفكر الذي يوجه هل هو فكر وحدوي لا يعادي الإسلام ويخدم العربية، ويحافظ على الوطن، أم فكر يصنع لنفسه علما وحكومة ومعجب بكاتالونيا، ويومها يكون الفرقان.
وحاشا أن أسُب أحدا، أو أجعل الجميع في سلة واحدة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وزير الشـــؤون الدينـيــة والأوقاف، الدكتــور يــوســف بلمهدي: جســـور التعـــاون مفتــوحــة بيننــا وبيـن جمعـيـة العلمــاء الـمسلميـن

كشف وزير الشؤون الدينية والأوقاف لدى نزوله ضيفا على فروم مؤسسة “الحوار”، وفي رده على …