الرئيسية | على بصيرة | قراءة في ملامح الوجه الأمريكي الجديد

قراءة في ملامح الوجه الأمريكي الجديد

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

ودخل الرئيس الأمريكي الوافد الجديد، البيت الأبيض خائفا يترقب، يحيط به الحرس الجمهوري من كل مكان، وتحرسه الأسلحة، من مختلف الألوان من المشاة إلى سلاح الطيران.
غابت عن المشهد المألوف، الجماهير بالألوف والتي كانت تستقبل حفل التنصيب للرئاسة متراصة الصفوف.
كما غاب الرئيس المنتهية ولايته عن مراسيم تسليم السلطة، إمعانا منه في عدم إظهار الغبطة، وإسهاما في إفساد «الزيطة والعيطة والغيطة».

ولاحت من خلال شاشات البيت الأبيض صورة القادم السديد فبدأت تظهر للناس ملامح الوجه الجديد للسياسة الأمريكية إزاء قضايا الإنسانية.
ولا تعنينا هنا، تقاسيم الوجه البيولوجي للرئيس، فذلك يخص العروسة والعريس، وإنما الذي يعنينا هنا ملامح وجهه السياسي الذي هو وجه أمريكا، خصوصا، بعد أن جللت هذا الوجه قتامة، فانعكست على الإنسانية في شكل حسرة وندامة ورسم أكثر من علامة.
انتظر العالم –إذن- من الوجه الأمريكي الجديد تقاسيم غير التي ألفناها، تقاسيم يكون فيها الانشراح ومقدمات الأفراح، والأيام البيض الملاح.
غير أن المقدمات، التي علت تقاسيم الوجه الأمريكي الجديد، لا تبشر بخير، ولا تطمئن الغير. كنا نأمل، أن يتحلّى الرئيس جو بايدن، بالبراعة والشجاعة، فيتخلص من آثار سوء البضاعة، ويبدأ في رسم حقل جديد من الزراعة من شأنه أن يخلص الإنسانية من التعسف، والظلم، والمجاعة والبشاعة.
وإلا فما لنا وحائط المكسيك، ورفع الحجز عن دخول أمريكا من طنجة إلى محيط الأطلنتيك؟ فما يضر بعض مواطني العالم إن هم منعوا من دخول أمريكا، أو كورسيكا، وعندهم سهول متيجة، وجبال الأطلس، ورمال «أفريكا»؟
كنا نأمل أن يفاجئ الرئيس الأمريكي الجديد العالم بإزالة كل عدوان، والقضاء على بؤر التوتر والشنآن في مختلف الخلجان، والبحار والوديان، فنتخلص من نزغ الشيطان، بين الإخوان ويعيد تأسيس البنيان، في كل حين وفي كل آن.
فهناك معضلة القدس وما يحيط بها.. وهناك.. قضية فلسطين ومشرديها، وهناك حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، واختيار مسيريها، فما للرئيس بايدن وطاقمه عن هذه القضايا غافلون؟
لقد قلت في حلقة سابقة من هذه الافتتاحية إن الرئيس السابق الذي لا يملك أي شيء في كل البلدان، أعطى كل شيء لمن لا يملكون في كل مكان، فلماذا لا يقوم الرئيس بايدن، بتصحيح العنوان، وتطبيق العدل بالميزان؟
ألم يُعب على الرئيس ترامب، أنه كان انفعاليا، وكان ارتجاليا، يفكر في القضايا، بمصلحة آنية ومادية، وليس في صالح المصلحة الأمريكية والإنسانية؟
هل من مصلحة أمريكا، أن تعادي شعوبا عربية وإسلامية، ثقيلة الوزن ماديا ومعنويا في العالم، لصالح كيان يبحث لنفسه عن إثبات الوجود، ويستولي في الليل على مساحات الغير من الحدود؟
هل من مصلحة العالم، أن يمكن الكيان الإسرائيلي من السلاح النووي بجميع مكوناته، ويمنع المسلمون من تخصيب طاقاته، ومنتوجاته؟
هذه إذن هي المعضلات الكبرى التي كنا ولا نزال ننتظر الفصل فيها، بعدل وإنصاف، فتعود لأمريكا، صورة العظمة والائتلاف والمزيد من الهيبة والانعطاف.
فإذا لم تفعل أمريكا في عهدها الجديد هذا، وما أخالها فاعلة، فماذا يجب على الشعوب المستضعفة، ولا سيما العربية منها فعله؟
فمن كان يخضع لأوامر ترامب في جميع أوامره، ومن كان يحتمي بترامب، في إخفاء موابقه، كل من كان يؤمن بهذا، أو بفعل هذا، فإن ترامب قد زال بحسناته وسيآته، أما الشعوب وحقوقها الثابتة النبيلة، فباقية وخالدة وهي لن تزول، والبقاء لها، لأنها الأصلح والأفضل..
فعلى قادة العرب، من الحكام والزعماء، أن يحسنوا استخلاص الدرس، مما وقع لترامب وما وقع لأمريكا، إذ أثبتت الأحداث أن أمريكا من خلال تنازعها على السلطة، أثبتت أنها نمر من ورق، وأن قوتها، ليست إلا من ضعف العرب والمسلمين، وصدق في هذا المعنى قول الرصافي الشاعر العراقي:
عجبت لقوم يخضعون لدولة
يسوسهم في المُوبقات عميدها
وأعجب من ذا أنهم يرهبونها
وأموالها منهم، ومنهم جنودها
فما كان لأمريكا أن تتنمر اقتصاديا، لولا أموال العرب المكتنزة في بنوكها، وما كان لها أن تتقوى سياسيا، لولا القابلية للخنوع والخضوع التي يتحلى بها قادة وأغنياء العرب والمسلمين.
فهل آن الأوان لأمتنا العربية أن تسل أيديها من أيدي الساسة الأمريكان، وهم الذين يرفعون شعار: «ليس لنا حليف دائم، ولا عدو دائم، ولكن لدينا مصلحة دائمة؟».
آن للعرب والمسلمين، أن يدركوا –إذن- ولو بعد خراب البصرة أن القدس أمانة وضعها الله في أعناقهم، وأن القدس قبلة أمرنا الله أن نولي وجوهنا شطرها، فيعملوا هم أيضا على إلغاء التطبيع الذي اقترفوه والمال الذي بددوه، والخنوع الذي أبدوه، فيتصالحوا مع شعوبهم، ويعيدوا الكلمة لأهل الحل والعقد من علمائهم، فإن فعلوا ذلك، فسيكسبون ولاء شعوبهم، واحترام أعدائهم، لأن الإستقواء بالعدو ضعف، والاستهزاء بالشعوب سخف، والإقصاء للعلماء حيف.
وأذكّر الجميع بقول شاعرهم:
عِدايَ لهم فضل علي ومنّةٌ
فلا أبعد الرحمان عني الأعاديا
هم كشفوا عن زلتي، فاجتنبتها
وهم نافسوني، فاكتسبت المعاليا
ألا إن ما حدث في أمريكا، من صراع ونزاع على السلطة، قد فتح أعين العقلاء والأغبياء معا، وإن القراءة في ملامح الوجه الأمريكي الجديد، بعد كل الصراعات والنزاعات قد كشف، بما لا يدع مجالا للشك أن المصلحة الأمريكية المادية الصرفة، هي وحدها التي تعلو ولا يعلى عليها، سواء أحكمها ترامب أم بايدن، فليتق الله حكام أمتنا، في مصلحة شعوبنا، وليعوا الدرس فيخلدوا في صحائف التاريخ جميل الذكر، والعاقبة للمتقين، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: 227]

عن المحرر

شاهد أيضاً

شحذ الهمّة وتنظيم «اللمّة» لبناء مقر الأمة

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ براءة الذمة، إلى الأمة، من كل …