الرئيسية | ليتفكروا | أهميـــــة مَلَكَــــــة العقل

أهميـــــة مَلَكَــــــة العقل

د. بدران بن الحسن *


ذكرنا في أحد المقالات السابقة حاجتنا إلى القرآن لضبط الصلة بين الدين والعلم؛ أي البحث في التكامل أو التداخل أو التناقض أو التضاد بين الدين والعلم. وكان المقصود بالدين هو الإسلام أساساً، باعتبار أن الإسلام هو الدين الحق، وفي قمة هرم الأديان، ثم تأتي الأديان الأخرى بعده من حيث تضمنها لعناصر الحقيقة إلى أن نصل إلى ملل ونحل وأيديولوجيات وأساطير آمن بها كثير من الناس، ليس فيها من «أساس للتقديس» كما يقول الفخر الرازي إلا التقليد والانحراف عن الفطرة وعن هداية الأنبياء.
ولعل ما يجعل الحديث عن صلة الدين بالعلم مهمة، هو موقع العقل فيهما، ودوره في المعرفة ومصادرها ومناهجها وقضاياها ونتائجها. ولعل الناظر في القرآن يجد -خلاف ما يشاع في الأدبيات الاستشراقية أو التي وقعت في القابلية لجلد الذات- أن القرآن أولى عناية كبيرة للعقل، ووضع فيه ثقة كبيرة لتمييز الحق من الباطل، ولتأسيس التدين، والعلم، والعمران.
ولكن الملفت للنظر ان القرآن ذكر العقل باعتباره ملكة؛ أي صفة وميزة يتميز بها الإنسان، أو وظائف تقوم بها القوى الادراكية في الإنسان، وليس ذاتا أو ماهية أو جوهرا، كما يقول الفلاسفة. بمعنى أن القرآن ذكر وظائف متعددة تعبر عن العقل، ولكن نجد القرآن أيضا يمدح الذين يعقلون ويذم الذين لا يعقلون، وذلك في سياق دعوة القرآن للإنسان ليستعمل هذه القوى الادراكية متكاملة ليعقل بها، ويدرك عالم الغيب وعالم الشهادة، ليصل الانسان إلى بناء صلة صحيحة بالله تعالى وبالإنسان وبالكون، محققا العبادة على وجهها الذي لأجله تم تكليف الانسان بتحقيق الاستخلاف.
فانظر إلى الآيات التالية لترى كيف يؤسس القرآن للثقة في العقل، هذه الملكة العظيمة؛ سواء الفطرية منها أم المكتسبة، التي بها يستطيع الانسان أن يكون إنسانا، ويحقق رسالته في الوجود. بل عن الهداية، والايمان، والضلال، والاستقامة، والانحراف، والنجاة من النار والفوز بالجنة، وتحقيق العدل والخير، وتحقيق الفهم، وحصول العلم، والتزام الاخلاق الكريمة أو الانحدار عنها، كلها مرتبطة بهذه الملكة العظيمة التي زود بها الانسان، فكرة واكتسابا.
كقوله تعالى في سبب جعل القرآن بلسان عربي «إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً لعلكم تعقلون» (الزخرف، 3)، وفي دعوته للتأمل في آيات الكون «وسخّر لكم الليل والنّهار والشمس والقمر والنّجوم مسخّرات بأمره إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون» (النحل، 12)، وفي مسؤولية بعض من اعرض عن الايمان وحرف الوحي «يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه» (البقرة، 75)، وفي ضرب الامثال من أجل ان يتم تعقلها «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون» (العنكبوت، 43)، وفي مساءلة الذين ينقاضون بين قولهم وفعلهم «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (البقرة، 44)، وفي اعتراف أهل النار بأنهم لم يستعملوا قواهم الإدراكية في التعقل «وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ» (الملك، 10)، وفي ذم من يعبد غير الله وغيب عقله «أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (الأنبياء، 67).
وكذلك فإن القرآن يسأل المقلدين الذين يتبعون الموروث دون تمحيصه ودون تمييز الهداية من الضلال فيه لأنهم لم يستعملوا عقولهم «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ» (البقرة، 170)، وفي نفي العقل عن من لم يهتد ولم يع ما جاء به الوحي «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ» (يونس، 100)، كما أن تغييب العل يؤدي إلى التفرق والتشتت «لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ» (الحشر، 14).
ليس هذا فحسب، بل إن الذي يستخدم ملكة العقل سيحقق الفوز في الدار الآخرة، لأنه باستخدام عقله سيدرك الفرق الكبير بين الدار الاخرة والدار الدنيا، «وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (يوسف، 109). بل عن التفكر في الكون وفي الموجودات واستعمال وظائف هذه الملكة العقلية كما قال تعالى «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (البقرة، 164)، فإن ذلك يؤدي إدراك الحقائق، ومعرفة الظواهر وما تنطوي عليه من حقائق باطنة وكامنة فيها.
ولهذا دعا القرآن الانسان إلى التعقل وإعمال العقل، والتخلي عن التقليد، والغفلة، والجمود، ومتابعة السائد، حتى لا يصير مثل الدواب، قال تعالى: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ» (الأنفال، 22)، بل إن عدم استخدام القوى الادراكية التي زود الله الانسان بها ستقوده إلى الخسران المبين، «وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ» (الملك، 10).
إن هذه الآيات وغيرها كثير في كتاب الله، تدلنا على أهمية ملكة العقل، وضرورة إعمالها، والثقة فيها، لأنها مناط التكليف، ولأن إعمال العقل فريضة والتفكير فريضة كما يقول الأستاذ عباس محمود العقاد. كما أن النظر في الثورة المعرفية التي أنتجها القرآن والسنة في تاريخ امتنا والأولوية الكبرى التي أولاها العلماء للعقل في مختلف العلوم تجعل من العقل ملك المواهب وملك القوى التي احتفى بها الإسلام وأولاها عناية عظيمة وشنّع على من يعطلها.
*مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية/ جامعة قطر

عن المحرر

شاهد أيضاً

بناء القـــــــرآن للعقل العلمــي

د. بدران بن الحسن */ إن النظر الفاحص المتدبر لنصوص القرآن من قبل من يؤمن …