الرئيسية | وراء الأحداث | هل سيحاكم ترامب بتهمة التحريض على أعمال إرهابية؟

هل سيحاكم ترامب بتهمة التحريض على أعمال إرهابية؟

أ. عبد الحميد عبدوس/

أصبح الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون المنتهية ولايته دونالد ترامب أول رئيس يخضع لمحاكمتين في الكونغرس خلال عهدته الرئاسية، ومن المرجح أن يكون كذلك أول رئيس أمريكي يمنع بحكم القانون من الترشح أو تولي أي منصب سياسي في الولايات المتحدة الأمريكية لبقية حياته.
المرحلة الأولى من محاكمة ترامب تمت بنجاح حيث صوتت أغلبية مجلس النواب يوم 13 جانفي الأربعاء 2021 على مطلب إدانة الرئيس الأمريكي بالتحريض على اقتحام مبنى الكونغرس في انتظار تصويت مجلس الشيوخ على إدانة دونالد ترامب، مما سيؤدي إلى عزله من منصبه الرئاسي، وجاء تصويت مجلس النواب بعد مرور أسبوع واحد على «الأربعاء الأسود» (6 جانفي) الذي شهد اقتحام مبنى الكونغرس لمنع التصديق على فوز الرئيس المنتخب جو بايدن، من طرف أنصار ترامب الذين أطلق عليهم النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، إريك سوالويل تسمية «عصابة كلوكس كلان». وهي منظمة تؤمن بتفوق العرق الابيض، كانت تمارس طقوسها الإجرامية بتنصيب المشانق للسود والاستمتاع بحرقهم أحياء، ظهرت هذه العصابة العنصرية المجرمة لأول مرة في جنوب الولايات المتحدة في ولاية (تينيسي) في دسمبر1865 على يد ستة ضباط سابقين في الجيش الكونفدرالي وجعلت هدفها معارضة تحرير العبيد التي حدثت عقب الحرب الأهلية الأمريكية، ثم عادت للظهور مرة ثانية سنة 1915، وبلغت ذروة قوتها وانتشارها في عقد العشرينات من القرن الماضي حيث ضمت حوالي 15% من التعداد الرسمي للسكان في الولايات المتحدة. (6 ملايين شخص) وانخفض تعدادها في سنة 1974 إلى أقل من ألفي شخص، ولكنها عادت إلى النمو بعد انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
بعد مصادقة مجلس النواب على إجراءات عزل دونالد ترامب، وموافقة عدد من النواب الجمهوريين على مقترح العزل، اصبح سيف القانون يقترب من رأس دونالد ترامب الذي بدأ يتصرف كغريق يبحث عن أية قشة يتشبث بها ويحاول الظهور بمظهر الداعي إلى احترام القانون والباحث عن التهدئة والتصالح والرافض لأعمال الشغب والتخريب، والنادم على ما حدث من تخريب قائلا: إن «ملايين الأمريكيين شاهدوا الأروقة الحكومية تتعرض للتخريب» وأصبح يصف مقتحمي مبنى الكونغرس «بالرعاع والغوغاء».
أولئك الرعاع والغوغاء كان دونالد ترامب يصفهم عشية الهجوم على مبنى الكابتول «بالأمريكيين الوطنيين الذين سيكون صوتهم عظيما جدا في المستقبل ولن يتم التقليل من احترامهم أو معاملتهم بطريقة غير عادلة بأي شكل». وفي المقابل كان يصب جام غضبه على نائبه مايك بنس الذي رفض الانصياع لأوامره بقلب نتائج الانتخابات لصالحه، ويصفه بالجبان قائلا: «لم تكن لدى مايك بنس الشجاعة لفعل ما كان يجب القيام به لحماية بلدنا ودستورنا». هذا التحريض جعل أنصار ترامب يتوعدون مايك بنس بالشنق، وربما كانوا سينفذون وعيدهم لو لم تسارع أجهزة الأمن إلى تهريبه قبل اقتحام مبنى الكونغرس وكشفت التحقيقات أن أحد مقتحمي الكونغرس ترك ملحوظة مكتوبة لبنس يحذر فيها من «أنها مجرد مسألة وقت. العدالة قادمة». وكان دونالد ترامب يرفض الاستماع إلى نصائح مساعديه من القادة الجمهوريين الذين طالبوه بالاعتراف بنتائج الانتخابات ويعتبرهم بأنهم «ضعفاء» و«مثيرون للشفقة». كان واثقا بأن أنصاره الذين حرضهم على اقتحام الكونغرس قادرون على إيقاف ما أسماه «سرقة الانتخابات» وظل يردد: «لن نستسلم أبدا ولن نعترف بالهزيمة».
حتى قبل إجراء الانتخابات كان دونالد ترامب يهدد الجميع بقوة أنصاره وقدرتهم على تنظيم مظاهرات كبيرة للضغط على خصومه، فقد غرّد على تويتر يوم 19 ديسمبر2020 قائلا: «مظاهرات كبيرة في واشنطن يوم 6 يناير.. كونوا هناك، المظاهرات ستكون جامحة».
بعد اقتحام الكونغرس في 6جانفي 2021 كشفت التحقيقات الأمنية أن أنصار ترامب لم يكونوا مجرد متظاهرين غاضبين من نتائج الانتخابات ولكن البعض منهم كان يمتلك مخططا ارهابيا وجاء في مذكرة ادعاء وزارة العدل «هناك دلائل قوية تدعم فكرة أن نية محدثي الشغب (في مبنى الكونغرس) كانت أسر واغتيال مسؤولين منتخبين في حكومة الولايات المتحدة». وقد تم الاعتداء على حراس مبنى الكونغرس من رجال الشرطة الذين تعرضوا للضرب وحتى للقتل من طرف أنصار ترامب، ورغم ذلك فقد تم تفادي الأسوأ عندما تم اكتشاف عبوات ناسفة في محيط مبنى الكونغرس وفي مقري الحزبين الديمقراطي والجمهوري في واشنطن تم تفكيكها قبل الانفجار، وهكذا يمكن القول إن إدارة واشنطن التي قامت بتصنيف العديد من الدول والمنظمات والحركات خاصة من الدول الإسلامية كانت خاضعة لسلطة رئيس يقود جماعة إرهابية لا تتردد في استخدام العنف لقلب النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية.
الكثير من المشرعين الجمهوريين في مجلس الشيوخ مازالوا يعارضون باستماته محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ بحجة عدم كفاية الأدلة أو نقص الوقت وهم يعلمون أن الخطر ما زال قائما وأن عملية التمرد على الدستور من طرف أنصار دونالد ترامب لم تنته بعد، وأن موعد تنصيب الرئيس الجديد المنتخب جو بايدن في 20 جانفي المقبل ما زال مهددا بإمكانية حدوث تمرد مسلح ويتطلب تأمينه حضور الآلاف من عناصر الحرس الوطني لدعم بقية القوات الأمنية في واشنطن والولايات الأخرى. فما كان في السابق يعتبر مجرد إجراء بروتوكولي احتفالي لتنصيب رئيس جديد أصبح بسبب تعنت ترامب وتصرفاته الأنانية التحريضية عملية خطيرة تتطلب استنفارا أمنيا أضفى على العاصمة الأمريكية مشهد الساحات الحربية. لهذه الأسباب يحرص الديمقراطيون وأنصار الانتقال السلمي للسلطة واحترام الدستور على محاكمة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب حتى لا يتمكن من الترشح مستقبلا لأي منصب سياسي يمكنه من خلاله أن يهدد سلامة المجتمع والدولة الأمريكية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الأستــاذ الدكتــور بوعمــران الشيـــخ الـمعلــم الفيـلســـــوف

أ. عبد الحميد عبدوس يعد الفقيد الأستاذ الدكتور بوعمران الشيخ، من نوابغ النخبة الجزائرية والعربية …