الرئيسية | على بصيرة | هـــل يـتـنـفــس العالـــم الصعــــداء؟

هـــل يـتـنـفــس العالـــم الصعــــداء؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين /

ودعت الإنسانية، منذ أيام، العام الميلادي الجديد، ودعته بالحسرات والزفرات، وبالدموع واللوعة في الضلوع.
كان عام النكبات، والجائحات ففيها فقدنا الآلاف من الطيبين، وابتلينا بإصابات العديد من الملايين، لذلك شيعناه ولم نأسف عليه، ولم نذرف دمعة بين يديه، كان حقا نذير شؤم، أذاقنا كل أنواع المرض والسقم.

وكما كان العام المنصرم، عنوان البلاء والعناء، فلم يستحق منا إلا تنفس الصعداء، ها هو العالم السياسي، يودع هو الآخر، ظاهرة سياسية، طالما جثمت على القلوب، وعبثت بمصائر الشعوب، وهددت بشن الحروب.
إنه الرئيس الأمريكي غير المرغوب الذي عاث فسادا في كل الدروب، وعالج كل قضايا المضطهد المغلوب بمنطقه المقلوب، فما بكت عليه السماء أو الأرض، وإنما شيعه الجميع بنظرات الاحتقار، وبمختلف عبارات العار والشنار.
وإذ تستقبل الإنسانية العام الميلادي الجديد، وكلها أمل، في أن تشهد أيامه نهاية الجائحة، وبؤس البشرية النائحة فانه يأمل بالمثل، أن يكون القادم الجديد إلى البيت الأبيض، عامل أمل، وحسن عمل، فعالمنا اليوم وخاصة المسلم منه، يحمل أثارا سياسية بالغة، أثخنته بالجراح، وكيلته بالأتراح.
فهل يملك الوافد الجديد إلى البيت الأبيض الأمريكي من الشجاعة السياسية ومن الوطنية الأمريكية، ومن الواقعية الإنسانية ما يؤهله لإزالة أثار العدوان؟ هل يستطيع الرئيس جو بايدن أن يمحو بجرة قلم، عدوانيه ترامب بنقل عاصمة الكيان الصهيوني إلى القدس المصان، ويلغي القرار التعسفي الجائر بضم الجولان، ويعيد التوازن في سياسة أمريكا في جميع البلدان، فيكف عن مساندة الظلم والطغيان والاصطفاف إلى جانب القانون الدولي وحقوق الإنسان في كل مكان.
انه إن فعل الرئيس الأمريكي المنتخب ذلك، سيجعل العالم يتنفس الصعداء، ويمحو عن بلاده، ما شوهها به سلفه من صلف وعنف، وبلطجة واعتداء.
فقد كانت أمريكا، بالرغم من بعض مظاهر العداء، التي أقدمت عليها في فلسطين، والشام، والعراق، وإيران، كانت تحاول العمل بمبدإ شعرة معاوية مع الشعوب العربية الإسلامية، فتلوح بمصطلحات التسوية، وحل الدولتين للقضية الفلسطينية، وصيانة الحقوق والقوانين الدولية.
فأين نحن اليوم، مع سياسة الرئيس المخلوع، من هذه الشعارات كلها؟ لم يكتف الرئيس ترامب، بنهب أموال البلدان العربية، والتستر على التعسف، والدوس على أبسط الحقوق الإنسانية، بل تعدى ذلك إلى الدوس على حقوق شعوبنا، فأعطى، وهو الذي لا يملك في أي مكان، أعطى لمن لا يستحق في كل مكان.
وحدث كل هذا في غفلة من بعض الساسة الأمريكيين، وبتواطئ من بعض الساسة الآخرين.
أطفأت أضواء أمريكا يد الله العلية بعد أن كانت حمى النور ورمز البشرية، ومع الاعتذار للمرحوم الشاعر المصري الذي قال هذا الشعر في حق فرنسا، يوم كانت تعيث –بقمعها- فسادا في الجزائر، فان هذا الشعر ينطبق اليوم على أمريكا التي تدعى أنها رمز «العالم المتحضر» وعنوان الديمقراطية السياسية.
وها نحن «قد عشنا وشفنا» ما أقدمت عليه، عصابات البلطجة من هجوم على الكونغرس الأمريكي، وما أحدثوا من ضحايا، وكل ذلك في وضح النهار، وبمباركة من الرئيس المخلوع؛ ألا يدل هذا على السلب بعد العطاء؟ ألا يمثل استجابة من الله لدعاء المستضعفين الضعفاء؟
إن ما عشناه في الملحمة الأمريكية، منذ إعلان نتائج الانتخابات إلى الهجوم على أعلى المؤسسات، لنذير الشؤم، بأن عهد الجزر قد حل بعد عهد المد.
كما أن ما حدث لأمريكا، ولرئيسها المنتهية عهدته ، لدروس لعالمنا العربي يجب أن يستخلصها الأمراء، والعلماء، والضعفاء في كل مكان.
ومن ذلك إن الاستقواء بالفرد على الشعب، أيا كان هذا الفرد، لهو أمر محكوم بفشله مهما طال زمنه، وقدُم أمده.
كما أن الحاكم الذي يريد لنفسه البقاء عليه أن يتحصن بالعدل، وأن يتخلى عن كل أنواع الظلم، إذا أراد أن يستتب له الأمن، وكما قيل:
فالعدل أقوى جيش
والأمن أهنأ عيش
وان من انعكاسات ما حدث ويحدث في أمريكا، محاولة الحكام العرب استعادة أمور سيادتهم، وسل أيديهم من أيدي الأعداء.
فمحاولة المصالحة الخليجية وإعادة العلاقات وفتح الحدود، والقضاء على كل أنواع الجفاء والصدود، لهي خطوة في الطريق الصحيح.
لكن ما بقي تحقيقه، لتأكيد المصالحة بين الحكام والشعوب، هو إلغاء عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، فتلك لعنة لن يغفرها الله، ولا التاريخ، كما أن فتح مناخ الحرية، والعدل بين الرعية، وإطلاق سراح المظلومين من العلماء وذوي الفكر والرأي وحسني الطوية، هو مما سيعبد الطريق أمام الحكام، ويعيد الحب، والوئام، والسلام، إلى كل الأنام.
إن الشعوب العربية والإسلامية تتطلع كلها، في بداية هذا العام الجديد، وهذا الوافد، في ظل الانتخاب المفيد، إنها تتطلع إلى أن يبزغ من ظلام وظلامية العام الغابر، والرئيس العابر، فجر جديد للإنسانية تمسح فيه جراحها، وتتجاوز أتراحها، وتنسى نواحها.
إننا بالرغم، من كل ما عانيناه من السالفين وبالرغم من كل ما يحيط بنا من يأس وإحباط، نظل متفائلين بأن نتنفس الصعداء، فنتسلح بالأمل والرجاء، ونودع سنوات اليأس والبلاء، فيعم الإخاء و الرخاء، ويسود الحب والنماء، وما ذلك على الله بعزيز.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى يَرْعَوي الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في الإعلام والمدينة؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ابتليت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ …