الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | الإصــــــلاح بين الناس

الإصــــــلاح بين الناس

د. يوسف جمعة سلامة*

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.
جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة: [{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} أي لا خيرَ في كثير مما يُسِرّه القوم ويتناجون به في الخفاء {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} أي إلا نجوى مَنْ أَمَرَ بصدقةٍ ليعطيها سراً أو أَمَرَ بطاعة الله، قال الطبري: المعروف هو كل ما أَمَرَ الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، والإصلاح هو الإصلاح بين المُخْتَصمين {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} أي ومن يفعل ما أمر به من البرّ والمعروف والإصلاح طلباً لرضى الله تعالى لا لشيء من أغراض الدنيا {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} أي فسوف نُعطيه ثواباً جزيلاً هو الجنة].
إنّ إصلاح ذات البين من أفضل القُربات إلى الله سبحانه وتعالى، فالإصلاح عمل جليل وخُلُقٌ كريم يُحبّه الله ورسوله ، وديننا الإسلامي الحنيف يدعو دائماً إلى الإصلاح بين المتخاصمين، ويحرص على جمع شمل الأمة وإزالة الخلافات بين أفراد المجتمع، فبالإصلاح يتماسك المجتمع وتأتلف القلوب، وتجتمع الكلمة وَيُنْبَذُ الخلاف وَتُزرع المحبة والمودة، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ ، فَأُخْبرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بذَلِكَ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ»).
الإسلام يحثّ على إصلاح ذات البين
إِنّ إصلاح ذات البين خصلة كريمة وفضيلة عظيمة؛ لِمَا لها من دور كبير في وحدة الأمة وتماسكها وتعاضدها، حيث إنها من أهم المبادئ التي تُقَوّي الأخوّة بين المسلمين كما جاء في الحديث أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- قال: (مَا عُمِلَ شيٌ أفضلَ من الصَّلاةِ، وإصْلاح ذَاتِ الْبَيْنِ)، ومن المعلوم أنّ أفضل شيء في الإسلام هو الصلاة، ثم إصلاح ذات البين، ولنتأمل كيف قرن رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم– بين الصلاة وبين إصلاح ذات البين، وما ذلك إلا ليرفع من قدر إصلاح ذات البين حتى يتنافس الناس في هذا العمل الجليل؛ لذلك فقد حثّ القرآن الكريم على وجوب الإصلاح بين المتخاصمين في آيات كثيرة، منها: قوله سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }، وقوله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وقوله سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقوله سبحانه وتعالى أيضا:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}.
كما حثَّت السُّنّة النبوية الشريفة على ذلك في مواضع كثيرة منها، قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَلا أُخْبرُكُمْ بأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ: الْحَالِقَةُ»، وقوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أيضاً: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا».
كما سار الصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين – على نفس المنهج الإسلامي، فهذه وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- إلى أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – عندما ولاّه قضاء الكوفة: (…والصُّلْح جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ إِلاَّ صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً، أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً).
دَعْ للصّلحِ موضعاً
ورد في كتب السيرة والتاريخ أنّ رجلاً شتم أبا ذر الغفاري – رضي الله عنه – ، فقال له أبو ذر –رضي الله عنه-: (يا هذا، لا تستغرق في شتمنا وَدَعْ للصلح موضعاً، فإنّا لا نُـكَافِئُ مَنْ عَصَى الله فينا بأكثرَ مِنْ أنْ نُطيع الله فيه، فَهَدأَ الرجل وكَفَّ عن الشتم).
هذا الموقف يدل دلالة واضحة على حُسْنِ خُلُقِ المسلم في تعامله مع الآخرين، فهو لا يقابل الإساءة بالإساءة امتثالاً لقوله سبحانه وتعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم –: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)، فالمسلم ملتزم بهدي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
ونتيجة لهذا الموقف الكريم من الصحابي الجليل أبي ذرٍ- رضي الله عنه- هَدَأَ هذا الرجل الذي كان قبل لحظات يسبّ ويشتم، فَكَفَّ عن شتمه، وتحول الأمر من الحقد والبغضاء إلى المَحَبَّة والإخاء، وهذه حقيقة قرآنية كما قال تعالى: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
لقد تعلَّم الصحابة الكرام- رضي الله عنهم أجمعين- هذا الخُلُق الكريم من رسولنا- صلّى الله عليه وسلّم– الذي كان يُقابل السيئة بالحسنة، وكان يحلم على من جهل عليه، ويعفو عمَّن أساء إليه؛ لذلك علينا أن نسير على هذا النهج القويم، ونعامل الناس بلطف، بالكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة والقدوة الصالحة ، فالمؤمن ليس بطعّان ولا لَعّان ولا فاحش ولا بذيء.
كُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا
لقد أمر ديننا الإسلامي المسلمين بضرورة المحافظة على وحدتهم؛ لأنها سبيل عزَّتهم وقوتهم في الدنيا والآخرة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}، ثم نهاهم عن الخِصام والنِّزاع والفُرقة؛ لأنها سبيل الضَّعف والخَوَر والهَوَان، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، وجاء في الحديث الشريف قوله – صلّى الله عليه وسلّم -: (لا تَقَاطَعُوا وَلا تَدَابَرُوا وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ)، وقوله –عليه الصلاة والسلام-أيضا: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا).
لقد حصل مرة بعد وفاة الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- أن نشأت بين بعض الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- مشادَّة كلامية، سُمِعَ منها ارتفاع الصوت، فأخرجت أمّ المؤمنين أمّ سلمة -رضي الله عنها- يدها الطاهرة من الحجرة، وأخذت تقول لهم: إنّ نبيكم يكره التفرّق، ثم تلت عليهم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}، وتعني أنّ الخصام أساس الفرقة، والفرقة أساس البلاء، ولله دَرّ القائل:
كونوا جميعاً يا بَنِيَّ إذا اعتـــرى خَــــطْبٌ ولا تتفرقــــــوا أفرادا
تأبى العِصِيُّ إذا اجتمعنَ تَـكَسُّراً وإذا افتـــرقنَ تكسرتْ آحادا
هذا هو المجتمع الفاضل الذي ينشده الإسلام، مجتمع حبّ وَوُدٍّ، ومروءة وخير ، مجتمع متماسك البنيان، مُتَوَحّد الصفوف والأهداف، مجتمع بعيد عن الفرقة والخصام، كما قال تعالى : {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}.
فالمجتمع الإسلامي مجتمع مبنيٌ على الأخوّة والمحبة والتعاون، فالمسلم لا يعرف الحقد على أخيه المسلم، بل يحمل في قلبه كلّ وُدٍّ ومحبة وإخاء لجميع إخوانه في الدين والعقيدة، فهم كما وصفهم الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}.
هذه هي تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحثّنا على إصلاح ذات البين، فلا بُدَّ أن نسير على هديها؛ حتى نعيش عيشة طيبة وننجو من مشاكل الحياة، فَحَرِيٌّ بنا أن نعود إلى كتاب ربنا وَسُنّة نبينا –صلّى الله عليه وسلّم -، لنحافظ على وحدة مجتمعنا وسلامته من الشرور والأحقاد.
وصلّى الله على سيّدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

اليــوم العالمــي للغــة العــربيـة

د. يوسف جمعة سلامة*/ تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى اليوم العالمي للغة العربية، هذه …