الرئيسية | في رحاب الشريعة | السياسية الإصلاحية تصحيح الواقع وبناء المدنية المستقبلية

السياسية الإصلاحية تصحيح الواقع وبناء المدنية المستقبلية

الشيخ محمد مكركب أبران/

لقد أجمع علماء المسلمين ومفكروهم جميعا على القول الصحيح المروي عن الإمام مالك رحمه الله، {لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها} فقد تختلف الوسائل والظروف والطرائق، ولكن أمرين لايتغيران ولا يختلفان عبر كل مكان، وكل زمان، وهما: خصائص الإنسان، ومقاصده، فكل الناس إن أرادوا الإصلاح، إنما يقصدون المحافظة على خصائصهم الإنسانية، ولتحقيق مقاصدهم الحضارية.
وقدمت بهذه الحقائق للتنبيه على أنه عندما نضرب المثل بالمصلحين الحقيقيين في ماضي الزمان، الذين أثبت التاريخ نجاحهم وتفوقهم وصحة مناهجهم الإصلاحية، كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والملوك الموفقين كذي القرنين، والخلفاء الصالحين المصلحين، حتى لا يقول أحد المطلعين على هذا المقال، أن خطط ومناهج أولئك المصلحين كانت صالحة لزمانهم فقط، أما الآن فالكلام عنهم لا يفيد، والتذكير بهم لا يغني ولا يزيد. فأقول للسياسيين الحاكمين والشباب الطامحين المبادرين: انتبهوا فالخصائص الإنسانية هي، هي، عبر الزمان وفي كل مكان، والكون الذي نعيش فيه بسننه، هو، هو.فقد كان آدم وبنوه يسعون من أجل حفظ الصحة بتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتحقيق الأمن والاطمئنان، وإعداد وسائل الدفاع عن النفس والموطن. والمقاصد هي، هي، من أجل بناء المستقبلين الدنيوي والأخروي، فهم كانوا يطلبون العلم لأنه مفتاح ونور الحاضر والمستقبل، وهكذا سيظل الناس في الشرق والغرب. فكل قوم يسعون للتفوق في كل هذا على أعلى مستوى حضاري لبناء مدنية معاصرة ومستقبلية. قلت: إن الشيء الذي يختلف ويتغير هو الطريقة والوسلية، أما القيم والمبادئ والمناهج والأسس والنظريات الناجحة هي، هي. كما هو القرآن الذي نجح به من نجح في الماضي منذ عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإلى صلاح الدين رحمه الله، وإلى ابن باديس، وإلى ابن بولعيد، فالقرآن هو القرآن الصالح لكل زمان وكل مكان. وخذ على سبيل المثال: فإن مبدأ اختيار الحاكم العالم الزاهد العادل، هذا ثابت لايتغير لكل الأمم والأقوام، والأخوة الدينية والوحدة الوطنية مبدأ ثابت لايختلف فيه اثنان من أولي الأحلام، ومبدأ إلزام الناس بالإسلام والاحتكام إلى شريعة القرآن، مبدأ لايعارضه إلا السفهاء من أراذل الأقوام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (البقرة:130)
قال أهل العلم والعقل والفكر الذين يقولون عن الحق، أنه الحق، وعن الباطل أنه الباطل. قال كل عاقل سمع بسيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله،{إنه الخليفة الراشد الخامس، الذي أثبت عمليا بأن التغيير لايحتاج لسنين، وإنما يحتاج للرغبة والنية الصادقة} فما هي أسس المنهجية الإصلاحية التي انتهجها عمر بن عبد العزيز حتى نجح كل ذلك النجاح وشهد له غير المسلمين قبل المسلمين.؟
أولا: أنه بدأ الإصلاح والتغيير بنفسه وأهله: وهذا الأساس صعب على النفوس المتشبثة بالدنيا، بدأ بالزهد الإيجابي الإيماني. لأنه يؤمن بقول الله تعالى.﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ويؤمن بأن الإيمان بالقرآن لايتم أبدا حتي يتم العمل بأحكامه، ففي كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي:{عن الليث قال: ولما ولي عمر بدأ بلحمته وأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم، وسَمّى أموالهم مظالم،…وقال فرات بن السائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك، وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها، لم ير مثله: اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد، قالت: لا بل أختارك عليه وعلى أضعافه} (ص:174) قال عطاء بن أبي رباح: {حدثت فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه وهو في مصلاه تسيل دموعه، فقالت: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أسودها وأحمرها؛ فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي يسالني عنهم يوم القيامة، فخشيت ألا تثبت لي حجة؛ فبكيت.} (تاريخ الخلفاء:176). فكان رحمه الله يكفيه ما يكفي أي فرد من رعيته، ولم يكن يتميز عنهم بدينار ولا بلباس ولا بمسكن. إنه عمر العادل، كجده عمر بن الخطاب العادل، لأنهم كانوا مسلمين حقا وصدقا، طلقوا حب الدنيا والدينار، وأحبوا العزيز الغفار، فسألوه الجنة واستعاذوا به من النار. وكان رحمه الله يعتبر الهدية للحكام وولاتهم رشوة، وكان يقول: ما انا إلا واحد من المسلمين.
ثانيا: أسس مجلس الشورى من العلماء الفقهاء: وكان المجلس الشوري لدى عمر بن عبد العزيز، عندما كان واليا على المدينة، قلت: عندما كان واليا من سنة (87هجرية). قبل أن يكون خليفة. كان مجلسه الشوري مؤلفا من عشرة فقهاء من التابعين. وهم:{عروة بن الزبير بن العوام، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، وأبو أيوب سليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر. وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت.} بهؤلاء بفضل الله تعالى، حول مجتمع المدينة إلى ما كانت عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم،. ولما ولي الخلافة سنة 99 للهجرة، ظل معه مجلس من عشرة فقهاء من المجتهدين الصلحاء في عصرة، فاستطاع في أقل من سنتين أن يحقق إصلاحا يشهد له به كل العلماء، بل كل الرعية، لأن مجلس الشورى كان من عشرة من العلماء المخلصين المتطوعين، ولم يكن له مئات المستشارين الموظفين للتأييد، المقيدين بالمرتبات العالية، والمنح والعلاوات والهدايا، والكثير من فتات التبذير، كما يفعل الغرب، مع شراء الضمائر بالسيارات الفارهة، والفلات المنيفة، والحصانة، وعدم العمل.
ثالثا: الاهتمام بالصلاة والزكاة واعتبارهما أساس الإصلاح: كان على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهج الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كان يقول لولاته: علموا الناس الصلاة، ومروهم بها، فمن ضيعها كان لما دونها أضيع، وكان يأمر ولاته بالحرص على الزكاة، لأنه كان يعلم رحمه الله أن الصلاة عماد الدين، وأن الزكاة عماد الاقتصاد، فأية دولة اهتمت بالزكاة اهتماما حقيقيا استغنت عن الضرائب التي تؤلم الرعية، وتنفر الناس من القيام بالمشاريع الاستثمارية المفيدة. وهذا إذا كان ولي أمر المسلمين صالحا مصلحا، وكان يمنع السرقة والاختلاس والإسراف والتبذير، ويبعد المفسدين ويولي المصلحين.
رابعا: كان جهاده الداخلي في إقامة العدل: اشتهر عمر بن عبد العزيز رحمه الله كجده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بالعدل، ثم العدل، ثم العدل، حتى صار يُضرب المثلُ بعدله، وحكمه بالقسط، فيقولون: عَدَلَ الخليفةُ عمر بن عبد العزيز، حتى صارت الذئاب ترعى مع الغنم، وتاب اللصوص وقطاع الطرق إلا بعض الخوارج.
خامسا: كان لايولي منصبا في الدولة إلا المخلصين الذين يؤدون الأمانات بحق: وكان يفضل أهل القرآن وهم أهل العلم، على ذوي القرابة، لأنه كان يفضل من يخدم الرعية بحق، وينصحه بحق، ولا يفضل من يمدحه ويُدَلِّسُ على الشعب.
سادسا: تنظيم بعثات الدعوة والتبليغ من الفقهاء، وفي وقتنا هذا، تخصص بعثات الدعوة والتبليغ، بتكليف العلماء وطلبة العلم الموهوبين في مختلف العلوم والسنن الطبيعية والفلك وغيره، داخل الوطن ليبحثوا في مجالات البحث العلمي .
سابعا: كان شديد الحرص على حفظ أموال المسلمين. رحم الله عمر بن عبد العزيز.

عن المحرر

شاهد أيضاً

التغاضي عن الصغائر من أسباب الوقــــوع في الكبائــــر

أ. محمد مكركب/   البحث في هذا الموضوع النفسي الدقيق والعميق، يخص سلبيات التغاضي والتغافل …