الرئيسية | ملف | ردّ فعل جمعيـة العلماء على قــرار التقســيم

ردّ فعل جمعيـة العلماء على قــرار التقســيم

إثر ثورة أفريل 1936مـ، وغيرها من الانتفاضات، التي قام بها الفلسطينيون كَــرَدِّ فعلٍ على التمكين للصهيونية من طرف الانجليز، أرسلت الحكومة البريطانية لجنةَ تحقيقٍ سنة 1937 م برئاسة اللّورد بيل، لتُقدّم توصيات في شأن الأحداث الأخيرة، وبعد أن نظرت هذه اللّجنة وفكّرت وقدّرت -ظلما وبهتانا – جعلت للصهاينة حقا في الأراضي التي بارك الله حولها، حيث أوصت باتّخاذ الحكومة البريطانية الخطوات اللازمة لإنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين؛ قسم يهودي وآخر عربي، هذا التقسيم الذي وصفه الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي قائلا: «قُسمت فلسطين بالتصويت وهو أضعف صدى، وعلى الأوراق وهو أنزر جَدًا، وبالأغلبية السّائرة على غير هدى».

لقد أصبح جليّا أنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائيين بَــنَتْ مفاهيمها ومواقفها من القضية الفلسطينية على أُسُسٍ عقدية، وأبعادٍ دينية استنبطتها من تاريخ صراع الأنبياء والمرسلين مع بني قومهم من بني إسرائيل، لأنّ فهم حقيقة تلك الثنائية المتصارعة هو المدخل الجوهري والأساسي لرسم خريطةٍ إرشاديةٍ للأمّة الإسلامية، تقودُها-هذه الخريطة-نحو التعامل مع سرطان الصهيونية في وقتنا المعاصر من ناحية الإدراك العقدي أوّلا، واتّخاذ الموقف ثانيا، ثمّ الإعداد ثالثا.
أ- من ناحية الإدراك العقدي
نجد أن الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي قد سطّر ذلك -عندما تكلّم عن قرار التقسيم-في قوله: «ما أشبه الصهيونيين بأوّلهم، في الاحتياط للحياة، أولئك لم يقنعوا بوعد الله فقالوا: {يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا} ، وهؤلاء لم يثقوا بوعد بلفور، حتى ضمنت لهم بريطانيا أن يكونوا في ظلّ حرابها، وتحت حماية مدافعها»، فاليهود هم اليهود عبر التاريخ، حيث شبّه الإبراهيمي حرص يهود بني صهيون على ميلاد كيانهم واحتياطهم لحياته، من خلال عدم ثقتهم بوعد بلفور، حتى تأكّدوا من ذلك بصدور قرار التقسيم، بِــبَني إسرائيل الذين قالوا لموسى-عليه السلام-لن ندخل الأرض التي وعدّتنا بها حرصا على حياتهم، وفي موضعٍ آخر وبفهمٍ أعمق، يتحدّى الإبراهيميّ التقسيمَ المادي -رغم بُعد المسافة الجغرافية- بروابطٍ روحية وإيمانية، ثمّ يُـحمّل الأمانةَ في عُنق كلّ مسلم جزائري، فإذا فـــــرّط الجزائريُّ في آداء الأمانة، فـــبسبب جند الطوْق من الفرنسيين، وعسكر الطريق من الأنجليزيين فيقول: «يا فلسطين.. على كلّ لسان مسلم جزائري في حقّك كلمة متردّدة؛ هي: فلسطين قطعة من وطني الإسلامي الكبير، قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصغير، وفي عُنق كلّ مسلم جزائري لكِ يا فلسطين حقّ واجب الأداء وذمام متأكّد الرّعاية، فإن فرّط في جنبك، أو أضاع بعض حقّك فما الذنب ذنبه، وإنّما هو ذنب الاستعمار الذي يحول بين المرء وأخيه، والمرء وداره، والمسلم وقبلته». ثمّ يُـــشير الإبراهيمي إلى مكانة فلسطين في الإسلام، قائلا: «إنّ فلسطين وديعة محمّد عندنا، وأمانة عمر في ذمّتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود ونحن عصبة إنّا إذا لخاسرون»، فبيّن مكانتها بداية من عهد النبوّة، حيث كانت قبلةً للمسلمين، وكونها مسرى الرّسول-صلّى الله عليه وسلّم-، فحصر تلك الفضائل في قوله: «وديعة محمّد عندنا»، ثمّ حصر جهود عمر بن الخطّاب في فتحها بقوله: «أمانة عمرٍ عندنا»، فهي بحقٍ عهدُ الإسلام في ذمّتنا، لا نرضى بما يفعله اليهود، وإلا حُكم علينا بالخسران.
ب – من ناحية الموقف
لقد اتخذت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، موقفها من قرار التقسيم، بناء على إدراكها العقدي لجوهر القضية الفلسطينية، فرفضُها لهذا القرار كان واضحا لا غبار عليه، حيث كتب أحمد توفيق المدني في نهاية جويلية 1937مـ: «أجمعت كلمة العرب في فلسطين، على رفض هذا المشروع الخاسر، وأجمعت كلمةُ العرب في العالم أجمع، على تأييد هذا الرفض الأبيّ، لأنه لا يوجد من يجري في دمائه دم العروبة الحارّ، ويرضى مثلَ هذه المذلّة،. ففلسطين التي اقتطعت أوّل مرة من بلاد سوريا، ثمّ نُكبت بالاستعمار الصهيوني، يريدون أن ينكبوها أخيرا بتقسيم آخر يمزّق أوصالها، ويجعل لليهود فيها دولة رسمية ذات استقلال تامّ»، كما ندّد الشيخ الطيب العقبي في جريدة البصائر بهذه الفِعلة الشنيعة بمقال ٍشديد اللّهجة افتتحه قائلا: «لبّيك لبّيك فلسطين، فما أنت لأهلك فقط، ولكنّك للعرب كلهم والمسلمين أجمعين»، فـــبّين العقبي ما للقضية الفلسطينية من بُعدٍ ديني وعربي، وأشادَ بالمجاهدين من أبناء فلسطين، ثمّ أشارَ إلى صدى قرار لجنة اللّورد بيل بين الدول الإسلامية، والعربية خصوصا، والعالم عموما، حيثّ كشف صراحة الذي كان خلف هذه الجريمة فقال: «إذا قلنا ما يطابق الواقع أراد الأنجليز العتاة البغاة تقديمها على مذبح مطامعهم، ومصالحهم الخاصّة، لقمة سائغة للآكلين وغنيمة باردة لشذّاذ العالم، ونفاية الأمم من الصهيونيين، كان هذا من انكلترا الظالمة وبموافقة جمعية قالوا عنها أنّها جمعية الأمم».


والمتتبّع لمواقف جمعية العلماء، يجدها جاءت تترى؛ إمّا على لسان أعضائها فرادى، أو باسم الجمعية، حيث دعا ابن باديس المسلمين قاطبة إلى مساندة فلسطين والدفاع عن حياضها المباركة، «ثمّ توجّه إلى وزارة الخارجية الفرنسية ببرقية مؤرّخة في أوت 1937مـ، رفع فيها احتجاجا شديد اللهجة باسم الشعب الجزائري المسلم ضدّ مشروع تقسيم فلسطين» ، وقد جاء هذا الاحتجاج باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومُوَقّعا باسم رئيسها بن باديس، ورغم التضييق الخانق الذي تشهده مساجد الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي، إلاّ أنّ أعضاء الجمعية لم يهملوا دورَ المسجد في توجيه وتنبيه العامّة من المصلين أثناء الدروس وخطبتي الجمعة، حيث أشار الشيخ أبو يعلى الزواوي في خطبة الجمعة يوم 16أكتوبر1938مـ، بمسجد سيدي رمضان بالعاصمة، إلى أحداث فلسطين، وقد دعا المصلين إلى المساهمة المادية لإعانة ضحايا الصهيونية، وحتى يطمئن الناسُ على صدقاتهم وتبرّعاتهم بيّن للمصلين أن اللجنة المكلّفة بجمع المال تحت رئاسة الشيخ الطيب العقبي، ثمّ ختم الشيخ أبو يعلى خطبته بأن الأنجليز كانوا ولا زالوا أعداء الإسلام والمسلمين وخاصة في فلسطين.
ج- من ناحية الإعداد:
بعد موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي بُــنِيَ على الفهم العقدي للقضية الفلسطينية، سَعتْ الجمعية إلى بذل ما في وسعها لأجل إنقاذ فلسطين؛ من جمعٍ للأموال، وتعبئةٍ للشعوب، لفائدة الجهاد في فلسطين الشهيدة هذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} .

سبَق وأن ذُكر أنّ جمعيّة العلماء كانت تعاني من مضايقات المستعمر الفرنسي، في نشاطها على مستوى الجزائر المحتلّة، فكيف سَيسْمح لها هذا العدوّ الغاشم بمُمارسة نشاطها خارج الجزائر، وخاصّة إذا كانت القضية شائكة كالإعداد للقضية الفلسطينية؟، يقول الشّيخ الإبراهيمي: «يسافر اليهود إلى فلسطين.. لأنهم فرنسيون بالاستلحاق على مذهب كريميو، ولا يستطيع العرب أن يجاوزوا الحدود لأنّهم مدجّنون والتدجين من لوازمه تشديد المراقبة وتغليظ المعاقبة»، لكنّ جمعية العلماء لم تفرّط في أدنى الواجب بداية من الدعوة إلى استعمال القوّة لنصرة الحقّ، فالحديد بالحديد يُفلح، يقول الأستاذ توفيق المدني: «.. تلك الحقيقة الثابتة هي أنّ الحقّ إذا لم يعتمد على القوّة المتينة، فهو الباطل، وأنّ الباطل المعتمد على القوّة المتينة هو الحقّ المبين،. إن أردتّ الحياة فكن قويا، وإنْ كنت ضعيفا فمآلك الموت والفناء»، فالعلاج الأسمى والحلّ الجذري لهذه النكبة هو إعداد القوّة، حيث يُضيف توفيق المدني قائلا: «.. إنكلترا لا تَرْهَب إلا القوّة، وهي في مواقفها الحاضرة أشدّ رهبةً من القوّة منها في أيّ وقتٍ آخر..»، وإلى نفس المعنى يدعو الإبراهيمي شعوبَ دول المشرق العربي قائلا: «وواجب شعوب المشرق أن تندفع كالسّيل وتُصبّح صهيونَ وأنصارَه بالويل، وأن تبذل لفلسطين كلّ ما تملك من أموالٍ وأقواتٍ»، ولكن هذه القوّة لابد لها من التخطيط قبل التنفيذ، لأنّ التخطيط من مقتضيات الإعداد، ولم تَغِبْ عن الإبراهيمي تلك الفكرة وهو القائل: «واجب الدول العربية التّصميم؛ التّصميم الذي لا يعرف الهوادة، والاعتزام الذي لا يلتقي بالهوينا، والحسْم الذي يقضي على التّردّد».
وتشهد جريدة البصائر الصادرة عن جمعية العلماء ولسان حالهم؛ أنّه تمّ تأسيس لجنةَ إغاثة فلسطين والدّفاع عنها بنادي التّرقي، بالجزائر العاصمة، بعد قرار لجنة بيل بأيّامٍ «بداية شهر أوت 1937م»، والغرض من تأسيس اللجنة هو الإعانة المادية للمجاهدين بفلسطين من جهة، والنضال السياسي من جهة أخرى، والمتمثّل في إصدار الاحتجاجات على مشروع لجنة اللّورد بيل، وهو عين الإعداد في مثل تلك الظروف.
وعشيّة الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني، يتحسّر الشيخ الإبراهيمي متسائلا عن علّة التفريط في الإعداد والإمداد، لأجل دحْر الصهيونية وحماتها، فيقول: «أعمال عرب فلسطين مقدّمة فأين الكتاب؟. وطليعةٌ فأين الكتائب؟. وواجبٌ فأين ما لا يتمّ الواجب إلاّ به؟، ما على عرب فلسطين من سبيلٍ، إنّما السبيل على العرب في مشارق الارض ومغاربها، حكومات وقادة وشعوب رجالا ونساء،.. فإذا لم يبادر العربُ بالاصطلام بادرهم ‘’الاستعمار’’ بالالتهام. هما خطتان: إمّا إسارٌ ومنّة، وإمّا دمٌ، والموت بالحرّ أجدر»، ثمّ يصدح صائحا «إنّ الواجب على العرب لفلسطين يتألّف من جزأين: المال، والرّجال».

عن المحرر

شاهد أيضاً

شخصيات عظيمـــــة فقدتهــــا الجــــــــــزائر في 2020م

فقدت الجزائر في عام 2020م شخصيات وقامات علمية فكرية وثقافية ناشطة في ساحات مختلفة، جلهم …