الرئيسية | ملف | موقف جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين من القضيّة الفلسطينيّة أثنـــاء الاحتــــلال الفـــرنــسيّ للجـزائـــر

موقف جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين من القضيّة الفلسطينيّة أثنـــاء الاحتــــلال الفـــرنــسيّ للجـزائـــر

لقد تمّ التّمهيد ليوم النّكبة المشؤوم، بعدّة اتّفاقياتٍ سرّيّةٍ وأخرى علنيّةٍ؛ منها السّياسية، والاقتصادية، وحتّى العلمية، بشهادة جملة من الوثائق المُرسلة من تيودور هرتزل وإليه، والتي منها رسالتُه إلى روتشيلد، المؤرّخة يوم 15 جوان 1895م، حيث كتب له قائلا:«لقد تركنا مفاوضينا الدبلوماسيين في أمريكا الجنوبية يُتمِّمُون معاهدات الإحتلال مع الدول هناك، لقد انتهت هذه المعاهدات الآن ونحن متأكّدون من البلاد التي سنحتلّها.. »، ورسالته إلى دوق روسيا المؤرّخة يوم 13أفريل1896م، حيث اهتمّ زعيم روسيا بمقترحات هرتزل، وما مقرّرات مؤتمر بازل بسويسرا الذي انعقد أيّام( 29-31) أوت 1897مـ، إلا نتيجة لتلك الجهود والمساعي، كما قام الأب الروحي للصهيونية بنشاطات اقتصادية، مع مَنْ شاركه في تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، المدعو ماكس نورداو، لأجل إنشاء بنك خاصّ بشراء الأراضي الفلسطينية، كما ورد في المراسلة المتبادلة بينهما، المؤرّخة يوم 11 ديسمبر 1897م، إضافة إلى كلّ ذلك الخيانات التي مارسها بعضُ ملوك العرب؛ كشريف مكة الذي راسل مكماهون يوم 09 سبتمبر 1915مـ قائلا له: «أرى من الضروري أن أُؤكّد لسعادتكم إخلاصنا نحو بريطانيا العظمى واعتقادنا بضرورة تفضيلها على الجميع في كلّ الشؤون وفي أيّ شكل وفي أيّة ظروف»، وهذا ما يُعبّر عنه بالمؤامرة الدّولية، و«المقصود بالمؤامرة الدولية على فلسطين؛ ذلك التوافق السرّي، وثمّ العلني، الذي تـمّ بين القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى من ناحية، والقادة الصهاينة في تلك الدول من ناحية ثانية، من أجل إيجاد حلّ لما يُسمّى بالمشكلة اليهودية، الناجمة عن عدم اندماج اليهود في مجتمعات البلدان، التي كانوا يعيشون في كنفها .. لرفضهم فكرة الاندماج.

 

أ/ العربي عيلان/

وبكلّ موضوعية، إذا تم تصوير التكالب الصهيوني على فلسطين بماسح ضوئي، نجد أنّ المنطلقات والغايات عقدية صرفة؛ وهذا ما عبّر عنه بيان مجلس الحاخامات الأعلى لمنظمة اجودات اسرائيل العالمية، عن سياسته حول فلسطين وممّا ورد فيه: «إنّ أرضنا المقدّسة قد مُنحت لنا من قِـــبل سَيّد العالم، عن طريق ميثاق أبدي، لكي تمارس في هذه الارض قوانين وتعاليم التوراة، ولكي تحيا في روح التوراة، وهكذا يرتبط الشعب اليهودي إلى الأبد بهذه الارض، بكلّ خلجات نفسه».

وفي خِضّم تلك الأحداث، ومع مطلع القرن العشرين ظهرت عدة حركات وشخصيات عربية مسلمة تدافع عن الأراضي المباركة،.. ولعلّ أوّلها على مستوى الجزائر المحتلّة، هو الصّحفي عمر راسم، قال عبدالله الركيبي: «وأظنّ أنّ أوّل كاتب جزائريّ تفطّن إلى خطر الصهيونية.. هو عمر راسم»، حيث كتب في جريدة «ذو الفقار» يوم 28 يوليو1914م: «أنّ التفاهم مع الصهيونية مستحيل؛ لأنّ في ذلك اعترافا بهم وبزعامتهم، والبلاد المقدّسة اشتراها آباءُ العرب بدمائهم»، والمتــــتــبّع لما نشره الشيخ عبد الحميد بن باديس قبل وبعد تأسيس جمعية العلماء يتّضح له جليا أنّ الرّجل كان يدري جيّدا ما تخطّط له أقبية الصهيونية العالمية حيث «انتبه الشيخ ابن باديس مبكرا لأبعاد وحقيقة المؤامرة الدولية، التي كانت تحاك في مخابر الدوائر الاستعمارية الغربية، بزعامة بريطانيا وبالتحالف مع الحركة الصهيونية ضدّ الشعبَ الفلسطيني».
1.موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من القضية الفلسطينية قبل 14 ماي 1948م:
1.1. اهتمام جمعية العلماء بالقضية الفلسطينية.
إنّ مشروعَ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي دعا إليه علماؤها، جاء تجسيدا للالتزامات العقدية والتاريخية، التي مرّت بها الأمة الجزائرية خاصّة، والإسلامية عامّة، خلال القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين للميلاد ومن منطلق الانتماء الحضاري اهتمّت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقضية الفلسطينية، بداية من اهتمام رئيسها ابن باديس قبل تأسيس الجمعية سنة 1931م، عبر جريدة الشهاب، حيث جاء في مقال نشرته هذه الأخيرة في شهر ذي القعدة 1349ه الموافق لـ أفريل 1930مـ، بمناسبة زيارة الوفد العربي إلى فلسطين: «غادر بلاد فلسطين الوفدُ العربيّ الذي سيحلّ بلندن بعد أيّام، ليتولّى هنالك النضال عن قضيّة فلسطين البائسة، التي أردتها سياسة الصهيونيين، والتي سقطت ضحية بين مخالب الذين لا يرحمون ضعيفا، ولا يجيرون مستغيثا»، حيث كانت تهتم الشهاب بنشر كلّ الأخبار القادمة من أرض النبوّات، فبعد منشورها السابق الذي صدر في شهر ذي القعدة 1349ه، نشرت في شهر صفر من نفس السنة خبرا مفاده أنّ «المندوب السامي بفلسطين أعدم ثلاثة مسلمين فلسطينيين».
وفي العدد الموالي الذي صدر في شهر ربيع الأوّل، نشرت الشهاب: تاريخ الإعدام وأسماء الذين تُــوّجوا بوسام الشهادة، في مقال بعنوان:(شهداء فلسطين الدامية)، الذي جاء فيه «فكان يوم 21 محرّم تتويج الجهاد الوطني الفلسطيني، بتاج التضحية والاستشهاد..»، ثمّ تفصّل الشهابُ في مجريات إعدام هؤلاء الشباب بتهمة المشاركة في حركات الدّفاع ضدّ هجمات بني صهيون، فتذكر أسماءهم على التوالي: «فؤاد حجازي، عطا الزّير، محمد جمجوم،. طلب جمجوم والــــــزّيـــــر حنّاءً لكي يخضّبا أيديهما كما يفعل الناس هنالك ليلة الزفاف»، فكانت الشهاب بحق تهتم بكل شاردة وواردة تخصّ وتخدم القضية الفلسطينية.
وهكذا فإنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بقدر نضالها الإصلاحي والعلمي والتربوي، وحتى السياسي بالجزائر المحتلّة، ورغم جنود المنْع من الفرنسيين فإنّها أيضا تتابع مأساة قضيتها العقدية، بأولى القبلتين وثالث الحرمين، يقول عبد الله الركيبي:
«ولم يتوقّف الكتّابُ الجزائريون عن التعريف بقضية فلسطين… بل ازدادت بعد أن تأسّست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931مـ، وأصبحت لها جريدة رسمية تعبّر عن أفكارها الإصلاحية»، وأوّل ما صدر عن الجمعية رسميا بعد تأسيسها واستوائها على سوقها، ما كتبته مجلّة الشهاب في غرّة رجب 1350ه الموافق لـ نوفمبر 1931م، في عمود بعنوان: «فلسطين»، جاء فيه: «لايزال الخلاف الإسلامي اليهودي على حاله ولاتزال القضية السياسية مبسوطة على ميدان البحث،… وهل من المعقول أن تستقبل بلاد العرب المشمولة بالانتداب، عهدا جديدا وتبقى فلسطين وحدها، غير مستقرّة على قرار متين»، ولم تنس الجريدة الباديسية إعلانها عن مكان وزمان انعقاد المؤتمر الإسلامي، الذي دُعيت إليه الجزائر، ولبّتْ النداء، مع بقية الدول العربية والإسلامية، فأعلنت الشهاب: أنّ «المجلس الإسلامي الأعلى جادّ في تهيئة المؤتمر الإسلامي العام الأكبر، الذي سينعقد ليلة الاسراء بالقدس الشريف، وسيشارك فيه نوّاب العالم الإسلامي بأسره»، وفعلا قد كان من ضمن المشاركين الجزائريين، الشيخ إبراهيم طفيّش، ورغم أنّ سلطات الاحتلال الفرنسي نفته إلى مصر سنة 1923مـ، فأبى إلا أن يمثّل الجزائر في المؤتمر الإسلامي بفلسطين، وذلك انطلاقا من قناعته العقدية، ثمّ نظرا للقواسم المشتركة التي تربطه بعلماء بلده آنذاك، وبأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كإبراهيم بيّوض وبن باديس؛ فالاهتمام بأمر المسلمين واجبٌ مقدّس، وخاصة إذا كان الأمر يتعلّق بمسرى سيّد الخلق صلى الله عليه وسلم، فسعى الشيخ طفيّش بذمّة إخوانه العلماء الذين حبسَهم الطوقُ الفرنسي، وكان ممّا قاله في بداية كلمته بالمؤتمر: {أنا هنا أمثّل الجزائر}، هذا وقد تطرّق الأستاذ الفلسطيني: إبراهيم أبو شقرا إلى مُـمــثّـــلي مختلف الدول في فصل من فصول دراسة علمية حول المفتي «أمين الحسيني»؛ وبعد أن ذكر أبرز الشخصيات الإسلامية التي حضرت من مختلف الدول قال:«وإبراهيم طفيّش من علماء الجزائر».
ولعلّ ما ميّز اعتناء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقضية الفلسطينية، بعد الاهتمام بها هو التعريف بالقضية وسط الجماهير، وقرّآء الشهاب والبصائر، حيث كانت سببا مباشرا في تعاطف كثير من الشخصيات السياسية، والعلمية والتفافهم حول قضيتهم المصيرية، وما تلك التنديدات والاحتجاجات والقرارات الصادرة عن حزب الشعب بداية من سنة 1937م، الذي يرأسه مصالي الحاج، إلا تأثّر بمواقف جمعية العلماء، وما تلك القصائد التي طرّزها فطاحل ُالشعراء إلا تأثر بمواقف الجمعية، كالشاعر محمد العيد آل خليفة الذي ساند إخوانه الفلسطنيين، بقصيدة بمناسبة ثورتهم على الطاعون الإنجليزي سنة 1936م، حيث قال
بني «التايمز» قد جرتم كثيرافهل لكم عن الجور ازدجار
أفي أسواقكم نصب وغصبتسوم (القبلةَ) الأولى التّجار
اخال (القبلة) انسجرت دماءكما للبحر باللّجج انسجار
ونظرا لتلك المواقف، «بدأ يهود الجزائر يكشفون عن تعاطفهم وتجاوبهم مع الصهيونية، وأدّى ذلك إلى أنّه لم تعد هناك فروق بين هؤلاء اليهود في الجزائر واليهود الصهاينة في فلسطين» ؛ ومن نتائج ذلك التعاطف والتجاوب على سبيل المثال لا الحصر ما فعله يهود الجزائر بقسنطينة، في شهر أوت 1934مـ، ثمّ اعتداؤهم على الشيخ عبد الحميد بن باديس، ومدير جريدة الشهاب الأستاذ أحمد بوشمال، انتصارا للصهيونية العالمية التي فرنسا طرفٌ في تغذيتها، وقد كان لهذه الأحداث ردّ فعلٍ من الدول العربية، وأبناء «فلسطين الشهيدة»، فجمعوا التبرّعات لأهل قسنطينة المنكوبين في هذه الفتنة، وقام بإرسالها الأستاذ «محمّد أمين الحسيني».. وكان شيكا بخمسين جنيها استرلينيا وخمس شلنات، وتمّ تحويل المبلغ عن طريق بنك في لندن إلى الجزائر.. فاستفادت منه حوالي 53 عائلة قسنطينية
هذا وإن دلّ على شيء إنّما يدلّ على روح التآزر والتكاتف والتعاون المتبادلة بين الفلسطينيين والجزائريين، بسبب أنّ عدوّهم واحد من جهة، ومن جهة ثانية وفاء للقواسم المشتركة الرابطة بين الشعبين من دين ولغة، ولذلك نجد أنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، طلبت ترخيصا من أجل فتح اكتتاب لصالح مسلمي فلسطين، كما ورد في تقرير الأمن الولائي لقسنطينة رقم 2237 المؤرّخ في 30 ماي 1936مـ، وبما أنّ سلطات الاحتلال الفرنسي لم توافق على الترخيص المطلوب، عقدت جمعية العلماء اجتماعا يوم 19 جوان 1936مـ، للنظر في إمكانية إنشاء لجنة لجمع التبرعات الموجّهة إلى عرب فلسطين، كما ينصّ التقرير رقم 2609 الصادر عن رئيس أمن ولاية قسنطينة آنذاك.
ولمّا نطّلع على جريدة البصائر ابتداء من أعدادها الأولى، نجدها غنيّة بمواقف جمعية العلماء إزاء القضية الفلسطينية من خلال المقال الأسبوعي «أخبار العالم الإسلامي»، أو غيره من المقالات المندّدة، بما تفعله عصا البطش الصهيوني بريطانيا، وشقيقتها في العداء لفلسطين فرنسا .

عن المحرر

شاهد أيضاً

شخصيات عظيمـــــة فقدتهــــا الجــــــــــزائر في 2020م

فقدت الجزائر في عام 2020م شخصيات وقامات علمية فكرية وثقافية ناشطة في ساحات مختلفة، جلهم …