الرئيسية | الحـــق الـمر | نهايــة تاريــخ…

نهايــة تاريــخ…

يكتبه د. محمّد قماري/

صباح الخميس الماضي التقيت بأحد الأصدقاء، وقلت له: إن ما حدث البارحة في الكونغرس الأمريكي هو نهاية تاريخ!
نظر إليَّ نظرة المستغرب، وقال وما دخل نظرية (نهاية التاريخ) في حوادث الأمس، وراح يحدثني حديثا عامًا عن الكاتب الأمريكي (فوكوياما)، وكأني به يصحح لي استعمالي للمصطلح في غير موضعه، وبعد ان انتهى من مرافعته الطويلة، ذكرته أنني لم أشر إلى نهاية التاريخ عند الكاتب الأمريكي من أصول آسيوية (فرنسيس فوكوياما)، أنا أحدثك عن (نهاية تاريخ)…
لقد أخرج فوكوياما كتابه بعد ذلك السقوط الرمزي للمعسكر الشرقي الشيوعي، فذات يوم من شهر نوفمبر 1989 تهاوت الفؤوس وبعدها الجرافات لتزيل جدار برلين، والحقيقة أن الفكر الشيوعي كان تآكل وفقد مبررات وجوده عبر سنوات طويلة، وجاء فوكوياما ليبشر بأن النموذج الرأسمالي الغربي هو (الرسالة الخاتمة)، ومع على العالم كله إلا المشي تحت لوائها، وأن ذلك النموذج هو أرقى ما تصبو البشرية لتحقيقه…
وفوكوياما مع رفيقه هنتنغتون كانوا في ذلك الوقت يمهدون الطريق لما أتى من بعد ذلك من أحداث، فالحضارة الغالبة والتي انتصرت بمنطق (البقاء للأقوى) من حقها أن تفرض منطقها، وتقضي على كل ما يقلقها حاضرا ومستقبلاً، لأنها الحضارة المنتصرة، والحضارة الأصلح للبشرية بما حققته من انجازات في سبيل رفاه الإنسان.
وما مصطلح (العولمة) في تجلياته الكبرى إلا تعبير عن (إضفاء الشرعية) على حكومة العالم، وهي الفكر الغربي بما يحمله من مضامين مضمرة وصريحة، ومن حقنا بعد مضي ثلاثة عقود أن نسأل: ماذا قدمت تلك الحكومة للعالم؟ وماهي القيم الثابتة ومبررات وجودها في الاستمرار؟
من أجل ذلك لابد أن نرصد ما حدث في الأربعاء الماضي في الكونغرس الأمريكي ضمن هذا المنظور التاريخي، وذلك لأهمية الزمان والمكان والملابسات التاريخية، فمن حيث الزمان نجد أنفسنا في شهر جانفي، وهو مناسبة ظلت لعهد طويل تتكرر كل أربع سنوات، ولقرابة قرنين، للاحتفال بتسلم الرئيس الأمريكي المنتخب لعهدته الرئاسية، ومن حيث المكان نحن في قلب الإمبراطورية الغربية الكبرى دون منازع، أما الملابسات التاريخية فأهمها تضعضع أحد أركان المنظومة الغربيّة ممثلة في الديمقراطية…
صحيح أن الغرب لم يعرف الأوبئة في صورتها الموسعة قبل كورونا منذ قرن من الزمن، فآخر عهد القوم بالوباء الموسع كان سنة 1919 مع (الأنفلونزا الاسبانية)، لكن الغرب عمومًا لم يعرف ردة عن الديمقراطية أو احترابا على الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها منذ أزيد من قرن ونصف، وكل ما شذ عن هذه القاعدة فهو لا يعني الديمقراطيات الكبرى فيه…
ولعل هذا هو الذي ساقني لأصف ما حدث يوم الأربعاء 06 جانفي 2020 بواشنطن بأنه (نهاية تاريخ) وأقصد به تصدع عملي في نظرية (نهاية التاريخ)، وهذا الانطباع حملته وكالات الأنباء من كل العواصم الغربية الكبرى، وجاء في يومه على لسان الرئيس الامريكي المنتخب جو بيدن، حيث قال: ماهي الرسالة التي نبعث بها إلى العالم وهو يشاهد ما حدث؟
والمراقب الحصيف يعرف نظائر لتلك التصدعات، ظهرت في سلوك الرئيس بوش الابن ووزير دفاعه ديك تشيني في العراق وفي أفغانستان، لكنها حوادث كانت بعيدة عن قلب الامبراطورية، فيمكن اختزالها في سعي الامبراطورية لتأديب المارقين عن منطق (نهاية التاريخ)، أما استباحة مكاتب مجلس النواب ومجلس الشيوخ في واشنطن، واتلاف بعض ما في البناية، وكل ذلك يحدث من أجل رفض نتائج انتخابات، فذلك هو التصدع الخطير!
إن العهدة الرئاسية وسنواتها الأربع التي تربع فيها ترامب على رأس الادارة الأمريكية أربكت العالم كله، فالسياسة هي فن الممكن، والممكن في السياسة لا يقتضي الاستعانة بمنطق القوة حيث تغني قوة المنطق، والفرنسيون في أمثالهم يقولون: (لا يجب كسر الأبواب المفتوحة)، غير أن منطق عهدة ترامب أزال تلك الثوابت البديهية…
ومتى فقدت السياسة جانبها الخفي، وبعض أدواتها الناعمة، تحولت إلى حلبة صراع، فإذا سارت الامبراطورية في ذلك المسلك، كان المشهد أقرب إلى (حلبة جلد) للضعفاء، يغري كل شذاذ الأفاق بتقليده، ويزرع أحقادا مضمرة في النفوس…
إن العالم بعد تلك السنوات الكالحة في حاجة إلى هدنة، تستعيد فيها البشرية أنفاسها مع بداية العقد الثالث من الألفية الثالثة، فتداعيات وباء كورونا قد تستغرق وقتا طويلاً، والبؤر المشتعلة يجب أن تخمد، وليس في صالح البشرية أن يحدث انهيار مريع أو افلاس سريع لحضارتها المعاصرة، كما ليس في صالح الامبراطورية أن تكون برأس قوي وأطراف هزيلة…
ولابد للانتباه أكثر لما حدث، وقراءته القراءة السليمة، بوصفه صدعا في بناء الحضارة، وجرس إنذار مدوي لما آلت إليه بعض وظائفها الحيّوية، وهو دون شك نذير شؤم على البشرية جميعًا إذا لم تتدارك أمورها…

عن المحرر

شاهد أيضاً

طريـــق الخـــــــــلود…

يكتبه د. محمّد قماري/ منذ بدء الخلق وجدت نزعة الخلود في هذا الكائن البشري، وفي …