الرئيسية | قضايا و آراء | ورد الحيـــــاة ..

ورد الحيـــــاة ..

مداني حديبي/

من أصعب الأوراد على الإطلاق ورد الحياة شيب النبي صلى الله عليه وسلم.. شيبتني هود وأخواتها..
واتهم الصحابة أنفسهم بالنفاق حينما لم يستطيعوا أن يثبتوا عليه.. فقال أحدهم: نافق حنضلة.. ووافقه أبو بكر الصديق بقوله: إني لأجد مثل ما تجد..
هذا الورد العظيم ليس قيام الليل، لأن قيام الليل سهل ميسر يمكنك أن تصلي ركعتين من الليل فأنت قد قمته.. ولا صلاة الفجر ولا بقية الصلوات المفروضة ونوافلها.. كل هذه لا تستغرق ساعتين من يومك إذا أطلت تلاوتك وركوعك وسجودك.. وليس هو صيام الاثنين والخميس فأمهاتنا الفاضلات اللاتي لم يدرسن في جامعة ولا ثانوية يتقن هذا الأمر في غاية السهولة.. ولا ورد التلاوة فما أكثر من يختمون القرآن مرات وكرات.. ولا ورد المطالعة فما أكثر مشاريع المطالعة الواعية والمثمرة..
وأحسن من عبر عن ورد الحياة ذاك الصحابي حنضلة الأسلمي الذي قال: نكون عند رسول الله يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين .. فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والضيعات ونسينا كثيرا.. فهو يتهم نفسه بالنفاق والتناقض لأنه لم يتمسك بورد الحياة بشكل دائم وجاد..
صحيح أنه يقوم ويصلي ويصوم ويحضر مجالس النبوة الدفاقة لكنه سرعان ما ينغمس في الدنيويات وتخبو تلك الشعلة اللاهبة المقدسة وتكاد تتلاشى..
فورد الحياة أن تظل تذكر الله في كل أعمالك وأوقاتك وأحوالك..أن تكون حياتك لله.. سفرك وحركاتك ووظيفتك ومعاملاتك وعلاقاتك وتصرفاتك وليس لحظات التعبد فقط.. لهذا قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}.
هي حالة من الصفاء والقرب والمراقبة والشهود لا يثبت عليها إلا ثلة من أهل الهمم القمم..
ليس معنى هذا أن تجلس بعيدا في برج عاجي أو عزلة صوفية بعيدا عن الناس والأحداث والمتغيرات فهذه لا تحتاج إلى جهد كبير.. بل أن تعيش في الصخب الداوي والأحداث المتلاحقة والعمل المتواصل وحركة الحياة وقلبك موصول بالله.. فأنت لله وبالله ومع الله.
وليس معنى هذا أنك لا تخطئ ولا تذنب ولا تتعثر.. بل تصنع من تلك الحجارة التي تعثرت بها صرحا للوصول إلى أعلى القمم.
ورد الحياة أن تعيش مع أهلك وأولادك مبتسما صديقا متصابيا محبا مرحا طيبا…
ورد الحياة أن تكون في وظيفتك متقنا بشوشا رساليا..
ورد الحياة أن تكون مع أقاربك قريبا وصولا صبورا…
ورد الحياة أن تكون مع أحبابك وفيا مضحيا صادقا..
ورد الحياة أن تكون للسانك ماسكا عن الغيبة والنميمة والبهتان..
ورد الحياة أن تكون في علاقاتك كلها حكيما متغافلا متغابيا.
والخليفة عمر الفقيه فهم ورد الحياة مبكرا حينما قال للذي جاء يشهد لذلك الرجل بالصلاح… قال له:هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال: لا… قال له: هل سافرت معه؟ قال:لا.. قال: هل أنت جاره الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال:لا..
قال له: لعلك رأيته يتمتم ويهمهم ويصلي ويركع بالمسجد.. فاذهب فأنت لا تعرفه..
فالمقياس الحقيقي هو ورد الحياة والمعايشة والمعاملة..
ابتداء من الأسرة الصغيرة .. خيركم خيركم لأهله..إلى صناعة الحياة وصياغتها وتحريكها..
وصناعة الموت والشهادة ليست هي الغاية الصعبة كما كنت تتصور بل كيف تعيش في سبيل الله حياتك وسنواتك وأعمالك ونياتك وخطواتك..
فالحياة في سبيل الله أسمى أمانينا.. وما أصعب هذا المرتقى السامق الذي لا يثبت عليه إلا أصحاب النفس النفيس الطويل.
لهذا قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: «لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة في فرشكم وطرقكم ولكن ساعة وساعة.. قالها ثلاثا».
فالاستمرار على ورد الحياة معناه مصاحبة الملائكة والأنوار والأسرار.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لغـــة الضــــاد لغـــــة كــل العصــــور

د/عاشور توامة/ لغة الضاد اللسان العربي المبين الذي نزل به آي الذكر الحكيم، إنها لسان …