الرئيسية | اتجاهات | كلمات في السنـــــــة النبويـــــــــة

كلمات في السنـــــــة النبويـــــــــة

عبد العزيز كحيل/

ألم تلاحظوا كيف اشتد هجوم «التنويريين» في المدة الأخيرة على السنة النبوية وتركيزهم على شيطنة البخاري والطعن في صحيحه والمطالبة بإلقائه في القمامة؟ إنه جزء من مخططهم الجهنمي في ضرب الإسلام في صميمه، يبدؤون بالسنة وعينُهم على القرآن الكريم، وأي طعن في السنة هو طعن مباشر في القرآن وفي الإسلام.
* تعريفات: في فهم السنة: يطلق لفظ السنة على عدة معان:
– قد تكون السنة في مقابل الفرض، فيُقصد بها النافلة.
– قد تكون في مقابل القرآن، فيُقصد بها الحديث النبوي.
– قد تكون في مقابل البدعة، فيُقصد بها الأصل أي ما يجب التمسك به في أمور الدين.
– قد تكون بمعنى السيرة النبوية وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته.
إذا هناك تفصيل كبير في أنواع السنة بيّنه العلماء المختصون، ولا يمكن فهم السنة إلا بالإطلاع على التفاصيل.
هذا من جهة التعريف، من جهة أخرى هناك موضوع غاية في الأهمية في هذا السياق تؤدي الغفلة عنه إلى عواقب وخيمة في الفهم والتصوّر وبالتالي في الممارسة والتطبيق، ألا وهو التمييز بين السنة التشريعية وغير التشريعية، فالأصل أن ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وحي منزّل لكن باستقراء النصوص والأحوال النبوية نجده يتصرف كمبلغ عن الله لكن أيضا كقائد ينظم شؤون المجتمع في السلم والحرب وكقاض يحكم بين الناس (من غير وحي) وكإنسان عادي، وتكون السنة تشريعا للناس عندما تصدر عنه كنبي، وهذا ما قاله العلماء المختصون من قديم، على رأسهم ابن دقيق العيد والقرافي وابن القيم ثم محمد الطاهر بن عاشور وغيرهم، وهذا يعني أن هناك من السنة ما هو ملزم وهناك ما ليس ملزما، يدور بين المستحب والمباح، محكوم بتغير الزمان والمكان والحال.
* مرجعيتنا: القرآن والسنة هما مرجعية المسلمين الكبرى، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، وإنكار السنة إنكار ضمني للقرآن لأن السنة هي الدليل العملي للمسلمين لحسن تطبيق الإسلام، ومن افتقد الدليل دخل في الضلال، والمقصود بالسنة إذا ليس ثياب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بعض الأشكال المعينة بل هي منهجه في التعامل مع الله ومع الناس في جميع الأحوال والمجالات، حين يسنّ سنة معينة فهو يدلنا على أحسن طريقة لإرضاء الله ولحسن التعامل مع الغير في السياسة والجوار والتجارة والمصاهرة والحياة الأسرية والسلم والحرب والرضا والغضب وشؤون الحياة الدنيا بالإضافة إلى العقيدة والعبادة والأخلاق.
* أين نجد سنته؟ نجدها في أحاديثه القولية والفعلية والتقريرية التي جمعها العلماء المتخصصون بطريقة علمية هي أقرب إلى العلوم الدقيقة، نجدها في موطأ مالك وكتب الصحاح مثل الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجة، لكن خاصة وبالدرجة الأولى في صحيحي البخاري ومسلم، وللبخاري الصدارة من غير شك، فهو أصح كتاب ديني بعد كتاب الله تعالى، حتى قال بعض العلماء إنه يمكن للإنسان أن يقسم بالله غير حانث أن أحاديث البخاري ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو محل ثقة كاملة من الأمة طوال القرون، لذلك امتدت إليه الأيدي الآثمة لأنه يمثل السنة وهدمُه يعني هدمها،، وهدم السنة يعني هدم القرآن، وذلك ما يسعون إليه، يكتبون، ويظهرون في الفضائيات، ويجادلون بالباطل…ونشهد حاليا حملة غير مسبوقة لشيطنة البخاري بزعم أنه أفسد الدين…هذا كلام العرب المتصهينين وبعض السذج من أتباعهم ممن يسمون أنفسهم تنويريين من جهة وقرآنيين من الجهة الأخرى.
* الهجوم على السنة النبوية: شيطنة الإمام البخاري وصحيحه سبقته حملة واسعة لشيطنة قدوات الأمة من علماء ودعاة ومصلحين، فلم ينجُ الأفغاني ومحمد عبد عبده والأمير عبد القادر وابن باديس وحسن البناء والمودودي والغزالي والقرضاوي وأمثالهم، ليأتي الدور بعد ذلك على الصحابة، فقد ركز غلاة العلمانيين ومن يسمون أنفسهم قرآنيين على رمي أبي هريرة بالكذب وعمرو بن العاص بالنفاق وعائشة بالخداع وباقي الصحابة باختلاق الأحاديث لأغراض سياسية!!! أي لم يبق هناك لا سنة ولا قدوة ولا إسلام…وقد وصلوا أخيرا وكما كان منتظرا إلى الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم، وبدأ عملاء التطبيع المتصهينين في الخليج باتهامه بظلم اليهود… هكذا يريدون نقض عرى الإسلام عروة عروة، يستخدمون المنافقين و«العلماء» من أمثال سعيد جاب الخير وأحمد صبحي منصور وبعض مرتزقة الجامع الأزهر بل وحتى إعلاميين ومسترجلات لا علاقة لهم بالدين، يُفسح لهم مجال الفضائيات والجرائد ويوتيوب ليبثوا سمومهم، هذا بالإضافة إلى الموقف السلبي للشيعة من السنة النبوية الصحيحة وانفرادهم بسنة أخرى اختلقوها اختلاقا بعيدا عن أي منهج علمي.
لمّا أعجزهم الإسلام عسكريا وسياسيا انتهوا إلى ضربه بهذه الطرق والتي تجد آذانا صاغية في هذا الزمن الذي سيطرت فيه العلمانية وتراجع التديّن وأسفر الإلحاد عن وجهه في ديارنا.
والتخلي عن البخاري خطوة أولى للتخلي عن السنة ثم عن الإسلام كله، أو يحدث هذا ونحن أحياء؟ ليس للإسلام دولة تحميه ولكن له أتباع يتخلون عن أرواحهم ولا يفرطون فيه.
• ضياع السنة؟: ضاعت السنة بين أصحاب سوء القصد وأصحاب سوء الفهم، أولئك أنكروها وهؤلاء قزموها وحصروها في اللباس والأشكال بينما هي منهج متكامل للحياة، إننا نتمسك بالسنة، نرفض استبعادها وتقزيمها، ننتصر للبخاري، …كيف هذا؟ ليس بالتنظير فحسب ولكن بالالتزام الواعي العملي بالهدي النبوي الكريم، المحطة الأولى هي الفهم كما فهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه أمور الدنيا والآخرة، ثم العبادة الخالصة الكثيرة لله بالليل والنهار، فرائض، نوافل، ذكر، ثم – وخاصة – اتقان فن معاملة الناس، والبداية بالقلب السليم النقي من الحقد والبغض والكراهية والقسوة والنفاق، وهذا يقود إلى السلوك الرفيع مع الغير كما كان صلى الله عليه وسلم: لسان نظيف ليس فيه فحش ولا غيبة ولا لعن ولا اتهام للمسلمين ولا سخرية منهم، لسان لا يخرج منه إلا الحق والكلام العذب الحلو الممتع، ثم جوار حسن مع الناس حتى ولو لم يكونوا مسلمين ما داموا مسالمين، جوار كله أخوة ومودة واحترام وتقدير وتعاون، ثم معاملات تلتزم السماحة مع الأهل والجيران والزملاء والأقارب والأباعد، صدق في البيع والشراء والزواج وأمور السياسة والمال، ثم إيجابية في التعامل مع المجتمع، إيجابية تدفع إلى المشاركة في مشروعات الخير من تنظيف المسجد والحي إلى مجال التنمية…هذا هو التمسك بالسنة: عقل ذكي وقلب نقي وسلوك إيجابي قويم…أما اللباس واللحية والسواك فهي أولا مسائل هينة وليست مقياسا للتديّن، ثم هي إما عادات مجتمعية عربية (لباس الرسول هو نفسه لباس أهل الجزيرة قاطبة)، أو هي من سنن العادة لا من سنن العبادة، وغير قليل من العلماء – على رأسهم الشافعية – يرون أن اللحية من هذا القبيل، وإما السواك فهو تطهير الفم وتنظيفه، هذا هو المقصد أما الوسيلة فمتغيرة، كان عود الأراك هو المتاح في البيئة العربية وخلفه الآن معجون الأسنان، فنحن نعمل بالمقصد أما الوسيلة فليست تعبدية، ما هو المقصد يا ترى؟ الجهاد أم السيف؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

هــــذا هــو البيـــت السعيـــد

عبد العزيز كحيل/ عند المسلمين الملتزمين بدينهم ليس البيت مجرد مأوى يتلاقى فيه أفراده للطعام …