الرئيسية | على بصيرة | تســــاؤلات مــواطـــن حائــر في واقــع الجزائــر

تســــاؤلات مــواطـــن حائــر في واقــع الجزائــر

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

إنها تساؤلات، نسجت من علامات الاستفهام والتعجب، التي يفرزها الواقع الجزائري اليوم، هذا الواقع الذي هو أشبه ما يكون بغابة الأدغال، أو بماء السراب.
لذلك، دب اليأس إلى قلوب الشباب، وإلى عقول الشيوخ داخل المحراب..
فسدّت في وجوه الجميع النوافذ والأبواب.
ويتساءل المواطن الجزائري، في ظل هذه الطلاسم، السائدة، متى تنكشف الغمة، وتنقشع الظلمة، وينجلي صبح الأمة؟

لقد جثم على صدر الجميع، وباء الجائحة، الخطير، فشتت شمل الأسرة الواحدة، وباعد بين أفراد جماعة المصلين الرائدة، وقزّم اجتماع الأفراح والمآتم، فعم الحزن الجميع، من ذوي التمائم، إلى أصحاب العمائم.
فما هذا الواقع الأليم، الذي يجمع بين الأمر والنقيض، والصحيح والمريض، والطويل والعريض، والعميل والمريد، والذكي والبليد؟
إن الحيرة الكبرى تكمن، في أن لا أحد يملك الإجابة عن هذه التساؤلات في ظل الغموض الطلسمي، والسجال الملحمي.
ويستوي في هذه الحيرة، الإيماني والعلماني، والمتشكك والبرهاني، والمتوحش والإنساني، والعبقري والمتواني، والقاصي والداني.
إن الخوف كل الخوف، هو أن تصبح الجزائر مفتوحة على كل الاحتمالات، مواجهة لكل التهديدات، لأن المعركة الدائرة، هي معركة إثبات الهوية والوجود، وتحصين الوطن ضد أوبئة الحدود.
فالأغراب بالباب، جاءوا حاملين كل الآفات، ومزودين بكل السموم والإشاعات، من حدود مالي، والنيجر، مرورا بليبيا، ووصولا إلى «الكركرات».
ولو أن ذات سوار لطمتني! ولكن تعالوا وانظروا، فلول الأعداء بمن جاءتني! وما كان لأي طامع أن يهددني، أو يرهبني، لولا أنه وجد في ذاتيتي ما يشجعه، وفي تركيبتي، ما يؤهلني.
استضعفونا فوصفونا، وعرفونا فاستذلونا، فنحن بتخاذلنا، وتشرذمنا، وتواطئنا، من قدم لهم الطُّعْمَ ليصطادونا، والحلم ليتجرأوا علينا فيطاردونا.
فقد جاءونا بالعدو الحاقد، والتخابر الراصد، والإعلام الفاسد، والمغامر البائد، ولكن وجدوا لدينا القابلية للإشاعة، والإرادة المضعضعة الملتاعة، والمروجين فينا لسوء البضاعة، والفاقدين للحصانة والمناعة.
ففي جزائر المليون شهيد، تسود البلبلة الفاقدة للأساس، والإشاعة العديمة للوعي والإحساس، والصمت الإعلامي المحيّر لكل الناس، والتأزم الاقتصادي والاجتماعي الذي وصل إلى حد الإفلاس.
إن هذه الأعراض التي تطبع الواقع الوطني في كل تجلياته؛ سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا وثقافيا، وأخلاقيا، هي التي مكنت للهشاشة فينا، وفتحت شهية الطامعين للقفز على آمالنا وأمانينا.
فنحن نعاني أزمة قانون وعدل، ومحنة اقتصاد، وسوء شغل، وضحالة فهم، ومحنة عنف وقتل، وللأسف ذلك ما يطفو على سطح الظاهر، ولا يعكس البتة الباطن الداخر.
والحقيقة هي أن أزمتنا ليست أزمة اقتصاد ولا أزمة كساد، وإنما هي أزمة قياد إنها أزمة سيادة، وحكمة إرادة، وتعدد قيادة، وبلبلة إعلام وإفادة.
لم نعد نفرق في ظل هذا التأزم بين الخطأ والصواب، وبين المفسدين وأولي الألباب، وبين البانين الحقيقيين، والعاملين على زرع الخراب، ضاقت بنا السبل، وأعيتنا الحيل، فباءت كل جهودنا ومساعينا بالفشل.
ونتساءل، جميعا، في حسرة وبلاهة، ما الذي أوصلنا إلى هذه المتاهة؟ وكيف أعوزتنا الحكمة والنباهة، فوصلنا إلى هذه السفاهة؟
من نصدق، ومن نكذب؟ فالذي كان بالأمس طاهرا ماهرا، أصبح اليوم في عين العدالة والإعلام خاسرا فاجرا، ومن كان يعتبر خائنا أو عميلا، أضحى، بقدره قادر، قائدا جليلا، ومرشدا نبيلا.
تالله لقد حيرتنا هذه الطلاسم، وأعادتنا إلى عصر السذاجة، وذهنية البهائم، أمن قلة نعاني هذه المضحكات المبكيات، والمهلكات المفسدات؟
معاذ الله!
فالجزائر كما يشهد بذلك المنصفون في التاريخ والمتميزون من الشماريخ، بلد المعجزات بشباب غدا مثلا للعبقرية والعلم في كل القارات، وبعلماء ضربوا المثل في بث منهجية الصلاح والإصلاحات، وبمجاهدين دوخوا، الأعداء، بشحذ العزائم والإرادات.
فكيف تسللت إلينا هذه المتناقضات؟ وكيف طمعت فينا المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة؟ وكيف كدنا نتحول إلى غثاء السيل، نُسام الخسف والويل وتكال بضاعتنا بسوء الكيل؟
نحن جميعا مسؤولون عما أصابنا، وما وقعنا فيه من تردٍّ، ونحن جميعا، لم نجد الأنجع من التصدي لمواجهة التحدي.
مطلوب منا جميعا أن نعيد النظر في منهجية نظامنا وتنظيمنا، وأن نضع المعايير، والموازين القسط، لتحمل المسؤولية، وحسن سياسة الرعية، والابتعاد عن التشرذم والغثائية.
إن ما يؤلمنا –حقا- هو أننا سائرون في نفق نظلم، ولم نع ما هو مفسد ومؤلم، مطلوب إعادة تنظيم هياكلنا السياسية، بحسن اختيار المعايير التي تؤهل لتحمل المسؤولية.
ومطلوب منا، أيضا، إعادة تعميق منظومتنا التربوية والعلمية، بتطعيمها بلقاح المواد الدينية والأخلاقية.
مدعوون إلى إعادة بناء المنظومة الإعلامية، على أسس فنّ استقاء الأخبار، وإشاعة الدعوة إلى الحوار، والتحكم في فلسفة الامتياز والإشهار..
حذار فإن الوطن قد أثخنته الجراح، وهو يئن من وطأة ما أصابه من النبال والأتراح.
إن الجميع يتساءلون: متى الخروج من المحنة؟ وكيف نعالج هذه المحن، وهذه الإحن بما يمكن تجاوز الفتن، ما ظهر منها وما بطن؟
فإن لم ننهض من كبوتنا، ونتجاوز سقطتنا، ونعالج عثرتنا، فإن الأفق سيبقى مسدودا، وإن المستقبل، سيظل مرصودا، وتلك هي الخيانة للشهداء، واللعنة للأوفياء، والهزيمة للمصلحين والصلحاء.. ويا لشماتة الأعداء!

عن المحرر

شاهد أيضاً

خطــاب إلـــى صديقــي الـمثقف الـمغربي «س»

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين /   اعتذر إليك، يا صديقي …