الرئيسية | المرأة و الأسرة | الإنجـــــاز لا يتأتى إلا لمن تحلــــوا بالامــــــتياز

الإنجـــــاز لا يتأتى إلا لمن تحلــــوا بالامــــــتياز

أ. أمال السائحي /

الإنسان بلا طموح ولا أمل ولا عمل ولا إنجاز ليس إلا رقما من الأرقام الصماء، مثله مثل أي قطعة من الأثاث أو قطعة أثرية. والكثير من البشر عمروا هذه الأرض حتى جاوزوا المائة من العمر، وحصدوا أرقاما قياسية في كونهم أطول الناس عمرا في وقتهم أو بلدهم، لكن ليس لهم إنجاز يذكر، ولا يعرف الواحد منهم إلا أنه عمّر طويلا، وعمره ليس بيده ولا من سعيه وكده. ويوجد من تجده في الأربعين من عمره أو أقل من ذلك، بحيث كان إنجازه شاهدا عليه في أرجاء المعمورة…
يقول الدكتور عبد الكريم بكار في كتابه الذي عنوانه: (أفق أخضر للنجاح والانجاز): «حينما نتحدث عن مسألة الانضباط الذاتي فإن قسما من الناس يعتقدون أننا نتحدث عن شيء يتصل بمعاقبة الذات أو تقييدها أو تجاهل حقوقها، وبعضهم ينظر إلى الانضباط الذاتي على أنه نوع من الحرفية أو الجمود أو التكلس أو النقص في المرونة… وهذا كله غير دقيق، ولا يعبر عن جوهر المصطلح، إذن ما الذي نريده منه وما أهمية اكتساب هذا المعنى في حياتنا الشخصية، إن التدين الحق يرسم صورة زاهية وبليغة للانضباط الذاتي، إنه يجعل المسلم يقوم بالكثير من الأشياء ويكف أيضا عن الكثير من الأمور في المنشط والمكره والرخاء والشدة بطيب نفس، وإن تطبيق السنة في حياة المسلم يعني يقظة الوعي نحو التفاصيل، والقدرة على السيطرة على الأهواء والرغبات، ولكن مشكلة الكثير من الملتزمين، أنهم لم يستطيعوا تعميم هذا المعنى على حركتهم اليومية، كثيرا ما يجدون أنفسهم بعيدين عن الانجاز العملي وعن المثابرة على أداء العمل الشاق، وهذا ما أدى بالطبع إلى انخفاض إنتاجية الإنسان المسلم على نحو مخيف..».
الانضباط الذاتي مع ما نصبو إليه من أفكار وقيم، سواء أتعلق ذلك بحياتنا ككل، أو ما ننجزه من إبداع وأفكار وتخطيط للمستقبل، أو إلى أبنائنا وما نطمح له نحن وهم من العيش الكريم، في ظل هذا العالم المملوء بالتناقضات، أو ممن حولنا فهي تكون على شكل تسطير أهداف على المدى القصير والبعيد، ومراعاة مواطن الضعف والقوة، وتأجيل ما يجب أن يؤجل، وتقديم ما يجب أن يقدم.. وإن تربية أبنائنا على كل ما ذكرنا آنفا، قد يمنح لهم في المستقبل العديد من الأمور تتجلى في هذه النقاط:
1- تعليمهم أنهم ملزمون بالقيام بالواجب وتأدية الأمر:﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[البقرة: 195].
2- شعورهم برضا النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر؛ نتيجة وضوح الرؤية عندهم فيما يطمحون إليه مستقبلا.
3- إرساء فكرة تفوقهم هو خدمة لهم ولوطنهم ونهضة الأمم.
4- الوعي بحقيقة الحياة، وطبيعة الإِعْمار، ومقومات الاستخلاف.
5- اهتمامهم وانشغالهم بمعالي الأمور وفضائلها، والانصراف والابتعاد عن رديء الأعمال وسَفْسافها.
6- تعزيز التفكير الإيجابي لديهم والطُّموح التفاؤلي، بالقدرة والتمكُّن من التطوير والتطور في مجالات عدة .
7- فتح نوافذ وآفاق، وتربية عقول ونفوس الناشئة على الإبداع والاختراع والابتكار في كل المجالات وعلى جميع الأصعدة.
هذا ما نحتاج إليه اليوم مع أبنائنا آباء وأمهات المستقبل، عند إحساسهم بعظم المسؤولية الملقاة عليهم، وزرع استشعار المراقبة واستحضار المشاهدة من الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التوبة: 105].
بذلك نسهم في تكوين إنسان على درجة عالية من الانضباط الأخلاقي، والوعي بمسئوليته قبل دينه، وثقافته، ووطنه الصغير، ووطنه الكبير، وأمته الإسلامية، والعالم الإنساني أجمع.
إن مفتاح خلاص الأمة مما هي فيه اليوم، كامن في عقولنا وما تحمله نفوسنا لإدراك ما يحمل الغد من معارك والبحث في سبل تربيتنا لأبنائنا، ومدى وعينا، ويشهد لذلك أقوال رئيس وزراء سنغافورة سابقاً (لي كوان يو – Lee Kuan Yuw) : (اصنعوا الإنسان قبل أي شيء، أمنوا المرافق والخدمات ثم اجعلوه يستخدمها بطريقة حضارية ونظيفة، وأعيروا تفاصيل الحياة اليومية كل الاهتمام). (الدول تبدأ بالتعليم، وهذا ما بدأت فـيه عندما استلمت الحكم فـي دولة فقيرة جدا، اهتممت بالاقتصاد أكثر من السياسة، وبالتعليم أكثر من نظام الحكم، فبنيت المدارس، والجامعات، وأرسلت الشباب إلى الخارج للتعلم، ومن ثم الاستفادة من دراساتهم لتطوير الداخل السنغافوري). (لقد جعلت سنغافورة خضراء، ونظيفة، على الرغم من ضيق المساحة التي لا تتعدى الـ 600 كلم مربع، فشجعت على نشر محلات الزهور بدل المساحات الخضراء الشاسعة مثل ما هي فـي شنغهاي). (لا أعتقد أن طريق الديمقراطية تؤدي إلى التنمية، بل أرى أن البلد يحتاج إلى النظام أكثر من حاجته إلى الديمقراطية).
فكل أقوال هذا الرجل الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لسنغفورة، التي كانت عبارة عن جزيرة آسيوية صغيرة، معدومة الإمكانيات، محدودة المساحة، إلى دولة يصل فيها الدخل السنوي للمواطن إلى: ثلاثين ألف دولار، تشير كلها إلى أن البلدان تحتاج لكي تنهض من كبوتها إلى الانضباط وتقديم الاقتصاد على السياسة، والاهتمام بالتعليم والتركيز عليه، أكثر من نظام الحكم ذاته…

عن المحرر

شاهد أيضاً

لـمــــاذا ينتحـــر البعــــض وما دورنا نحـــــن؟

يجب أن نعي جميعاً وندرك أن الانتحار أمرٌ خطير، خطير خطورة الخلود فى نار جهنم …