الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيت المقدس عاصمـــــــة التحـــــول الحضــــــاري (12) سيدنا زكريا… النبي الشهيد ووصاية بيت المقدس

بيت المقدس عاصمـــــــة التحـــــول الحضــــــاري (12) سيدنا زكريا… النبي الشهيد ووصاية بيت المقدس

د.كدير مراد/

بعد وفاة سيدنا سليمان عليه السلام انشطرت مملكته بفعل الانقسام السياسي ودخلت ساكنة بيت المقدس عهدا جديدا تسميه المصادر التاريخية عهد الملوك، وقد تميز هذا العهد بالتقهقر القيمي الأخلاقي والضعف الفكري العلمي والانحراف الديني العقدي وبما أن بيت المقدس هي أمانة الله يستأمنها الصالحين من عباده ليحققوا إفراد العبودية لله والاستخلاف في الأرض وعمارة الكون، فإن ابتعاد الدولة والمجتمع والفرد عن تحقيق هذه الغايات الوجودية يعرض تلك الدولة والمجتمع والفرد للزوال والاندثار وبل الاستبدال ونزع أمانة ولاية المقدسات ومنها المسجد الأقصى المبارك.
لم تكن حاضرة بيت المقدس ملكية بشرية تنتقل فيها الملكية عبر المسار الإثني العرقي بل عبر التشريف الاستئماني الرباني للفرد والمجتمع المحقق للعبودية لله حتى يتأهل لحملة أمانة الاستخلاف في الأرض من خلال عاصمة القيادة والريادة والسيادة بيت المقدس ولذلك فإن الأعراق لا تدوم في بيت الله المقدس إلا بدوام تحقيقها للغايات الحضارية الكبرى المكلفة بها وكذلك هذه الأرضة المقدسة وبيت الله المقدس لا تقبل إلا طاهرا فهي تتطهر من الدنس بحد ذاتها.
لم تشذ بني اسرائيل على جبلتها الإفسادية وطبيعتها المفسدة فكما أن تحقيق العبودية لله ترتقي عبر مستويات الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة والبشرية وتحتاج لنقاط تحول كبيرة للانتقال من مستوى لاخر فتحتاج للزواج الصالح للانتقال من الفرد إلى الأسرة والمؤسسات الإصلاحية الاجتماعية للانتقال من صلاح الأسرة إلى صلاح المجتمع وإلى القادة والمؤسسات السياسية المتدافعة مع الغزاة والغلاة والطغاة للعبور نحو تمكين الفكرة في الدولة وإلى استعادة المقدسات وحسن ولايتها ووصايتها للانتقال من الدولة القطرية إلى أمة القيادة والشهود فإن فساد الأمة وضياع بوصلتها الحضارية سيقود إلى زوال السيادة والقيادة وسقوط الدولة مالم تكن هناك إصلاحات تمنع السقوط وإلا سيبقى المرض ينخر الدولة حتى ينعكس ذلك على المجتمع والأسرة والفرد نزولا فتتدحرج الأمة راجعة من قيادة البشرية إلى العودة لبناء الفرد وإعادة تأهيل الإنسان من أجل دورة جديدة.
لقد بعث الله سيدنا زكرياء في وضع اجتماعي وسياسي ودولي مختلف في القرن الأول قبل الميلاد، مرحلة شهدت سيطرة الدولة الرومانية الوثنية على بيت المقدس وعلى العالم كوريثة للدولة الاغريقية اليونانية الهيلينية انتقلت القيادة لحملة مشروع الفساد في الأرض بعد جهود الاصلاح والتجديد الفكري التي قام بها مفكرو وفلاسفة اثينا وروما فسيطر الرومان على عاصمة قيادة العالم بيت المقدس ونشروا معتقداتهم الفاسدة الوثنية بعد ذلك. أتت السيادة الرومانية العالمية الافسادية البعيدة عن الله سبحانه وتعالى لتعلمنا أن السنن الاجتماعية الدائرية المتجددة لا تحابى أحدا خاصة بعد عقاب الله –عزوجل – للأمة المستخلفة على بيت المقدس بعد وفاة سيدنا سليمان وتمكن الفساد في الأمة والدولة الوالية لبيت المقدس، زالت الدولة بعد الغزو الأشوري والبابلي وفرض الله السبي على بني اسرائيل المفسدين الذين اثروا الانتقال من صف الخلفاء في الأرض المستأمنين عليها إلى حملة مشروع الفساد في الأرض «أتجعل فيها من يفسد فيها».
بعث الله سيدنا زكريا نبيا مصلحا وقائدا مجددا لوضع قاعدة بناء حضارة إسلامية جديدة في دورة جديدة وجب فيها إعادة تأهيل الفرد وإعطاء الفرصة الأخيرة المستخلفة من أبناء سيدنا يعقوب من العاصمة التي استأمن الله عليها سيدنا ابراهيم وذريته عليها لإمامة البشرية إمامة تقترن فيها الإمامة النبوية العقدية الدينية الروحية والإمامة السياسية والاجتماعية، بعث الله فردا من آل يعقوب ليعطي فرصة جديدة لهذا الفرع من الذرية الابراهيمية لقيادة العالم قيادة تحرير للبشرية من عبودية العباد الى عبودية الواحد الأحد خالق العباد ومن الظلم والقهر الذي تفرضه الأديان والأفكار البشرية الوضعية إلى عدل وسماحة ورحمة التشريع الرباني ومن ضيق الدنيا الى النهضة والعمران والشهود.
لقد سعى سيدنا زكريا إلى تحقيق العبودية لله على مستوى ذاته لتأهيلها لحمل الرسالة الربانية فكان خير العبد المحقق للعبودية لله الولي على حماية المسجد الأقصى المبارك وخدمة بيت الله المقدس، (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ). لقد كان سيدنا زكريا خادما للمسجد الأقصى المبارك محافظا على طبيعته المسجدية عبر محرابه الذي لطالما دعى منه الله عزوجل لتثبيته على مهمة إصلاح المجتمع المقدسي الفاسد المتبع للشهوات،المحتل من طرف السيادة الرومانية الوثنية الفارضة لقيم الفساد وعقيدة عبادة الموجودات.
لقد كان سيدنا زكريا يرى أن مرحلة الشهود الحضاري للإسلام في دورة جديدة تحرر المجتمع المقدسي المؤمن من الافكار الفاسدة والسلطة الفاسدة والحضارة الفاسدة تنطلق من تأهيل الفرد وحسن بناء الانسان وتخليصه من الفساد الاخلاقي القيمي والفساد العقدي الذي كان يسيطر على ساكنة بيت المقدس والمترسخ عبر عقود من الإفساد ومحاولات الربيين والحاخامات تحريف التوراة المنزلة على سيدنا موسى والحاملة للشريعة المسددة للفرد المسيرة للمجتمع الحاكمة للحياة المشرعة لها. وقد كانت مهمة سيدنا زكريا تنطلق من محراب المسجد الأقصى المبارك الذي ساهم فساد بني اسرائيل في تسليط الأعداء لمحوه من الوجود لما له من إشعاع ديني وأخلاقي وقيمي.
لقد سعى سيدنا زكريا على الكسب الحلال من خلال حرفة النجارة مبرزا وجوب عمارة الأرض وحسن التعامل مع الموجودات بالتسخير والتعمير لا بالعبادة والتوقير بأن تحقق تلك الموجودات غاية عمران الإنسان للأرض بتسخير تلك الثروات الطبيعية لما ينفع الأمة ويساهم في رفع الضيق عنها وتحسين الحياة اليومية لها.
وكما قد ذكرنا في هذه السلسلة أن الاخراج الحضاري للبشرية الذي هو الوظيفة الحضارية للإسلام يجب أن يتدرج من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة إلى الأمة إلى البشرية فإن سيدنا زكريا سعى لإصلاح مجتمعه عبر حمله رسالة الإمامة الروحية الدينية النبوة كان سيدنا زكريا مرجعا حقيقيا في مجتمعه للإفتاء والنصح والإصلاح لتعليم المجتمع دينه وشريعته وأحكام الله –عزوجل – فانتقل سيدنا زكريا من صلاح الفرد وتحقيقه العبودية لله إلى الإصلاح المجتمعي الذي تتجاذبه الروح الفسادية المترسخة عبر الأجداد المتخلين عن أمانة الاسلام والتوحيد والأفكار الرومانية الجديدة الوثنية التي تفرضها السيادة السياسية. (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).
لم يقفز سيدنا زكريا من مستوى الفرد إلى مستوى المجتمع رغم أنه لم يكن يملك الولد إلى حد هذا السن المتقدم بل سعى لصلاح زوجه والحفاظ عليها رغم أنها لم تكن تعطيه الولد بل لم يتوقف عند ذلك بل كان الأب المربي لخادمة بيت المقدس سيدة نساء الجنة مريم عليها السلام. لقد نذرت أخت زوجة سيدنا زكريا وامرأة عمران ما في بطنها لخدمة المسجد الأقصى المبارك لما له من الأهمية العقدية الدينية التي لم تكن وليدة اللحظة بل كانت موروثا ايمانيا حضاريا انتقلت ولايته ووصايته منذ سيدنا ادم وسيدنا ابراهيم إلى أن وصل لسيدنا زكريا وكان من الأصلح أن يكفل الوصي على المسجد الأقصى المبارك البنت التي ولدتها امرأة عمران بعد أن كانت تطمح أن يكون ولدا.
لقد أحسن سيدنا زكريا كفالة وتربية خادمة بيت المقدس مريم عليها السلام والتي سيبشرها الله بنبي الله عيسى آخر فرصة لبني اسرائيل لحملة أمانة الشهود الحضاري من بيت المقدس وصعود السلم الحضاري لإطلاق دورة جديدة يتغلب فيها الاسلام على الفساد، فخص سيدنا زكريا لخادمة بيت المقدس مريم مكانا ومحرابا في المسجد الأقصى تعبد فيه الله عزوجل وتؤهل ذاتها لحملة أمانة أن تكون الطاهرة الشريفة أم النبي عيسى عليه السلام وقد خصها الله من فضله فكان يدخل سيدنا زكريا عليها المحراب ويرى مما أفاض الله عليها من الرزق اذ يقول تعالى (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
لم يستطع سيدنا زكريا الاصلاح في مجتمع طغت عليه الأهواء رغم صلاح جزء منه وإصلاحه وقد تقدم السن بسيدنا زكريا لكن الوظيفة الاصلاحية الرسالية التي كانت جغرافيتها بيت المقدس ومنطلق إشعاعها مؤسسة المسجد الأقصى المبارك ومحرابه المنير لم تصل نحو الغاية وسط مجتمع طبع عليه الفساد وزادت عليه الالة السياسية الرومانية فسادا فوق فساده فأحزنه عدم وجود الوريث القائد المصلح المكمل لرسالة التوحيد فسأل الله تعالى (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).
لقد رزق الله سيدنا زكريا استجابة لدعواه ولدا سيدا نبيا وأسماه الله عزوجل يحيى وكان خير الوريث العالم العابد المصلح لمجتمعه إلى حين استشهاده (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) لم يتوقف بنو اسرائيل عند قتلهم لسيدنا يحيى قرة عين سيدنا زكريا والأمل الرباني للإخراج الحضاري والتمهيد لعودة التوحيد للقيادة العالمية للبشرية بل كان سيدنا زكريا على كبر سنه مستهدفا بالقتل، وقد خصه الله –عزوجل – بالشهادة في بيت المقدس فكان النبي المصلح الشهيد وسيد شهداء بيت المقدس….
يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة سراج ومعراج (19)/ بيت المقدس عاصمـــــــة التحــــــــول الحضــــــاري (10) سيدنا داود… بيت المقدس عاصمة دولة الشهود الحضاري

د.كدير مراد / تدرج سيدنا داوود من جندي في جيش طالوت إلى قائد مؤسس للدولة …