الرئيسية | في رحاب الشريعة | الاستشارة والاستئذان قيمتـــان عظيمتــان من قيــم الإيمــان

الاستشارة والاستئذان قيمتـــان عظيمتــان من قيــم الإيمــان

أ. محمد مكركب/

من بين عوامل الوقاية والتحصين في بناء شخصية الأولاد: أن نؤدبهم على القيم الإيمانية، ومنها: قيمتا الاستشارة والاستئذان. والاستشارة طلب الرأي الصائب من أهل العلم أو أهل الخبرة والتجربة، وبداية باستشارة أولي الأمر في الكبيرة والصغيرة فيما يخص المستجدات، فالصغير يستشير الكبير، والعامل يستشير صاحب العمل، والجندي يستشير القائد والأمير، والحاكم يستشير أهل العلم والخبرة والتخصص، والعالم يستشير من هو أعلم منه في المسالة وهكذا، فالشورى من قيم التكامل الإنساني بين العقلاء. والاستئذان: طلب الإذن قبل الدخول إلى غير المكان الخاص بالإنسان، أو لتناول شيء من غير ملكه، أو الاستئذان من أجل تصرف يقتضي العلم لتحمل المسئولية، والاستئذان والاستشارة قيمتان من أعظم القيم الإيمانية.
وتربية الأولاد على خلق الاستئذان والاستشارة من أجل تحصينهم وحفظهم من التهور، والمغامرة، والغرور، والانتكاس. حيث يجب أن يتدرب الفتى والفتاة على الرزانة والتأني والتبين، وعلى توقير الكبير، وعدم اتخاذ القرار دون استئذان أهل الخبرة، ومن باب أولى أن يستأذن ويستشير الولد والديه، فهم أول من يحبون له الخير، ومن يخلصون له النصيحة، وهم من سبقوه بالتجربة، وهم من إذا رضوا عنه دعوا له بالخير دعاؤهم مستجاب. ومن الحكم. {ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد}.
فمن مبادئ التربية الصحيحة جعل الولد بإذن الله تعالى مؤمنا حق الإيمان بأن تفوقه ونجاحه، وكل مصالحه ستتحقق بحول الله وقوته إذا عمل بأحكام القرآن، ومن ذلك العمل بالقيم والحِكَم التي وردت في الكتاب. ومنها: الاستئذان والشورى. وأن يعلم علم اليقين بأن الالتزام بهاتين القيمتين هو في صالحه، حيث الاستشارة طلب علم ضروري للإقدام على عمل يتوقف النجاح فيه على الرأي السديد، والتوجيه الرشيد، والنصح المفيد، فالمسترشد الذي يستشير الوالدين، أو إخوته من رحمه، والمستعين بالعلماء وأهل الخبرة، ويطلب الرأي العلمي الصالح، ممن يخلص له النصح، فهو كراكب سفينة آمنة بقيادة ربان ماهر، وأما الْمُقْدِمُ على مبادرة بغير تَبَيُّنٍ ولا استشارة، فهو كمن يرمي بنفسه في البحر وهو لا يفقه السباحة في النهر، وهذا ما يقع للحراقة والمغامرين الذين يسقطون في أيدي العصابات اللصوصية ومروجي المخدرات، من الفتيان والفتيات، من الذين يبدؤون بالتدخين ونقل الأخبار، ثم توصيل الممنوعات، ثم يذوقون المال الحرام، ثم تُعْمى البصيرة، ويدخلون في ركب الشياطين.
لقد بَيَّنَا في مقال سابق أن الولد ذكرا كان أم أنثى إذا سكتنا عن بداية أخطائه أو تساهلنا معه، واعتبرنا سلوكه الخاطئ صغيرة لا شأن لها فسيتطور فيه ذلك السلوك الانحرافي ويتمادى فيه إلى أن يصير انحرافا حقيقيا مقصودا، وإذا بلغ الانحراف مبلغ العادة يكون من الصعب تقويمه.
خذ هذا المثل من سلوك هذه الفتاة، التلميذة (س) كانت في الابتدائي ذات سيرة عادية، إلا أنها لما بلغت السابعة من عمرها لم يأمرها أهلها بالصلاة، و في السنة الخامسة بدأت تذهب مع بنات الجيران إلى بيوتهم، وعندما تعود البنت من المدرسة متأخرة تكتفي الأم بقولها: أين كنت؟ والجواب ذهبت مع صديقتي فلانة، آه بنت جارتنا؟ نعم. وغدا، وبعد غد، بدأت البنت تتخذ قرار الذهاب مع أي صديقة دون أن تستشير أمها، وأمها لا تطالبها بذلك، ولا تحاسبها، ولا تقول لها: إن تغيير وجهتك من المدرسة إلى البيت، وتذهبين إلى مكان آخر، خطأ كبير، وها هي العواقب الوخيمة، والحسرات الأليمة، لو فعلت هذا، وتحصنها بقانون تحصين المتلقي. إنما كانت الأم تكتفي بقولها: لا تتأخري كثيرا!!!. ثم انتقلت التعليم المتوسط، ووجدت نفسها مع بنت عمتها، وصارت من حين لآخر تذهب معها للغداء، ثم للعشاء، وترك الواجبات الدراسية، ثم للمبيت عند عمتها، وبدأ الانحراف يكبر، وانتقلت إلى الثانوي، ولم تعد تذهب مع بنت عمتها وإنما مع أية صديقة، واعتادت الأم أن تعتبر ذلك السلوك أمرا عاديا، ثم صارت الفتاة تخترع أسبابا للغياب، باسم المطالعة والمراجعة مع صديقاتها، ثم مع صديقاتها وأصدقائها، إلى حين وصلت الفتاة المراهقة إلى أن تتخذ قرارا دون أن يعلم الوالدان للخروج في رحلة مدرسية، ولم يسمع الوالدان حتى رجعت ذات مساء في ساعة متأخرة. ولما انتفض الأب غضبا، ولم يكن من قبل يعلم عن سلوك ابنته في التأخر شيئا، وهذا غلط من الأب أنه يتخلى عن مسؤوليته معتمدا على والدتهم، ولما بدأ يسأل ابنته ويلومها عن عدم استشارته وعدم استئذانها في المستجدات، منها سوء تصرفها في الخروج إلى رحلة مدرسية من غير أن تستأذن الوالدين، وفي الذهاب لبيت فلان وعلان للمطالعة كما تزعم، وهنا تطورت غفلة الأم إلى انحراف آخر، وهو أنها صارت تدافع عن أخطاء ابنتها، وتتغاضى عنها، وتتستر على انحرافها، إذْ أن هذه الأم ظلت على غفلتها جهلا منها وتظن أن ابنتها بريئة وتصرفها ذلك بريء وتعتبر أن عدم الاستشارة، وعدم الاستئذان هي من المسائل الصغيرة والبسيطة ولا داعي لتضخيمها، كما تظن الوالدة الغافلة، وهذا خطأ بين منها. واعتادت الفتاة اتخاذ القرار في مستجدات دون الرجوع لوالديها، وظلت والدتها تُهَوِّن ذلك، ولاتعلم خطورة المآلات، إلى أن كان ذلك اليوم الذي سقطت فيه هذه الفتاة المتهورة في مصيدة الشيطان فخرجت في سيارة مع شابين وفتاة أخرى طائشة مثلها، بحجة الذهاب إلى مكان مراجعة الدروس، والنتيجة أن الشابين المتهورين عبثا بالفتاتين، وارتكبا معهما الفاحشة، وعادا بهما في حالة الخزي والعار، ورموا كل واحدة بباب منزلها، لتبتلع وحدها الحسرات، وتختنق بحشرجة الندم، وتصوروا كيف تكون حالتها وأمها التي كانت تغطي عنها، وما ذا سيفعل الوالد الذي لم يتخذ القرار الحاسم يوم الخروج إلى الرحلة.
ثم هل تصورتم العبرة من هذا الفتى الذي كان منذ السن الثامنة من عمره يصلي ويترك، والوالدة تشكوه لأبيه وأبوه يقول: مازال صغيرا، مازال صغيرا، وبلغ الولد السن العاشرة والحادية عشرة ومازال يتهاون ويترك بعض الأوقات، ومازال أبوه يقول عن ولده: مازال صغيرا، والمثل السائر في الجزائر{من أهمل حرفا من الشرع اشتاقه، ومن أهمل صغيره ضيَّعه} ثم تعود الغلام لعب الكرة مع بعض المتخلفين دراسيا، ثم ترك الذهاب إلى المدرسة القرآنية، ولم يعد يحفظ ما قرأ من القرآن، ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره ترك الصلاة، وترك الدراسة، ولما عزم الأب على العودة إلى ابنه والعناية به، حين أحس بالخطر، كان قد فات الحال، ودخل الفتى في حال المحال، وراح الأب يقلب كفيه على ماكان يأمل من ولده، ولكن هيهات هيهات، فمن أهمل ولده في الصغر ضيعه في الكبر.
منذ السن الثالثة من العمر يبدأ تدريب الولد على الاستئذان والاستشارة، وعند بلوغ السن السابعة، لا يقبل منه اتخاذ قرار لعمل غير عاد إلا بعد الاستئذان، والاستشارة، ولا يتسامح الوالدان في أية مبادرة من الأولاد، بل لابد من المحاسبة والتحقيق والتوجيه بالحكمة، بطريقة يشعر بها الولد أننا نريد حمايته، ووقايته مما قد يصيبه إذا تصرف دون استئذان أو دون استشارة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …