الرئيسية | الحـــق الـمر | سنة شعارها لا مِسَاس…

سنة شعارها لا مِسَاس…

يكتبه د. محمّد قماري/

روت لي طبيبة قصة جديرة بالتأمل، والطبيبة مختصة في الأمراض الجلدية، وأنا لا أحبذ ذلك الخطأ الشائع في وصف الأطباء المختصين بـ(الأخصائيين)، فذلك وصف قبيح وإن وقعت الهمزة فوق الألف!
والصواب أن الطبيب مختص لا أخصائي وهو ما جاء في الذكر الحكيم «اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (البقرة/105)؛ أما خبر القصة التي روتها الطبيبة، فإنها استقبلت في عيادتها رجلاً كهلاً يبدو على قدر محترم من التعليم، ومعه طفل صغير يشكو من مرض جلدي، قالت الطبيبة: فحصت الطفل ووصفت له الدواء، وأخبرت والده بطبيعة مرضه، فقال الوالد: أعرف المرض الذي يشكو منه ابني، فلقد خرجت الآن من عند طبيب أمراض جلدية؛ قالت الطبيبة: فتعجبت من أمره، وسألته ولمَ جئتني إذن؟
أخرج الرجل من جيبه وصفة دواء ممزقة، وأردف يقول: حينما دخلت على الطبيب طلب مني أن اكشف على جسم ولدي، ولم يقترب من المريض، وكان ينهر الطفل إذا أراد ان يتقدم منه، إذ تبيّن له أن الطفل مصاب بمرض معدٍ، وشعرت بالإهانة وحالما سلمني وصفة الدواء أدخلت يدي في جيبي، ودفعت له ثمن الفحص ومزقت الوصفة وجئتك، وكم سرني حين شاهدتك ترتدين قفازك وتفحصين الطفل!
والحقيقة، أن علماء النفس قد أفاضوا في الحديث عن مزايا التماس البدني بين البشر، سواء بالمصافحة أو الالتزام، ورصدوا حالة الارتياح التي يشعر بها أحدنا وهو يصافح أو يعانق غيره حين يلقاه، والرضيع في سنواته الأولى يهدأ بملامسة أمه أو من يحيطون به، ويرى العلماء أن حاجة الإنسان للمس غيره وملامسة غيره حاجة أصيلة، بل هي بضعٌ من لغتنا التي تتيح اشباع حاجات عاطفية، وتصديق على المشاعر، إذ تبعد المخاوف وتسمح بإفراز هرمون السعادة (الأوسيتوسين)، وعندما نحرم من هذا التقارب البدني من الآخرين، فإن ذلك يزيد من مستويات القلق، ويشتد فقدان الارتياح البدني…
ومعنى ذلك أن الطبيب (الميكانيكي)، الذي يعتقد أنه حال تطبيب مرضاه، أنه يعالج عطبا في سيارة أو آلة قد خسر معركته مع المرض، وإن اغتر بتسكين الألم!
وكل هذه المعاني تداعت في ذهني وأنا أقرأ العقاب الذي سلطه الله، سبحانه، على (السامري)، فذلك الرجل الذي فتن قوم موسى، عليه السلام، بالتكنولوجيا ليصرفهم عن التوحيد، فقد صنع من حلي النساء عجلاً، وبقياسات فيزيائية دقيقة كان الهواء يدخل من منفذ محدد ويخرج من تمثال العجل صوتا يحاكي خوار العجل الحقيقي، وقال لهم هذا هو ربكم، وافتتن الناس بدقة الصناعة التكنولوجية!
والمثير في القصة أن العقاب الذي سلّط عليه لم يكن بالقتل أو التعذيب البدني أو النفي، لقد حُرم السامري من التقارب البدني، إذ اشتدت درجة التحسس في جلده من الملامسة حد الألم، فكان شعاره وهو يمضي بين الناس (لا مساس)، جاء في القرآن الكريم: «قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ» (طه/97)…
ومضت هذه السنة الميلادية ألفين وعشرين أو جلّها، وشعار كبار مستشاري الصحة في القارات الخمس (لا مساس)، وتردد وسائل الإعلام شعار (التباعد البدني) ليل نهار، بل تفنن بعضها في صياغة كلماته: (من كان يحب الأقارب فلا يتقارب!)، ولبس الناس الكمامات كبارا وصغارا، حكاما ومحكومين، يحجبون وجوههم وكانت الوجوه هي بريد التواصل، ومن قسماتها تقرأ علامات البشر والرضى أو الحزن والكدر…
صحيح أننا نتحدث عن وباء عالمي، لكن وقعه على العالم المتقدم أشدّ وطأة، فآخر عهد القوم بالأوبئة العامة تجاوز القرن، وخلال الخمسين سنة الأخيرة قفز الطب قفزات عملاقة، سواء في مجال التشخيص أو العلاج، واختزلت البشرية خبرة لم تحققها منذ بداية الخلق، فالتشخيص بالصور ثلاثية الأبعاد الملونة، والتوصل إلى الخرائط الجينيّة، وأجيال متلاحقة من الأدوية التي تحد من سير أمراض مستعصية، وصولا إلى جراحة المناظير والتدخل في استثارة مناطق داخل المخ…
كل ذلك يتضعضع أما كائن مجهري، وحيد الحمض النووي ويسمى (كورونا)، يؤجل اجتماعات وقمما، يعطل آلة الاقتصاد، بل ويفرض قيودا على حركة الناس حتى داخل مدنهم وطرقات أحيائهم السكنية، وإذا تحركوا للضرورة فشعارهم واحد: (لا مساس)، ولأول مرة منذ أمد بعيد تكبر الفجوة بين العلماء، وأقربهم إلى الصواب من يقول: ليست لدينا حقيقة مستقرة…
سنة ألفين وعشرين، سنة يحفظ التاريخ ذكراها لأجيال قادمة، وتتناقل أخبارها كتب التاريخ، ومنها يتعلم البشر أن (فتنة التكنولوجيا) لا يمكن التعويل عليها وحدها في تحقيق الأمن للبشر، وأن عليهم دائما أن يتذكروا خالق الأسباب والمسببات…

عن المحرر

شاهد أيضاً

حسن البنا…

يكتبه د. محمّد قماري/ بحلول يوم الثاني عشر من الشهر الجاري (فبراير)، تكون اثنان وسبعون …