الرئيسية | شعاع | مع الشيخ الغزالــــي (رحمة الله عليه)

مع الشيخ الغزالــــي (رحمة الله عليه)

يكتبه: حسن خليفة /

كان الشيخ محمد الغزالي (يرحمه الله) من القـلة الميمونة من العلماء والدعاة الذين خاضوا معارك ضارية ضد أعداء الإسلام وخصومه منذ البدايات، خصـوم من كل لون وشكل وصنف ورائحة، بمن فيهم «خصوم الداخل» أي من داخل صفوف الإسلام ذاته، كبعض التيارات الإسلامية التي رعتها (الأيادي الآمنة) وربّتها على نحو مختار ومحدد، يتسـم خاصة بـالحدّة والقسوة في «الإثخان» في الإسلام وتقليب الجراحات، واستدعاء ما أمكن من معارك القرون الأولى؛ خاصة في المسائل الجزئية والتفصيلية، طبعا مع التزود بما أمكن من القوة والغلظة في التجريح والتقبيح.
وقد لقيّ الشيخ ـ كما أشرنا من قبلُ ـ في الجامعة الإسلامية أذى كثيرا من هؤلاء الإخوة الغلاظ الشداد الذين لم يرحموا سنّه، ولم يقدّروا علمه، ولم يكن لديهـم متّسـع من السماحة يتيح لهم الانخراط في النقاش العلمي الهاديء الرصين ، أوحتى «المجادلة بالتي هي أحسن «،وإنما يذهبـون مباشرة إلى «الجرح» والتشويه، ونشر كل ما يمكـن أن يسيء ويؤذي، وكأنهم نسوا أنهم سيُسألون عن ذلك لا محالةـ…
والله المســتعان… فصناعة «الخلاف» قطـاع ربحـي عريض انتفعت منه حكومات ودول ونُخب حاكمة.
بدأت معارك الشيخ الغزالي مبكرا مع خالد محمد خالد في كتابه (من هنا نبدأ) فردّ عليه الشيخ الغزالي بـ(من هنا نعلم)، وامتدت المعارك إلى ساحات كثيرة: دينية، وفكرية، وثقافية، وحتى أدبية.. ومن يقرأ مؤلفاتهـ رحمة الله عليه ـ يلتقط ذلك النَّفَــس (الدفاعي) الحارّ الصادق عن الإسلام، سواء تعلق الأمر بمعركة المصحف في العالم الإسلامي، أو بمحاور القرآن الكريم وتفسيره، أو بالسنة النبوية المطّهرة والدفاع عنها ضد الغالين، وصولا إلى الأدب والشعر الحرّ والذوق الأدبي والبعد الجمالي، والمحور العاطفي في حياة المسلمين..
فليعد من يريد الاستزادة إلى تلك الأسفار النفيسة وليقرأها على مهل من هذا المنظور سيـجد الغزالي سيفا من سيوف الحق مسلطا على الأعداء والخصوم منافحا عن الدين الإسلامي، ومبادئه الإنسانية الرفيعة، وثقافة الأمة الذاتية ضد كل أنواع الظلام، سواء كان هذا الظلام «ظلاما من الغرب» أو «ظلاما خاصا العلمانية والحداثة» الشائهة الملتبسة بالإلحاد وتشويه الدين وتحقيره التي تسرّبت مفاهيمها ومصطلحاتها وخلفياتها الصهيونية اللادينية،إلى ساحاتنا الجامعية والثقافية والأدبية بشكل مريب…بالغ السوء، تحمل أكثر ما تحمل الإساءة إلى الدين والجراءة على المقدّسات، والإبحار في عوالم الإلحاد المستتر، باسم التنويروالاستنارة، أو بأسماء أخرى.
ومن يراجع الأطاريح الجامعية في الماجستير والدكتوراه، ومذكرات الماستر(الآن) يمتليء إحباطا أمام هذه العناوين الغريبة الرهيبة في تلك الأطاريح والمذكرات وموضوعاتها «الهزيلة» المتعلقة بفلان أو علّان من (أعلام الفكر والحداثة والأدب الحداثي، سردا أو نقدا.. وهي تصبُّ، في معظمها في نهرمغالبة الدين وتشويه عظمته وإسدال الأستار على منافعه وفضائله، وقدوصل الأمر إلى الإساءة إلى الذات الإلهية والانتقاص من القرآن الكريم ، وأما القيّم والأخلاق فحدّث ولا حرج.
وفي هذا الخصوص أردتُ الإشارة إلى معركتين كبريين خاضهما الشيخ هنا في الجزائر، أثناء مروره الطيب الجميل المبارك ـ على مدى سنوات وجوده المنتظم المستمركرئيس للمجلس العلمي في الجامعة الإسلامية.
ـ المعركة الأولى خاضها مع أحد أساتذة الفلسفة واسمه رائق النقري، وكان أستاذ للفلسفة في معهد الفلسفة في جامعة منتوري قسنطينة، وكان صاحب «لسان ولسّين»، غزير المعرفة، استثمر(والأصح استغل) تعطّش الطلبة وإقبالهم على المعرفة، من جهة، واستغل من الجهة الأخرى امكاناته المعرفية لبثّ السموم، من خلال دروس ومحاضرات الفلسفة التي كان يقدمها لطلابه وطالباته، ومن خلالها اجتهد في الترويج لما كان يسمّيه «النظرية الحيوية» (أو المنطق الحيوي ).
وهي ـ على الإجمال ـ إلحاد مبطن ناعم ذكي، وانتصار لبعض النظريات الفلسفية الضالّة، وما أكثرها..
وهاهنا ملحوظة لا بد منها :كان أمثال النقري كُثرا في جامعاتنا في ذلك الوقت، و حتى الآن في موادّ ومقاييس (مساقات) متعددة ، في الفكر، والدين، والثقافة، بل وحتى في العلوم الدقيقة وميادينها الفسيحة…ففي التفاصيل هناك دائما «شيطان» إنسيّ ينشر فكرا ضالا مضلا، أو ينشر إباحية وفجورا أوألوانا من أنماط الحياة التي تنكر الآخرة أو تنسيها في نفوس وقلوب الدارسين، ويقتضي ذلك التدليس عادة توابل مسّ الإسلام بشكل صريح أو مبطّن، وهذه منطقة ظل أكاديمية ـ إذا صحّ التعبير ـ يحسُن التوقّف عندها في ملاحظات مستقلّة، فإن واقع الجامعات مؤلم ومخزٍ ومبكٍ في الانحدار الفكري والسلوك وتجفيف منابع الإيمان والصلاح في نفوس الأبناء والبنات ، بما أنتج ويـنتج أجيالا كاملة بلا… أي زاد تقريبا. وتلك مسؤولية الدولة والمجتمع والنُّخب الإيجابية التي تستشعر المسؤولية على النحو المطلوب.
المهم بالنسبة لقصة النقري أن طالبات من معهد الفلسفة، من المقيمات في الإقامة القريبة من الجامعة الاسلامية والمعروفة باسم حي ـ أو إقامة نحّاس نبيل، كن ّ يزرن الشيخ الغزالي، في مكتبه، ويذكرن له ما ينشره هذا الأستاذ من أضاليل في ثوب نظريات وأفكار وطروحات، فكانت استجابة الشيخ الغزالي للأمر سريعة، ونُقل عنه مقاومته لهذا الفكر المتدثّربدثور الفلسفة والملتبس بالدين في بعض الأحيان.
ومن جراءة ا لشيخ رحمة الله عليه أنه يذكرذلك وينكُره علنا في محاضراته ودروسه، فسرعان ما سرت الأخبار في هذا الشأن.. حتى وصل الأمر إلى طلب الشيخ مناظرة هذا الدّعيّ فيما يروّجه وينشره. وهذا صنيع الشيخ ؛ حيث يبادر دائما إلى طلب المناظرة والجدال في أي قضية محل نظرأو اختلاف،وقد عهد منه الطلبة ذلك في ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت وزارة الشؤون الدينية تنظمها سنويا ويحضره خلق كثير من العلماء والأكاديميين والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، وكثيرا ما كان «يشتعل»نقاش قوي صاخب بين اثنين أو أكثر، فنستفيد كل الاستفادة من ذلك ونتعلّم الشجاعة، وأصول النقاش وآدابه، وأهمية الصدع بالحق والدفاع عن أفكارنا ومبادئنا.. والحديث يطول..
معركته الثانية مع الدكتور عزالدين المناصرة الشاعروالكاتب والناقد الفلسطيني المعروف الذي درّس في معهد الآداب لمدة من الزمن، وكان صاحب نشاط، وله علاقات مع الأدباء والجزائريين. ومتبدأ هذه المعركة وخبرها انطلق من دراسة أو فلنقل قراءة أعدها ابتداء الطالب أبو جرة سلطاني ونقّحها ونشرها صاحب هذه السطور (ح.خ ) في جريدة النصر؛ حيث كان متعاقدا معها بالكتابة المنتظمة. وكان رئيس تحرير النصر وقتئذ الأستاذ عبد الله قطاف الكاتب الصحفي المعروف والذي كانت لديه رؤية واسعة في مجال الصحافة فشجع وفسح المجال للكتاب والأكاديميين للمساهمة، كل حسب اختصاصه.
نُشرت القراءة ، في حلقات متسلسلة بعنوان «أين الحداثة أين الفن» في ديوان «الخروج من البحر الميت»…ولقيت القراءة بعض الاهتمام؛ لأن فيها نوعا من الكشف عن «ملامح الإلحاد والتجديف والإساءة إلى الدين وإلى الذات الإلهية المقدسة، وسرعان ما وصلت إلى مسامع الشيخ بعض الأصداء فقام من فوره وكانت الاستجابة سريعة، فأذاع ذلك في بعض محاضراته وشدّد النكير على الشاعر الفلسطيني، ولم يكتف بذلك بل اتصل بمسؤولين كباررافضا أن يكون في جامعة جزائر الشهداء والمجاهدين أمثال هذا المجاهر بمنكراته وإساءته لله تبارك وتعالى. كما استنكر كعادته أن يكون في الفلسطينيين الذين يكافحون العدوان الصهيوني ومن وراءه من قوى الغرب والشرق من يحمل مثل هذا الفكر.والقصة تطول..
المهم أنه تم إبعاد الشاعر المناصرة إلى جامعة تلمسان فيما أذكر بعد تدخلات كثير من ياسر عرفات وبعض القادة الفلسطينيين ولم تنطفيء المعرفة إلا بعد حين من الوقت…

عن المحرر

شاهد أيضاً

مع الشيــخ الغزالي ….رحمة الله عليه

يكتبه: حسن خليفة / لم يكن مرور الشيـخ الداعية المتميز محـمد الغزالي رحمة الله عليه …