الرئيسية | وراء الأحداث | عــــــــــــام الجــائــحــــــــــة

عــــــــــــام الجــائــحــــــــــة

أ. عبد الحميد عبدوس/

يمكن القول أن سنة 2020 التي تلفظ أنفاسها كانت سنة جائحة كورونا، حيث سيطرت أخبار وآثار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) على اهتمام العالم. لقد شاءت قدرة الله القوي العزيز أن يسلط على الإنسان الذي طغى وتجبر في الأرض، أحد أصغر مخلوقاته إذ يعتبر فيروس كورونا الفتاك أصغر بخمسة مليون مرة من حجم الإنسان {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} (المدثر31).
في 31 ديسمبر 2019)، أبلغت الصين منظمة الصحة العالمية عن اكتشاف داء «التهاب رئوي غير معروف السبب» أصبح يعرف عالميا بفيروس كورونا المستجد، أو (كوفيد 19) بمدينة ووهان، وبعد أن ملأ موضوع «كورونا» الدنيا وشغل الناس، صنفته منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020 «وباء عالميا»، ما أجبر معظم الناس على الحد من حرياتهم، وتقليص تحركاتهم، وتغيير عاداتهم. فقد تسببت ظاهرة العولمة والترابط العالمي الوثيق بين البشر في سرعة انتشار الوباء ، ووصلت درجة خطورته إلى حد تعليق ممارسة الشعائر الدينية كالحج والعمرة والصلوات في المساجد والكنائس والمعابد وتغيير العادات الاجتماعية كتوقيف الأعراس والحفلات والزيارات، وغلق الأنشطة التجارية والثقافية والرياضية وتقليص حركة وسائل النقل البري والجوي والبحري داخل الدول وفيما بين الدول مما تسبب في خسائر فادحة لقطاعات النقل والسياحة و التجارة والصناعة.
هذا الرعب الصحي والإغلاق الاقتصادي أدى إلى انهيار أسعار النفط فقد تراجعت أسعاره ابتداء من يوم الاثنين 9 مارس 2020، المعروف بـ “الاثنين الأسود” لتصل في 20 أفريل 2020 إلى أقل من 17 دولارا لخام برنت، بينما وصل سعر الخام الأمريكي إلى أقل من صفر دولار، بل وصل الأمر ببعض بائعي النفط الأمريكيين إلى الدفع للناس للعثور على مشترين للتخلص من فائض المخزون ما تسبب ببلوغ سعر برميل خام غرب تكساس 38 دولارا تحت الصفر، غير أنه في أواخرعام 2020 لاح في الأفق أمام البشرية أمل التخلص من أضرار هذا الوباء القاتل بإنتاج تطعيم فعال ضد فيروس كورونا. حيث أعلنت شركتا «فايزر» الأمريكية و«بيونتيك» الألمانية في شهر نوفمبر2020 عن التوصل للقاح مضاد لفيروس كورونا تتعدى نسبة فعاليته 90% وبعدها أعلنت شركة «موديرنا» الأمريكية عن نجاح لقاح مضاد لفيروس كورونا بنسبة 95%، وقبل ذلك كانت روسيا قد أعلنت في شهر أوت 2020 عن نجاح التجارب السريرية على اللقاح «الروسي سبوتنيك v»، وبعد حصول هذه اللقاحات على ترخيص التسويق وبداية استعمال التلقيح، راجت أنباء عن اكتشاف فصائل جديدة من فيروس كورونا المستجد في بريطانيا التي توصلت في أواخر سنة 2020 إلى اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، مما يطرح احتمال استمرار تأثير هذا الفيروس لما بعد سنة 2020.
في الجزائر ومنذ الإعلان يوم 25 فيفري 2020 عن تسجيل أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا المستجد وهي لرجل إيطالي وصل إلى البلاد يوم 17 فبراير، ظلت الأرقام تتزايد ولكنها لم تبلغ المستويات المخيفة التي وصلت إليها في الكثير من الدول والقارات بل إن الجزائر كانت مع موريتانيا أقل الدول إصابة بفيروس كورونا المستجد في بلدان المغرب العربي. إن عدم خروج الوضعية الوبائية لفيروس كورونا المستجد عن السيطرة في الجزائر تحقق بفضل نجاعة التدابير الاحترازية والوقائية التي اتخذتها السلطات الجزائرية منذ بداية ظهور الإصابة بالفيروس في الجزائر، كاستعادة الرعايا الجزائريين من الخارج في الوقت المناسب وعزلهم في إقامات لائقة لفترات محددة، واستيراد العتاد الطبي اللازم ،وغلق الحدود وحركة السفر مع الخارج، واتخاذ تدابير الحجر الصحي في الداخل، وتوقيف الدراسة في جميع المراحل التعليمية، وتجند الطاقم الطبي و تفعيل النشاط الخيري والتضامني. لكن كل هذه الإجراءات الوقائية لم ترد قضاء الله حيث قارب عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في الجزائر في أواخر سنة 2020 المائة ألف مصاب، وثلاثة آلاف وفاة، وخمسة وستين ألف حالة شفاء منهم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون الذي تلقى الشعب الجزائري وعددا من زعماء العالم خبر تعافيه من إصابته بفيروس بكثير من الارتياح وتقديم التهاني. علما أن فيروس كورونا كان قد أصاب عدد من حكام العالم على غرار رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ،والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
لقد أصاب فيروس كورونا الإنسان والحيوان، وعبر كل القارات ووصل حتى إلى القارة القطبية الجنوبية، وتجاوز عدد الإصابات في العالم الثمانين مليون وقارب عدد الوفيات المليوني وفاة، وتصدرت الولايات المتحدة الأمريكية دول العالم في عدد الإصابات والوفيات، وكان من أقوى العوامل التي أطاحت بالطاغية الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية بسبب سوء إدارته لهذا الوباء الذي استخف بخطورته في البداية، وظل يسميه «الفيروس الصيني».
ومن جانب آخر، عرفت سنة 2020 جائحة أخرى هي جائحة سياسية اجتاحت الكثير من الدول العربية، غير أن هذه الموجة الثانية من تطبيع العلاقات مع المحتل الصهيوني تعتبر أسوأ وألعن وأجبن من موجة التطبيع الأولى التي دشنتها مصر ثم لحقت بها الأردن وكانت تقوم على مبدأ مقايضة الأرض بالسلام، ومقابل اعتراف النظامين المصري والأردني بوجود إسرائيل كان الكيان الصهيوني يتخلى عن أراضي تلك التي انتزعها منهم في حروب 1967و 1973.
أما تطبيع الإمارات والبحرين فكان عبارة عن مجرد تقديم هدايا دبلوماسية للرئيس دونالد ترامب لتقوية حظوظه في الفوز على منافسه الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في 3 نوفمبر 2020 وتمت تحت غطاء السلام مقابل السلام علما أن هاتين الدويلتين لم تخوضا أبدا حربا مباشرة ومسلحة ضد إسرائيل. ففي يوم 13 أوت 2020 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توصل الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل إلى اتفاق سلام تاريخي يسمح للبلدين بتطبيع العلاقات بينهما، كما أعلن في 9 سبتمبر 2020 عن انضمام البحرين إلى الإمارات في إبرام اتفاق لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وفي 23 أكتوبر2020 أعلن أن إسرائيل والسودان وافقا على تطبيع العلاقات بينهما، في ثالث خطوة مماثلة يقوم بها بلد عربي في غضون شهرين. وإذا كان قائد حقة الخيانة هو الذي يعلن عن حصول اتفاقيات التطبيع بين العرب المهرولين وإسرائيل، فإن المسؤولين في الدول العربية لم يمنعهم الحياء من الادعاء بأن سلوكهم الانبطاحي كان من أجل خدمة القضية الفلسطينية.
وفي يوم الخميس 10 ديسمبر2020 عقد الرئيس الأمريكي المنتهية عهدته، صفقة مع العاهل المغربي محمد السادس تضمنت تطبيع العلاقات الإسرائيلية مقابل اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. واللافت للانتباه أن الرئيس الأمريكي أختار تاريخ 10 ديسمبر الموافق لليوم العالمي لحقوق الانسان ليعلن اعتراف إدارته بسيادة العرش الملكي المغربي على إقليم الصحراء الغربية مورطا بذلك الولايات المتحدة الأمريكية في التنكر لحق أساسي من حقوق الشعب الصحراوي المكافح وهو حق تقرير المصير، هذا المبدأ الأممي السامي الذي وضعه الرئيس الأمريكي الراحل توماس وودرو ويلسون، ومتمردا على ثلاثة عقود من الالتزام الأمريكي بالشرعية الدولية بخصوص قضية الصحراء الغربية، مما يبقي احتمال تراجع الرئيس المنتخب جو بايدن واردا بقوة عن هذا التصرف الشاذ الذي أقدم عليه دونالد ترامب خدمة لأغراضه لانتخابية وميوله الصهيونية، ومن نكد الدنيا أن الملك المغربي محمد السادس وبعد الإعلان عن تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية اتصل برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ليخبره بأنه سيوجه قريبا بصفته رئيس لجنة القدس دعوة إلى اللجنة للاجتماع في دورتها الواحدة والعشرين، بالمملكة المغربية، ربما ينوي الملك المغربي في هذا الاجتماع المقبل ان يقترح على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يشاركه في حمل عبء رئاسة لجنة تحرير القدس.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لعنة اضطهاد الروهينغيا تطارد رئيسة حكومة ميانمار

أ. عبد الحميد عبدوس/ عادت احداث ميانمار لتتصدر الأحداث في مطلع الشهر الجاري (الاثنين 1 …