الرئيسية | الحـــق الـمر | الدكتورة أوجين…

الدكتورة أوجين…

يكتبه د. محمّد قماري/

اتصل بي هذه الأيام الدكتور أحمد عظيمي يسألني عن مقهى البهجة، وهي مقهى تقع قريبا من قصر الثقافة بالقبة، كنا نجلس فيها مع بعض الأصدقاء على غير اتفاق، ومع مرور الوقت تنادى الأصدقاء، وتوسعت دائرة الندامى، وأصل النَّدِيمُ في اللّغة العربية الشَّرِيبُ الذي يُنادِمه، كانت الكلمة تطلق على الذي يُرافِقُك ويُشارِبُك الخمر، بل إن الأصل في كلمة القهوة في العربيّة هو الخمر، والمحل الذي تباع فيه هو (الحانوت)، لكن ما كنا نجلس في القهوة إلا للمرافقة والحديث في شؤون ثقافية أو ما اتصل بالحياة العامة ثم نفترق…
وأحيانًا كان مجلسنا يمتد ويشمل ما فوق العشرة، فإذا هممنا بالافتراق تنازع الأصدقاء في من يدفع حساب المشروبات الساخنة والباردة، كلٌ يخرج من جيبه ويُلّح في دفع الحساب كاملاً، وتذكرت وصيتي لأحد الأصدقاء حيث يوم كان متوجهًا إلى باريس متربصًا في الجامعة، حيث نبهته إلى الفرق بين قول الفرنسي: (تعال أهديك قهوة) و(ما قولك في شرب قهوة)، فالعبارة الأولى تعني أنها دعوة وهو من يدفع، أما العبارة الثانية فكل واحد يدفع ما شرب، وتعجب صاحبي وقال لي: إذا كان ولابد أدفع أنا الحساب والسلام…
والمجتمعات الغربيّة نشأت عبر مسيرة طويلة على روح (التعاقد)، وهي تحتكم في جميع معاملاتها إليه، فمتى بلغ الأبناء مثلا سن الرشد، وجب عليهم القيام بشؤونهم، وتدبير أمور حياتهم بأنفسهم، والشيوخ الذين لا يستطيعون تأمين دفع رواتب من يخدمهم إذا عجزوا فلا خيار لهم إلا التوجه لدور العجزة، ولأجل ذلك يقضي الإنسان الغربي أغلب وقته خارج بيته، ولا يدعو أحدا إليه إلا في ظروف خاصة…
ولست أدري إن كنت محظوظًا عندما دعاني صديقي فرنسوا إلى بيته يوم أحد، وأكثر من ذلك فقد جلب لي الطعام من مطعم تركي (حلال)، ولم يضع على المائدة خمرًا، وتعرفت إلى أفراد أسرته، وطاف بي في بيته، وكانت ابنته (أوجين) في سن السادسة، وتعجبت عندما وقع بصري عند مدخل غرفتها على لوحة ذهبية مثبتة على الباب مكتوب عليها (الدكتورة أوجين)، ولوحة أخرى على باب غرفة ابنه (باسكال)، ولم يتجاوز حينها سن التاسعة كتب عليها (المهندس باسكال)…
ولما لاحظ ما خالطني من تعجب، قال فرنسوا لقد تحدثت مع أطفالي فيما ينون فعله إذا تحصلوا على شهادة البكالوريا، فكان اختيار بسكال لتخطيط المباني والعمارة، واختارت أوجين الطب، وأحببت أن يتذكروا دائمًا العهد الذي قطعوه على أنفسهم، وأن تنشأ معهم هذه الاختيارات، ويعملوا على تحقيقها في المستقبل…
وعدت إلى روح (التراحم) التي في مجتمعنا، أو ما بقي منها، إذ نقضي سنوات طوال ونحن نردد على أسماع أطفالنا أننا سنبني لهم بيتا ونشتري لهم سيارة، ونجمع لهم جهاز زواجهم، فينشأ الطفل معتقدًا أن أباه على كل شيء قدير، وهو يحتمي بظل أبيه فإذا كبر وحاول الطيران بجناحيه جاءت خيبة التوقع عند الوالد، وربما خاصم ابنه الذي يسعى لكسب عيشه بكد يمينه وعرق جبينه، ويستقل بتأسيس حياته وفق ما يراه هو لا وفق القالب الذي أعده والده، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الاستقلاليّة: «…وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ…» (النور/63)…
فإذا رصدنا هذه الأبوية في الأنظمة السياسيّة، وهي تمني المحكومين بالعمل والمسكن وغيرها، وتجعل من تلك الأَماني حقًا لـ(الأب) الحاكم يصادر من خلاله حق الحرية، وحق المشاركة في الحياة العامة، واعتبار جمهور المحكومين قصرًا في حاجة لوصاية الأب، فذلك يجعلنا بصدد مسلك، يصادر قوة الإبداع وتثمين الاجتهاد في الأمّة…
واستحضر أمام بصري الآن تلك اللّوحة المذهبة المثبتة على باب غرفة أوجين (Docteur EUGENE)، وأنظر حولي فيما يسمعه أطفالنا من كلمات تحقير في صغرهم، يسمعونها في البيوت وفي المدارس، وتتقاذفها ألسنة الآباء والأشقاء والأعمام، كما تتردد على ألسنة المدرسين والإداريين، وأجد نفسي أمام معجم ثري الألفاظ، كلها ألفاظ تحقير وزرع لمركب الدونيّة من قبيل (الحمار) و(البغل) و(الغبي) و(الحابس)…وكل ما شاء لك خيالك من ألفاظ نابيّة.
ما الذي يرجى من طفل ينادى كل يوم باسم (البغل) مرات عديدة؟
ومن القصص المؤثرة التي قرأتها، أن باحثًا في سلوك الحيوان، جاء بزجاجة وضع داخلها نحلة، وعمد إلى وضع حاجز شفاف في منتصفها، كانت النحلة تحاول أن تطير، فتضرب في الغشاء الزجاجي، وبعد محاولات أزال الحاجز الشفاف لكن النحلة كانت تعود إلى قاع الزجاجة كلما وصلت مكان ذلك الحاجز !
فكم من حواجز مصمّتة تواجه حياتنا، وترتطم بها إراداتنا في الانطلاق، وتحكم خط سيرنا على الدوام في التراجع والخلود إلى الأسفل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حسن البنا…

يكتبه د. محمّد قماري/ بحلول يوم الثاني عشر من الشهر الجاري (فبراير)، تكون اثنان وسبعون …