الرئيسية | المرأة و الأسرة | الكرامة بين النص القرآني والامتثال الإنساني

الكرامة بين النص القرآني والامتثال الإنساني

أ: حجيبة شيدخ/

مذ بدأنا نعي فتحنا أعيننا على نتائج الحرب العالمية الثانية والانتقال إلى الحرب الباردة بين القطبين العملاقين أمريكا والاتحاد السوفييتي وانتشار فكرة سيطرة الشمال على الجنوب، ونشأنا من صغرنا على ذكريات الثورة الجزائرية لأننا جيل الاستقلال انطبعت في أذهاننا صور الاستحمار واعتداء الإنسان على أخيه الإنسان بمبررات كثيرة، وأتتنا فترة التسعينات، فخلفت دمارا كبيرا على جميع المستويات أهمها المستوى النفسي للإنسان الجزائري، الذي ارتسمت في ذهنه جريمة اعتداء المسلم على أخيه المسلم الذي يشاركه الوطن والتاريخ، كل هذه الأحداث نراها اعتداء على كرامة الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض مسخرا له الكون لا للاستبداد والدمار وإنما للإعمار والنمو.
الكرامة الإنسانية من أهم ما تحدث عنه القرآن الكريم فهي محور إنسانية الإنسان، فإذا سلبت منه ضاعت قيمته، واختفت وظيفته الوجودية، لأنه سيصبح مثله مثل الأشياء التي سخرها له الله _ تبارك وتعالى _ فيصبح مسخرا لخدمة غيره كالتراب. كانت نصوص كثيرة من القرآن والسنة، منطلقا لبحوث العلماء والمفكرين في تقرير تكريم الله _سبحانه وتعالى للإنسان منها قوله _ تبارك وتعالى _ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء/70]. وقوله _عز وجل {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات/13] فتكريم الله للإنسان تكريم مؤكد بـ «قد» التي تفيد التحقيق، وهو فضل من الله يأخذه الإنسان أيا كان لونه وجنسه ووطنه، فليس من حق أي كان أن يحرمه منه، ويبقى التفاضل للبشر في الحياة الدنيا تحققه التقوى، فكلما كان الإنسان أكثر تقوى لله كان أكثر كرامة، ومظاهر التكريم الإلهي للإنسان كثيرة، فعلى مستوى الخلقة أوجده الله – عز وجل – على صورة هي أرقى ما يمكن تصوره {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُم}[غافر/64] وعلى مستوى العقيدة خلقه على عقيدة التوحيد التي تعتبر قمة الحرية والرقي للإنسان إذ لا يكون عبدا إلا لله _عز وجل _ فلا ينحدر ليكون مستعبدا لبشر أو لأي مظهر من مظاهر الطبيعة.
وقد استنتج ذلك من نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية منها قوله _سبحانه _ {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} فاستفيد من الآية أن التقويم الحسن هو عقيدة التوحيد، إذ كل البشر يولدون وهم يحملون هذه العقيدة، فإذا أتوا إلى الحياة الدنيا قد تعترضهم غواش من الأسرة أو البيئة أو الكبر، فيميلون عن العقيدة الصحيحة، وينحدرون أسفل سافلين. ويؤكد ذلك قول الرسول _صلى الله عليه وسلم _: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه «… وتنوعت مظاهر التكريم الإلهي للإنسان فحسن الهيئة المعنوية والمادية يكمله مظاهر كثيرة، فميز الإنسان بالحرية بجميع مستوياتها، لكنها في الإسلام حرية مسؤولة، لا تقضي على احترام الإنسان لأخيه الإنسان أو لذاته، كما يحدث اليوم من قبل المسيئين للأديان السماوية باسم حرية التعبير، أو المسيئين للقيم الاجتماعية كالمثليين …
ولعل من أهم مظاهر التكريم الإلهي للإنسان، تسخير الكون له، وهذا المنحى من التكريم نال حيزا كبيرا من القرآن الكريم، إذ حدثنا الله _ تبارك وتعالى _ عن إعداد هذا الكون للإنسان قبل إيجاده ليحقق وظيفة الخلافة فيه على أكمل وجه. والقرآن الكريم حافل بالنصوص التي تفيد معنى التسخير واستعلاء الإنسان على الكون … فحين نتتبع القرآن الكريم كثيرا ما نجد الخطاب موجها للإنسان بلام التعليل وكاف الخطاب، وهذا يرسخ عند الإنسان أن هذا الكون إنما وجد من أجله، ونظرا للتناسب العجيب بين الإنسان والكون لتحقيق الوظيفة الوجودية له استنتج علماء العقيدة دليل العناية أو التسخير، فكل ما في الكون يحقق المنفعة وبقاء الوجود الإنساني يقول _تعالى _:{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لكم}[البقرة/22 ]، ويقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}[البقرة/29] وهذا التحقق لا يمكن أن يكون عبثا فهو من قاصد حكيم، هذا التسخير على المستوى الكوني، ويوجد تسخير آخر فيه دلالة على وجود الله هو التسخير على المستوى التشريعي، إذ كل الأحكام الشرعية تحقق المقاصد العالية لوجود الإنسان فتشريع الأحكام الأسرية يحفظ النظام السليم للفرد والمجتمع وتشريع الحدود يحقق الأمن النفسي والاجتماعي للمجتمع البشري …
إن الكرامة الإنسانية التي أقرها الإسلام منذ قرون طويلة هي محتوى ما يتغنى به دعاة حقوق الإنسان، هؤلاء الذين يتحدثون عن الحقوق لكنهم ينتهكون إنسانية الإنسان على جميع المستويات، فالواقع الذي نعيشه يوحي لنا بكل تفاصيله أن التكريم الإلهي للإنسان قد انتهك بواسطة هذا الإنسان الذي أودع فيه الله -عز وجل – أسرار القوة، فبدلا من توظيفها لعمارة الأرض وظفها للانحدار بالكرامة أسفل سافلين، فإهانة الآخر فيها إهانة للذات {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}[المائدة/32]، لأن الأيام تتداول بين الناس، فإذا أهنت كرامة غيري أكون أعلنت السماح لغيري بإهانة كرامتي في يوم ما لأن الكرامة تثأر لنفسها وبشتى الطرق. ولعل من أهم مظاهر انتهاك الكرامة ما يلي:
_ انتهاك كرامة الحرية باسم الحرية: فقد أعطى الله _ تبارك وتعالى _ للإنسان الحرية ليعيش عزيزا مكرما، فانتهكت هذه الحرية بمصادرتها من قبل حرية الآخرين المتوحشة التي لا تضبطها ضوابط الشرع، وبما يعود عليها وعلى الإنسانية بالذل والهوان فعلى المستوى الذاتي، تصرف الإنسان في ذاته بما ينحط بها، كالشذوذ والزواج المثلي والغرق في أحضان المخدرات والإدمان على الخمر وأنواع المسكرات التي تتلف النفس والعقل الذي هو أساس الكرامة والاختيار، والتصرف المطلق بالجسد وتسليع الإنسان وتوسيله…
_انتهاك كرامة التسخير باسم التسخير: إذ أباح الإنسان لنفسه حين وظف الكون وأحكم السيطرة عليه أن يهين كرامة الآخرين بكل الطرق، فسيطر القوي على مكامن القوة التي سخرها الله للجميع، واستحوذ عليها ليذل الضعفاء بالفقر والتجويع وجميع صور الاستعباد . ..

عن المحرر

شاهد أيضاً

-نساء خالــــــــدات- أسماء بنت أبي بكر الصديــــق

بقلم أم محمد عياطي/ ذات النطاقين شاء الله سبحانه وتعالى أن تشتهر أسماء بنت أبي …