الرئيسية | في رحاب الشريعة | واقع الشعـــــــــوب الإسلاميــــة بيـــــن العقبـــــــــات الداخليـــة والخارجية

واقع الشعـــــــــوب الإسلاميــــة بيـــــن العقبـــــــــات الداخليـــة والخارجية

الشيخ محمد مكركب أبران
Oulamas.fetwa@gmail.com/

يعيش العالم الإسلامي عامة في انتكاسات متتالية، وذاق منها العالم العربي خاصة، جُلَّ مرارتها وأكبرَ فِتَنِها، وذلك منذ أكثر من خمسة قرون، أي: منذ سقوط الأندلس أندلس العلم والحضارة، أندلس الفخر والعزة يوم أن كانت مُوِحَدة ومُوَحَّدة، منذ سقوطها بسبب تفرق شعبها، وجاهلية طوائفها، وإلى اليوم. إلى حد كتابة هذه الكلمات، في شهر ربيع الأول (1442للهجرة.) والعالم العربي كله من الحجاز، والخليج، والشام، والشمال الإفريقي. وتلك الأزمات والفتن الداخلية والدسائس والاعتداءات الخارجية تحاصرهم من كل جهة، حتى جعلت الكثير من الكافرين والجاهلين يتطاولون على الإسلام والمسلمين، والحكومات الإسلامية لضعفها لاتستطيع أن تحرك ساكنا، ومن الاعتداءات: الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بالصحابة رضي الله عنهم، أو يطعنون في الكتاب أو السنة، والأمة المسلمة من خلال شبابها تتساءل إلى متى والحال هذه؟ مع إيمان الجميع بالقضاء والقدر، ووجوب الْجِدِّ والعمل، والتسلح بالصبر والتفاؤل والأمل. وقول شبابنا: متى نصر الله؟ لايعبر عن يأس منهم ولا قنوط، إنما من حزن التألم والأسف على أخطاء كثير من العلماء والحكام والملأ الذين أرادوا العاجلة ونسوا الآخرة. قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة:214)
مع أن كل عاقل يعلم أن عزتنا بالإيمان والوحدة والاتحاد، وكرامتنا بالإيمان والوحدة والاتحاد، وقوتنا ونهضتنا وتقدمنا، كل ذلك لايتم إلا بالإيمان وأخوة الإيمان وتعاون الإيمان، بالصدق والأمانة والإخلاص. رَدَّ الله تعالى على المنافقين الذين تعاونوا مع الكافرين، وخرجوا على إخوانهم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ (النساء:139)
إن الذين فرقوا أوطانهم، لأي سبب وبأي شكل، في قلوبهم مرض، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، من يفرق وحدته الوطنية مريض، ومن يتول الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم مريض مثلهم. قال الله تعالى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة المائدة:51)
الإسلام دين إلهي شرعه الله سبحانه يمتاز بالكمال، والسمو والعظمة، وأن من ينتمي إليه بحق يكون في أعلى المراتب وأتم الرقي الحضاري، ولكن المنهزمين الفاشلين، لاينتمون الانتماء الشامل الكامل للإسلام، إنما يريدون إرضاء نفوسهم المريضة، بالتزلف السياسي والتبعية الاقتصادية، للكافرين، توهما منهم أن اتباع غير المسلمين يقوي سلطانهم، قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ (المائدة:52)
فالإسلام وهو الدين الإلهي الوحيد، الذي شرعه الله تعالى نظاما كاملا شاملا للعالم كله، قال الله تعالى:﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى:13) وفي الحديث. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:[ أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ] قَالُوا: كَيْفَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: [الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ] (مسلم:2365)
معنى هذا أن الدين وهو الإسلام ثابت دائم في كماله، ودائم في تمامه، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة:3)
وأنه صالح في كل نظامه لكل البشر إلى يوم القيامة، فقد شرع الله الإسلام ليشمل كل مصالح الناس في كل زمان ومكان. ولا يقول جاهلٌ غافل: إن أحكام الشريعة الإسلامية، لم تعد صالحة في هذا الزمان، فمن يقول هذا كأنه لم يعش في هذه الدنيا، وكأنه لم يسمع بخاتم النبيين، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وكأن من يتهم الإسلام، ويطعن فيه، كأنه لم يسمع بالقرآن، ولم يقرأ منه سورة.
فالرسالة الأولى من هذا المقال إلى كل حاكم وعالم بالرجاء والنصح: أن نعود إلى الأسس التي أقام عليها خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام المجتمع الإنساني، وأن نتبع رضوان الله بالدعوة والسياسة الشرعية التي تُسْتَمَدُّ قواعدُها وأحْكامُها وأخْلاقُها من القرآن الكريم والسنة النبوية مسترشدين بالسيرة النبوية على الوجه الصحيح.
والرسالة الثانية إلى كل فرد مسلم كبير أو صغير، رجل أو امرأة ندعو أنفسنا وإياكم إلى أن نعتصم بحبل الله جميعا، وأن نصحح سلوكنا، ونتقي الله ربنا في كل عباداتنا ومعاملاتنا، لنكون مؤمنين حقا وصدقا وإخلاصا ويقينا، شريعة وخلقا.
والرسالة الثالثة إلى كل الأحزاب، والمذاهب، والتكتلات الفكرية المتعصبة لشرق أو لغرب، ثم المتعصبة لِعِرْقٍ أو لِوَرِقٍ. لكل من يعلن بلسانه أنه مؤمن نخبره وننصحه، بأنه لا أحد من المسلمين يرضى بأن يظل المسلمون في هذا الواقع المتمزق الضعيف، ولا أحد من المسلمين العاقلين يرضى أن تظل أمته تعاني التخلف والنزاع، وتطاول الكافرين على الإسلام والمسلمين، ولا تعود لنا عزتنا وكمال سيادتنا إلا بأخوتنا ووحدتنا الوطنية في ظل ديننا. وقد علمنا أن كل فعل يدعو إلى اختلاف المسلمين وبث الشقاق في صفوف الوحدة الوطنية فهو من عمل الشيطان، ومن يشارك فيه أو يتسبب فيه قاصدا فقد فعل ما يرضي الشيطان.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …