الرئيسية | مساهمات | عــــن الهويــــــة والـمرجــعــيـــــة الــــوطــنــيــــة: نحـــــن وإشكــــالات الحــضــــور الـمجتمعــــي لهــويتنـــــــا؟؟

عــــن الهويــــــة والـمرجــعــيـــــة الــــوطــنــيــــة: نحـــــن وإشكــــالات الحــضــــور الـمجتمعــــي لهــويتنـــــــا؟؟

د-وليد بوعديلة */

 

تطرح المسألة المجتمعية والثقافية في الراهن الوطني والعالمي أسئلة كثيرة، حاولت الدراسات الأنتروبولوجية الحضارية الإجابة عنها .. ومنها: هل على الهوية أن تكون منغلقة على ذاتها أم منفتحة على غيرها من الهويات والثقافات؟ وهل تحقق الانتماءات الدينية/الوطنية بالقوانين والدساتير أم نحتاج لتحرك مجتمعي لتجسيدها؟ وهل الهوية حاضرة في العملية التعليمية في الجزائر وفي البلاد العربية أم غائبة؟… تسعى ورقتنا للبحث عن الأجوبة، والإجابة تؤثر مباشرة على الوضع في المشهد السياسي وعلى التماسك الاجتماعي لكل مجتمع/ دولة.

الهوية… الانفتاح أم الانغلاق؟؟
في البدء علينا تحديد مفهوم للهوية، فهي-عموما- الخصائص والسمات النوعية التي تشكل وتصنع ثقافة ما، وتجعلها تتمايز وتختلف مقارنة بثقافات أخرى. ويرى جاب الكاتب المفكر العربي جابر عصفور في كتابه “الهوية الثقافية والنقد الأدبي” بأن الموقف من الهوية ينقسم لقسمين:-موقف يطالب بحمايتها من المخاطر التي تتهددها باسم الاستعمار والعولمة-موقف الدفاع عنها دون الخوف عليها ودون الدعوة إلى الانغلاق وعدم الانفتاح.
ويميل الباحث للرأي الثاني لأن الهوية ليست كيانا منغلقا على نفسه، وإنما هي كيان فعال، أي فاعل ومنفعل معا.
إن لكل هوية عناصر تشكلها، فالهوية الجزائرية تتشكل من الإسلام والأمازيغية والعربية، والهوية المصرية تتشكل من العنصر الفرعوني والعنصر المسيحي والعنصر العربي الاسلامي. وهذه عناصر ثابتة للهوية، أما المتغيرة فهي العناصر والمؤثرات الثقافية الوافدة من الغرب ومن غيره من الثقافات
وتدخل عناصر الهوية في صلب التنظيم الاجتماعي، وهذا التنظيم يتكون من العلاقات التي تربط الأفراد ببعضهم، وكذلك من العلاقات التي تربط الجماعات البشرية ببعضها، وقد تقوم العلاقات على الصراع أو التنافس أو التعاون.
تؤكد الأبحاث الاجتماعية على وجود مجوعة معايير ومحددات ثقافية تتحكم في علاقات الأسرة مع غيرها، وهنا تتداخل الثقافة مع التنظيم الاجتماعي ويكملان بعضهما، بخاصة في المجتمعات ذات الأنماط الثقافية المتجانسة، مثل المجتمع العربي المسلم.
كما يكون تأثير الثقافة في شخصية الإنسان من خلال التربية، التعليم، والتغير الثقافي، خاصة في المجتمعات والدول المتقدمة، ويتحدث الباحثون في هذا السياق عن دور “الصدمة الثقافية” في التأثير على الشخصية، زمن التعرض المجتمعي للكوارث أو الحروب المدمرة، فيقع التغير والتحول والتبدل لتغيّر البنيات الأساسية للمجتمع. ويتفاجأ الأفراد بوجودهم أمام نسق ثقافي مضطرب، وقد تقع حالة الفقدان الثقافي عند الانتقال من بيئة لأخرى(الجالية الجزائرية في فرنسا).
إن المجتمع يتميز بثقافته وهويته، يقول زكي الميلاد:”ما كان بالإمكان التعرف على فكرة المجتمع كمعنى ومفهوم كلي ومركب بدون فكرة الثقافة، فالثقافة بدون المجتمع هي معنى بدون إطار، والمجتمع بدون ثقافة هو إطار بدون معنى، والإطار بدون معنى هو إطار بدون محتوى، وليست له هوية وشخصية ثابتة ومتماسكة”(كتاب المسألة الثقافية)
وفي الغالب نجد -عبر المجتمعات- نوعين من الهويات كما تحدث الدكتور جابر عصفور، فقد تكون:
أ-الهوية المغلقة:
وهي نافية للاختلاف وطاردة للحوار، ومعادية للمساءلة، ورافضة للمجادلة، تميل إلى العنف القمعي مع المختلفين أو المخالفين، وقد تصل هذه الهوية لدرجة تصبح فيها هوية قاتلة.
ب- الهوية المنفتحة:
وهي التي تحقق أكبر قدر ممكن من التوازن والتفاعل والتناغم بين مكوناتها الأساسية، فالهوية المصرية- مثلا- يتفاعل فيها العنصر الفرعوني مع المسيحي مع الإسلامي العربي، وفي لبنان يجب أن يتفاعل السني مع الشيعي والمسلم مع المسيحي… وهكذا في حالات عربية أخرى حيث التنوع العرقي، الثقافي، الديني، اللغوي… ويمكن لهذه الهوية المنفتحة أن تتحول لمنغلقة، عندما يسعى عنصر ما للهيمنة وإلغاء غيره، فيحدث صراع المكونات الثقافية في المجتمع.
وقد اهتم الدارسون بالهويات التي تتشكل من عناصر ثقافية عديدة، وعندنا في الجزائر نجد الباحث الثقافي التاريخي أرزقي فراد اهتم بالتاريخ الجزائري، وحرص على التعريف بالثقافة الأمازيغية ودور الأمازيغ في الدفاع عن الإسلام ونشر العربية، وكتب كتبا ومقالات عديدة في هذا المجال. يقول:” وبالنظر إلى اتساع مساحة الجزائر وإلى عمقها التاريخي الضارب في أعماق الماضي السحيق فمن الطبيعي أن تتنوع الثقافة وأن تتنوع مكونات الشخصية الوطنية والأطياف السياسية، لذلك فإن الحل ليس في إقصاء هذا المكون أو ذاك، وإنما الحل في بناء الوحدة في إطار التنوع الثقافي والسياسي”(جريدة الشروق اليومي،31 اكتوبر 2019، عدد6321، ص20).
ويضيف الباحث الأستاذ أرزقي مدافعا عن أهمية تطوير المرجعية الثقافية وعدم تركها جامدة:”يجب أخذ الحيطة والحذر حتى لا يتحول ماضينا إلى سياج دوغمائي يسجن عقولنا في الماضي ويجعلها مستقيلة عن التفكير، فتنشغل بتكفير كل من يشرئب بعنقه إلى المعاصرة”.
بالنسبة لنا… نحن نقف لجانب كل رأي يدعو للحوار بالتي هي أحسن، ويدعو للوحدة الوطنية في إطار التعدد الثقافي، عبر التعايش والتسامح وليس عبر النبذ والتخوين والسخرية من المختلف لغويا وثقافيا، في ظل شعار هوياتي كبير هو: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والأمازيغية تراثنا.
لذا علينا التعمق في دراسة المسألة الثقافة وعلاقاتها مع غيرها، ومن المباحث المهمة في دراسة العلاقة بين الإنسان والثقافة نذكر: الثقافة والحضارة، الثقافة واللغة، الثقافة والأيديولوجيا، الثقافة والتربية، الثقافة والسياسة، الثقافة والتنمية…
القيم وفاعلية المبادرة؟؟
ولكي يحقق الفرد تغييرا لحاله عليه أن يتحرك ويبادر ويحول القناعات لممارسات، وإذا أرادت المجتمعات أن تمارس انتقالها وتحافظ على موروثها في نفس الوقت عليها أن تنتقل من لحظة الطموح والحلم إلى لحظات المواطنة والمبادرة، وأن لا تكتفي بكلمات الأمل دون التحرك للتجسيد الفعلي وإلا هجمت عليها هويات أخرى مغايرة دينيا وثقافيا لها..
وما كانت الكثير من محطات التاريخ الإسلامي المنتصر على الوثنية أو أعداء الدين، في كل فترة زمنية، أن تحدث لولا تحقيق ما يسميه مالك بن نبي بفاعلية الأفكار، وكذلك الأمر مع التاريخ الجزائري الثوري في مواجهته للإجرام الاستعماري، حيث انتقل أبناء الوطن من المطالبة اللفظية والمقاومة السياسية زمن الحركة الوطنية للمقاومة والجهاد والفداء مع صوت النضال النوفمبري.
لا نريد التوغل الكبير في مسائل التفكير والفلسفة والسوسيولوجا، فقط نريد الإشارة لمسألة هامة، تؤثر في المجتمع وتمس تحولاته وتغييراته، هي مسألة المبادرة وتقديم الحلول للمشكلات، سواء مادية أو أخلاقية وقيمية، بمعنى بدل التركيز على المشكلة يجب التركيز على طرق حلها وتجاوزها، عبر تفاعل الطاقات واجتماع المجهود الجماعي، وتحويل الفكرة لممارسة عملية يومية، وتكون فائدتها جليلة إن أصابت الأبعاد التربوية والأخلاقية، وتعلقت بقضايا الطفولة والشباب والمرأة …
وهنا يمتزج الإيمان بالعمل، وبعد التوكل على الله، يقع التحرك الميداني والسعي في أرض الله، فتكون الروح صافية والفكرة واضحة، ولن يقع التبدل في الحال والتحول في مصير المجتمع والدولة، إلا عبر تجسيد الأفكار الوطنية النبيلة، المتحررة من جماد الثبات والهشاشة، لأن قطار الحضارة لن يتوقف ولن يحمل معه الجامدين/ التافهين/ السلبيين….
يمكن للجميع أن يعارض ويعلن رفض كل الأفكار والأفعال، لكن الصعب هو تقديم البدائل، والوصول لزمن المبادرة والفاعلية، سواء لدى الحاكم أو المحكوم، فللأول سبل تحقيق الحكامة وللثاني سبل تجسيد المواطنة.
فتحتاج مثلا الطفولة للكثير من الاسهامات المجتمعية /المدنية، قصد حمايتها من كل أنواع المخاطر، إنهم ينتظرون من الأولياء والجمعيات والهيئات الرسمية تنظيم نشاطات ثقافية ورياضية، وينتظرون مبادرات للتربية والتهذيب، كما يحتاج شبابنا من المهتمين به اقتراح الأفكار المتحررة /المقاومة للروتين والبيروقراطية والتصدي للأخطار المجتمعية المختلفة، ومنها المخدرات، الانتحار، الإدمان الالكتروتي، البطالة وغياب الشغل … وهنا لا يجب أن تكتفي أجهزة الدولة بالصمت بل عليها دعم الجمعيات النشطة ومحاسبة الجمعيات النائمة الناهبة للمال العام.
يبدو أن جزائرنا اليوم تحتاج لعودة سريعة لقراءة كتب فيلسوف الحضارة مالك بني، قصد الانتقال من الفكرة، لفاعلية الفكرة، والتحرك الوطني الميداني، بخطاب الأمل والتفاؤل والانتصار، ورفض خطاب التشاؤم واليأس والجمود والسلبية، ولعل التحولات التي حلت بالوطن، تدل على أهمية حضور المبادرات، ويكون الحراك الشعبي المبارك الأصيل هو البداية التي تسير نحو المستقبل، لتجاوز أزمنة الخراب والنهب والتخلف، في ظل عولمة متحركة متبدلة، وفيها الدول التي استفادت من أفكار مالك بن نبي في تحقيق نهضتها (إندونسبيا، ماليزيا….)
نريد … تحويل أنظار المجتمع الجزائري لمسألة تجسيد المبادرات والمشاريع، وعدم الاكتفاء بخطاب المعارضة للآخر وتسفيه مواقفه، دون اقتراح البدائل، فأزمتنا يا ناس، هي في عدم قدرتنا على اقتراح آليات لتجاوز المشكلات اليومية، وأزمتنا في غياب الخطاب الاستشرافي الذي ينبه للخطر وينظر بوعي صادق منفتح، ويحفظ الذات الثقافية/الهوية ويستفيد من المغاير الثقافي/الغرب وبتأمل استراتيجي للحاضر ومصيره المستقبلي.
المرجعية الوطنية …قبل التعليم
علينا أن نفتح أوراق الحديث عن نتائج تكوين شخصية إنسان متعلم، يحيط بعمق بتخصص ما إحاطة علمية جيدة، لكن دون أن تمنحه مؤسسة التكوين التي درس بها معاني الهوية والوطنية وأبعاد التربية الأخلاقية، وجلال الحرص على مصالح المجتمع المنتمي له.
لا نحتاج القوافل من المتخرجين من الجامعات دون قيم وطنية ودون روح الهوية العربية المسلمة، ودون قيم تربوية من جلال العقيدة، لأنهم ببساطة سيبيعون الوطن ويزلزلون تماسكه ومرجعياته الروحية عند أقرب موعد للبيع في سوق الفساد المالي أو الخيانة وبيع الضمير للأجنبي.
ومن هنا جاء حرص المفكرين والعلماء على التكوين الوطني لشخصية الباحث والطالب، كما حرصوا على البناء الروحي الثقافي للإنسان، قبل منحه العلوم والمعارف، ولنا في الألمان القدوة، فهم لا يمنحون البكالوريا إلا بالحصول على علامة عشرة في اللغة الألمانية، في كل التخصصات، فماذا عنا في بلاد الشهداء؟؟
ونسمع هنا مصطلح الجيل الرسالي، يقول المفكر الدكتور الطيب برغوث:”الأجيال الرسالية الذهبية هي الأجيال المتوازنة الشخصية، التي ينسجم فكرها وثقافتها وسلوكها وإدارتها وإنجازها الاجتماعي، مع ثوابت المعادلة النفسية والروحية والثقافية والحضارية لمجتمعها وأمتها”. فماذا نفعل بأبنائنا المتعلمين الذين يسبون الرسول أو يخربون الملاعب أو يسرقون التجار أو…؟؟
اِبحث أخي القاريء… ستجد الفساد والطغيان ونهب المال العام والاستبداد… من نتائج حضور العلم وغياب الضمير الوطني والأخلاقي.
انظر أخي القاريء…ستجد عبادا بشهادات جامعية في القانون والإدارة قد حولوا القوانين لأوراق خداع وزيف وتزوير… لنهب العقارات والأراضي وتشتيت الأسر وسجن المظلومين، وتكديس أموال الحرام على حساب مجتمع كامل.. عاش الفقر والعوز … واتجه أبناؤه للهرب عبر قوارب الموت…
انظر أخي القاريء.. ستجد علماء أجّروا ضمائرهم كما تؤجر الشقق .. وباعوا أقلامهم كما تباع البطاطا.. لأجل دراهم معدودة… فأغرقوا البشرية في الأمراض والأوبئة.. والدعوات تكنولوجيا التخريب الأخلاقي… وفتحوا بعلمهم أبواب الحروب بصواريخ التخريب وقنابل القتل ورصاصات الموت.. فما كان علمهم إلا شرا على البشرية.
وكثير من أبناء جلدتنا للأسف هم كيانات ورقية تحمل الشهادات من غير روح وقيم.. من غير دين أو وطنية… يدوسون على شعبهم وبلادهم..عند أبواب الذل والعار والخيانة.. فما كان علمهم إلا أدوات لتخريب أوطانهم.
اللهم احفظ الوطن ووفق أهله للوفاء بعهود الشهداء.
* –جامعة سكيكدة

عن المحرر

شاهد أيضاً

حـــــديث الاثنـــــين

عبد العزيز بن سايب/ كانت البلاد جَوْعَى.. فالعودةُ للتدين صارتْ باديةً وقويةً ونَهِمَةً.. خصوصا بين …