الرئيسية | تراث | المستشرق البولوني تادايوش ليفيتسكي…والتراث الإباضي

المستشرق البولوني تادايوش ليفيتسكي…والتراث الإباضي

أ. محمد بسكر /

انبعاث التاريخ من خلال المخطوطات سمة مميزة للأبحاث التاريخية التي وضعها المستشرقون البولونيون حول تاريخ المغرب، باعتبارها النّصوص الأساسية التي نفهم من خلالها الحيثيات التاريخية التي بنيت عليها الحركة الثقافية والأدبية والاجتماعية والتقلبات السّياسية، فالتعامل مع النّصوص بالنسبة إليهم هو المعيار، «وكلّ كتابة عندهم لا تعتمد النّصوص التاريخية المغربية، أو ما كتبه المغاربة أنفسهم تعد لغوا وهراء».
إنّ أسئلة كثيرة تجول في مُخيّلة الباحث في الموضوع، لا يجد جوابها إلّا بعد اطّلاعه على التراث الثري الذي خلّفه هؤلاء من كتابات تاريخية، وتراجم للشخصيات، وتعريف بالمخطوطات، من بين هاته التساؤلات… ما علاقة البولونيين بالتراث المغربي؟ وما مصداقية دراساتهم البحثية في التراث الإباضي؟ وكيف تمكنوا من جمع الكثير من المخطوطات القيّمة من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وإرسالها إلى مكتبات بولونيا، وخاصة أنّ التراث المغاربي كان حكرا على المستشرقين الفرنسيين.
بدأ اهتمام المدرسة البولونية الاستشراقية بالتراث المغربي في العقد الثامن من القرن التاسع عشر، ويعتبر المستشرق “موتيلانسكي” رائد البحث في التراث الإباضي، عمل ترجمانا في الجيش الفرنسي، فأتاح له ذلك الوقوف على الكثير من المؤلفات والوثائق النّادرة في الخزائن الخاصّة والعامّة، واستغل مواهبه في التعريف بالشخصيات العلمية ونتاجها منذ ظهور المذهب في الشمال الإفريقي، واستطاع من سنة 1880م إلى 1900م أن يكوِّن مجموعته الخاصة، عُرفت باسمه “مجموعة موتيلانسكي”، والتي أودعها في مكتبة مدينة “لفوف” البولونية.
• تادايوش ليفيتسكي: تخرّج المستشرق “تادايوش ليفيتسكي” من معهد اللّغات الشرقية بجامعة جاجيلونا، وأكمل تحصيله المعرفي بجامعة باريس، ترأس قسم الدّراسات الشّرقية بجامعة كراكوفيا، واشتغل في وظائف أخرى لها علاقة بالبحث العلمي، كما أشرف على رئاسة تحرير المجلة الشرقية التي تأسست سنة 1958م، قدّم بحوثا كثيرة في تاريخ أوروبا الشرقية، وتعمّق في دراسة وتتبع التراث الإباضي حتى أحاط به، فدرس النّصوص المغربية المحفوظة في مكتبات بولونيا، وقام بجولات في المغرب وإفريقيا الغربية، واستقرأَ أعمال المستشرقين السّابقين له، فقام بدور تكميلي لأعمالهم، أمثال “سموغوزفسك”، و”مباسيه”، و”موتيلانسكي”، و”ماسكريه” وغيرهم، بل إنّ التراث الذي جمعه “موتيلانسكي” من المخطوطات والوثائق وضع يده عليه، وأضاف إلى بحوثه دراسات قيّمة عن تاريخ ورجال المذهب الإباضي تتميز بالجدية والمنهجية والبحث والمقارنة.
• زيارته منطقة ميزاب: شملت زيارة ليفيتسكي جميع دول المغرب بما فيها الجزائر التي حلّ بها في شهر أوت سنة 1936م، كان مبتغاه من هذه الجولة القيام بتحريات تاريخية حول ماضي إباضية شمال إفريقية، وقد سجل معلومات كثيرة ومرضية حسب تعبيره، وأحسن ما ظفر به هو بعض المخطوطات والمطبوعات النادرة، من بينها “الرسالة الصفية” في بعض التواريخ، للشيخ محمد اطفيش، ورسالة “سلم العامّة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدّين”، للشّيخ عبد الله بن يحي الباروني النّفوسي، وكتاب “الأمة “، للشيخ عبد الله بن حميد السالمي العماني، لم يشر إلى جميع ما وقعت يده عليه، والظاهر أنّ عددا لابأس به من المخطوطات والوثائق اُستُنسِخت له مدة إقامته في وادي ميزاب، وهو يرجع الفضل في نجاح رحلته إلى بعض المستشرقين الذين مهدوا له الطريق أمثال (م.ميشلكسي)، ولاريب أنّ حصول هؤلاء المستشرقين على هذه الذخائر بيسرٍ إنّما يرجع لإدارة الاحتلال الفرنسي التي سعت لإفراغ المكتبات والخزائن من المخطوطات والوثائق، كما أن ّجزءًا من هذه المؤلفات الخطّية سُلمت لهم من قبل شيوخ المنطقة، يذكرُ “ليفيتسكي” أنّ نسخة من “سير مشايخ المغرب” لأبي الربيع الوسياني، سلَّمها “داود بن بكير” قاضي الإباضية بغرداية إلى المستشرق البولوني “سمو غورزوفسكي” سنة 1913م، والذي طلب منه أيضا أن تُنسخ له مع مؤلفات أخرى تخص تراجم إباضية.
• قراءة موجزة في أعماله: انصبت أعمال “ليفيتسكي” حول الدّراسات الشرقية، وخاصّة تاريخ أوروبا الشرقية، وقدّم أبحاثا قيمة عن البربر والتراث الإباضي بلغت أزيد من ثمانية عشر بحثا، تندرج في ناحيتين:
1: دراسات اثنوغرافية: ميدانية وتحليلية لعادات وقيم البربر والمجتمع الإباضي نشرها في مجلات مختلفة، من بينها: دراسة حول نصوص بربرية قديمة غير منشورة نقلا عن تاريخ إباضي (الدراسات الإسلامية سنة 1934م)، والتوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية في إفريقيا الشمالية في القرون الوسطى (النشرة الإفريقية سنة 1936م)، ومنوعات بربرية إباضية سنة 1936م، وتقسيم الإباضية (الدراسات الإسلامية سنة 1958م)، وأنباء وسحرة لدى البربر في العصر الوسيط (الأوراق الشرقية سنة 1967/1965). وعقيدة الإباضية في شمال إفريقيا عن نهاية العالم (محاضرة قدمها في المؤتمر الدولي الخامس لمستعربي وعلماء الإسلاميات سنة 1970م)، وأصول المذهب الإباضي بإفريقيا الشمالية وفروعه الثانوية، وأصول الإسلام في قبائل بربر الصحراء المغربية سنة 1971م، وعالم البربر في نظر الكتّاب العرب، بحث قدمه في مؤتمر البحر المتوسط سنة 1973م. وشاعرية بربر العصر الوسيط (الأدب الشرقي سنة 1974م).
2: دراسات بيبليوغرافية: من أهم أبحاثه دراسته البيبليوغرافية التي نشرها عن المؤرخين الذين كتبوا في تاريخ الإباضية، تميزت بالاستفاضة والوصف التحليلي، واحتوت جداول بأسماء المؤرّخين، وكتّاب السير، والرّواة الإباضيين في إفريقيا الشمالية من القرن الثامن إلى القرن السادس عشر ميلادي، ويرجع السّبق في التعريف بالمؤلّفات الإباضية إلى الشيخ أبي القاسم بن إبراهيم البرادي (من علماء القرن التاسع الهجري)، فهو أوّل من وضع بيبليوغرافيا تعريفية بأهم المصنفات الإباضية في المشرق والمغرب، استقصى فيها ما علمه منها، أو بلغ مسامعه، أو وقف عليه، نشر نصّها الدكتور عمار طالبي تحت عنوان “رسالة فيها كتب أصحابنا الإباضية”، ورسالته تختلف عن عمل ليتفيسكي من حيث أنّه لم يترجم للعلماء، وإنّما اكتفى بذكر مصنفاتهم، وبالعودة إلى بيبليوغرافيا ليفيتسكي (المؤرخون الإباضيون)، فإنّنا نجدها تتسم بالمنهجية العلمية، والجدية في الاستقصاء، اشتملت تراجم لأعيان المذهب الإباضي إضافة إلى تتبع آثارهم العلمية، اعتمد فيها على مصادر مخطوطة قال: إنّها «نادرة جدا إجمالا، وتعود مخطوطات هذه المصادر وطبعاتها التي استعملتها إلى المجموعة الإباضية التي جمعها “سموغورزفسكي”، وهو دارس بولوني للإسلاميات قبل سنة 1927م، وكانت هذه المجموعة المهمة موجودة في lwow، غير أنّها تبعثرت، أو أتلفت خلال الحرب الأخيرة»، والقائمة الاسمية التي أوردها للشيوخ الإباضيين جاءت متنوعة، ركز فيها على المؤلفين الذين كتبوا في التاريخ ، وأَولَى اهتماما كبيرا ببعض المؤلفات من حيث وصف محتوياتها، وأهم النسخ الخطّية، وأماكن تواجدها، وأهم الدراسات التي نسجت حولها، ومصادر النّقل التي اعتمدها كلّ مؤلف. لا يمكنني أن أعرض جميع من عرّف بتراثهم، وإنّما اكتفي بالبعض، من بينهم: أبو عمار عبد الكافي التناوتي الورجلاني، عالم له بصماته في علمي الكلام والجدل، وفي تنظم المجتمع الإباضي، وإليه يرجع الفضل في إعداد نظام خاص بالحلقة. تحّدث البرادي عن مؤلفاته في رسالته التي أشرت إليها، وأضاف تفاصيل عن جزء من تفسيره للقرآن وجده في بلدة أريغ سنة 266 هجرية، يشتمل سورة الفاتحة وسورة البقرة وآل عمران، وذكر بأنّه لم ير أضخم منه، ولا أبلغ منه في إعراب، ولا في لغة، ولا في تصريف، ولا في فقه، ولا في اختلاف في قواعد الدين، ثم عقّب قائلا: «ومن ضعف بخت أهل المذهب التغافل عنه، حتى اندرس وذهب، ولم توجد عندهم نسخة واحدة». وفي معرض حديثه عن أبي العباس الدرجيني صاحب كتاب “طبقات المشايخ”، رجّح أن يكون تاريخ تأليفه حوالي 650هـ، وقال بأنّ كتابه يحظى بمكانة محترمة في الأدب الإباضي، وفي تعريفه بأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السّدراتي الورجلاني، نوّه بكتابه الكبير “ورجلان وسدراتة ووادي ريغ”، وهو من المؤلفات الضّائعة، وأثناء سرده لحياة يحي بن أبي بكر الورجلاني، مؤلف كتاب “السيرة وأخبار الأئمة”، قال بأنّ حولياته تضيف معطيات هامة عن بداية تطور المذهب بالمغرب. كما ترجم لابن الصغير، المؤرخ الذي عاصر الدولة الرستمية وأرّخ لها، وهو وإن لم يكن إباضي المذهب، غير أنّه أورده باعتبار أنّ تأليفه المسمى”أخبار الأئمة الرستميين”، أقدمُ وثيقة كتبت في تاريخ الدولة وأئمتها، فهو من حيث القيمة يعتبر تاريخا قصصيا أكثر منه سياسيا، أو دراسة أحادية عن تاهرت الإباضية في حياته المؤلف، اعتمد في تصنيفه على الرّواية الشفوية، والمشاهدة العينية، وسبق أن نشر خلاصته “موتيلانسكي” في المجلة الأفريقية سنة 1885م.
ختم ليتفيسكي كتابه بملحق إحصائي لمصنفات إباضية ذات محتوى تاريخي أو سيري لمؤلفين مجهولين، أتى على ذكر عشرة منها، ومن الأعمال التي أشار إليها رسالة بعنوان “أسماء بعض شيوخ الوهبية”، رجّح أن يكون تحريرها يرجع إلى بداية القرن السابع الهجري، تتضمن أسماء الأعلام البارزين، طبعت على الحجر بالقاهرة ،كملحق لكتاب السير.
• اهتمامه بكتاب السّير للشماخي: اهتم”تادايوش ليفيتسكي” بدراسة محتوى كتاب السّير للشماخي، اعتمادا على نسخته المطبوعة على الحجر بالقاهرة سنة 1883م، فترجم له وتتبع آثاره، وتحدث مطولا عن كتابه، «الذي لا يحتوي على قيمة تاريخية للبدايات الأولى للإسلام والمذهب الإباضي فحسب، وإنما كذلك معرف تاريخ إفريقيا ودراسة العنصر الأمازيغي»، واستعان برأي الشيخ محمّد بن يوسف أطفيش، الشهير بالقطب (المتوفى سنة 1914م)، في تحديد أصل آل شماخ نقلا من رسالته، ولعله يقصد رسالته (الشافية في تاريخ ميزاب وأنساب بعض قبائله)، فقال: «هو يفترض أنّ النسبة مستمدة من اسم “شماخ”، وهو جبل يدخل في عداد جبل نفوسة، وذكر بأنّ هذه الفرضية يميل إليها معاصره سليمان بن عبد الله الباروني»، وأشار إلى أنّ الشيخ اطفيش أورد شجرة نسب فرع من عائلة آل شماخ، وهو عبد الواحد الشماخي، وأوصل نسبه إلى صفوان بن حمير بن سبأ، ثم سجّل ملاحظة فيها همز لما أورده الشيخ اطفيش، حيث أضافه إلى النّسابة المجهولين، فقال: «والملاحظ بشكل جلي أنّ النّسابة المجهولين يبذلون قصارى جهدهم لإيصال هذه الشجرة إلى أصول يمنية، على الرغم من ورود بعض الأسماء الأمازيغية».
تحدث ليفيتسكي عن عائلة الشماخي، وخلُص إلى أنّها أسرة أنجبت الكثير من المشاهير، وأنّه لا يعرف عن حياته الكثير، واقتصر على ذكر تعلّمه وشيوخه وأعماله، ورغم اعترافه بشح المعلومات، غير أنّه توسع في الكلام عن أهم مؤلفاته، “كتاب السير”، من المصنفات الهامة بالنسبة للتصنيف السياسي والاجتماعي والدّيني، ومن أشمل المصادر في تاريخ وتراجم إباضية إفريقيا الشمالية.
كتب الشماخي تأليفه بمنهجية لا تقتصر على عرض الأخبار والأحداث المأخوذة من أمهات كتب الإباضية، وإنّما أخضع مضمونها للمقارنة والمقابلة ، ولاحظ ليفيتسكي أنّ الكتاب يتضمن أولا التاريخ القديم لإباضية الشرق، وثانيا وهو الأكثر أهمية، فترات تاريخية لإباضية المغرب، كما لاحظ أنّ أسلوب المؤلف يتميز بقدر من الإتقان، استطاع أن يتفوق به على باقي الحوليات الإباضية المنتمية إلى شمال إفريقيا، باستثناء طبقات أبي زكرياء الدرجيني، لأنّه اعتبر ما فعله الشماخي لا يعدو كونه تلخيصا لحولياته، استعان فيه بمصادر قديمة، من نوادر المصنفات العتيقة في الثقافة الإباضية، إضافة إلى مصادر لعلماء من خارج المذهب، مثل: حولية ابن الصغير، وتاريخ المسعودي، وكتاب إسحاق إبراهيم بن القاسم الرقيق، المسمى”تاريخ وأنساب البربر”.
للموضوع مصادره

عن المحرر