الرئيسية | حوار | في حوار لا تنقصه الصراحة مع جريدة «البصائر» الأستاذة الدكتورة فريدة بلفرّاق: / الجزائر الجديدة لا يمكن بناؤها بوجـوه تقليدية ولا بمناهج تقليدية أو مستعارة

في حوار لا تنقصه الصراحة مع جريدة «البصائر» الأستاذة الدكتورة فريدة بلفرّاق: / الجزائر الجديدة لا يمكن بناؤها بوجـوه تقليدية ولا بمناهج تقليدية أو مستعارة

حاورها: حسـن خليفة /

 

الحديث مع أستاذة جامعية ومحامية وناشطة سياسية وقانونية واجتماعية ليس بالأمر السهل؛ حيث تمتد آفاق الحوار إلى عدد من الحقول والميادين: الجامعة، الشأن السياسي(الشأن العام)، المجتمع المدني، الحراك الشعبي الكبير، الجزائر الجديدة، أدوار النخَب وواجباتها …ومع ذلك فقد اجتهدنا في تلمّس ما يجب من القضايا من خلال هذا الحوار الصريح للغاية مع الأستاذة الدكتورة فريدة بلفراق، على أمل الاقتراب ـ أكثر فاكثر ـ من نُخبنا الفكرية والدينية والقانونية، على طريق معرفة آرائها والاستفادة من أطروحاتها وأفكارها في بناء الوطن، وتصويب اتجاه الحركة فيه، وهو في خضم ولادة جديدة حتمية، تحاول كثير من الأطراف التحكّم فيها، ولكن أقدار الله غالبة ..وإلى الحوار.

• بدأنا الحوار كالعادة بطلب التعرّف على الأستاذة بلفرّاق ..فكان الجواب مختصرا:
– فريدة بلفراق، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة باتنة (واحد 1)، أعمل أيضا كمحامية.
* كأستاذة جامعية كيف تنظرين إلى الجامعة الجزائرية أداء، ومستوى، وبحثا؟
-الجامعة الجزائرية فقدت بوصلتها منذ إدخال نظام ل.م.د عام 2004، رغم رفض الكثير من الأساتذة وتحذيرهم من دخول المنظومة الجامعية في هذه المغامرة التي كانت تحمل بذور فشلها(منذ البداية).
وقد تأكد ذلك الخطأ بعد سنوات من تعنت السلطة في المُضيّ قُدُما بهذا المنهج المُستعار من بعض جامعات الغرب التي تختلف أسباب وأهداف تبنيها لهذا النظام عن الجزائر تمام الاختلاف، والدليل على ذلك التصريح العلني الذي قدمه وزير التعليم العالي الأسبق الطاهر حجار واعترافه بفشل تطبيق برنامج نظام ل.م.د بعد حوالي16 سنة.
* وماذا عن الجانب الأكاديمي ..والتحصيل العلمي؟
-أما فيما يخص البحث الأكاديمي والتحصيل العلمي والتفوق الدراسي، فإننا أمام كيان محطم وبناء مهدّم ووضع مزر للغاية، تعيش الجامعة الجزائرية أتعس مراحلها التاريخية؛ من انتشار واسع لثقافة الغش، والسرقات العلمية، واستيلاء الفاسدين والضعفاء على مناصب المسؤولية، فضلا عن إسهام عدد كبير من الأساتذة في تردي المستوى العلمي والبيداغوجي؛ بسبب مستواهم العلمي والفكري المتدني، أو انعدام الوعي لديهم، والقيام بتصرفات مُشينة تمس بالدرجات العلمية التي يحملونها، وكانت السبب في إسقاط حاجز الاحترام لدى الطلبة وضرب القيم وازدراء المقامات. كما لم تبق هناك حُرمة للحرم الجامعي، بعدما أصبح الطلبة يعتنقون فوضى اللامبالاة والاستهتار بالدراسة والتطاول على الأساتذة، وقد وصل الوضع إلى التهديد أو الضرب في بعض المناسبات الامتحانية، بسبب منعهم من الغش أثناء الاختبار…الخ .
* لديك منشورات متعددة هل يمكن أن تحدّثينا عنها؟
– – نشرت بعض الكتب، منها:
1- كتاب الوجيز في الاقتصاد السياسي، موجه لطلبة السنة أولى حقوق وعلوم سياسية وأدرجت فيه الفكر الاقتصادي عند المفكر مالك بن نبي ورؤيته الاقتصادية.
2- كتاب في المجال الحضاري، عنوانه: معضلة الحضارة بين الغرب والعالم المتخلف.
3- كتاب في القانون الدولي، في موضوع «حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية» .
4- كتاب في القانون الدولي، بعنوان «حق تقرير المصير في ظل الارعاب الدولي».
5- كتاب عبارة عن دراسة علمية موثقة عنوانه: «الارعاب الدولي بين التعريف والتصنيف» (في القانون الدولي والتشريعات الوطنية)..تضمن الكتاب، مفهوم «الارعاب» في الفقه والقانون الدوليين، ودراسة ميدانية بعيّنات فاقت من حيث العدد والمراكز، دراسة قام بها أساتذة من إحدى الجامعات الغربية. كما تناولت فيه موقف التشريعات المقارنة من ظاهرة الارعاب وكذا الارهاب بين المفهوم والتمييز.
– كما نشرت دواوين شعرية، باللغة العربية: – كوكتال السياسة.- همسات الوطن. وباللغة الفرنسية، ديوان عنوانه: Amour et Terrorisme. وهناك كتب أخرى للطبع.
* تابعتِ ـ كما تابع الجزائريون والجزائريات ـ الحراك الشعبي الكبير الذي امتد على مدى شهور طويلة …كيف تنظرين إلى ذلك وكيف تقيّمينه؟
-الثورة الشعبية السلمية أو حراك 22/ فبراير 2019، يعَدُّ حدثا تاريخيا مهما بالنسبة للشعب الجزائري، من أجل التغيير الصحيح لنظام أثبت فشله في تسيير البلاد، وأظهر فساده بتدميره للاقتصاد الوطني؛ من خلال العصابات الناهبة لثروات الشعب والخادمة لمصالح الاستعمار القديم الجديد. فالحراك هو من قلب الطاولة المستقرة من موقعها منذ الاستقلال المسروق، وخلط أوراق الأيادي الداخلية والخارجية، وأربكهم أمام العالم، ولو لمدة معينة عندما كان في أوجّه عبر المسيرات المليونية المكتسحة ولايات الوطن، قبل اجتياح وباء الكوفيد 19 والدخول في الحجر الصحي الوطني واستغلال السلطة للوضع.
ومع ذلك، فإن جذوة الثورة السلمية لن تنطفئ، وستستمر إلى غاية تحقيق المطالب الشرعية وأولها وأهمها استرجاع السلطة للشعب، لتحقيق كرامة المواطن وهيبة الجزائر وإعادة بناء دولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية التي ضحى من أجلها الشهداء الأبرار.
وينبغي الاعتراف بأن شباب جزائر اليوم غير شبابها في مراحلها الماضية، في ظل الرقمنة، ووسائل التواصل المكتسحة للبيوت والعقول، والتي أصبحت تمثل سلطة إعلامية موازية لإعلام الدولة الكلاسيكي والمُسيَّر من السلطة، بل تفوقها؛ من حيث تحيين الأحداث وتأثيرها في الأوساط الاجتماعية، نظرا لسرعتها في البث والانتشار بالصور والفيديوهات الفاضحة للظلم والفساد والوقائع، وهذا ما يشكل قوة دفع وتعزيز للحراك الذي لن يموت كفكرة وممارسة، مهما طال عمر هذا النظام. إنها سُنّة كونيّة في التدافع وتطور الأجيال وتعاقبها وتداولها على الحكم والتحكم في مصيرها، التي يتعنت عن فهمها والتسليم لمشيئتها وعدم الاعتراف بها عجزة النظام من عهد 1962 حينما كانوا شبابا لمّا تولوا السلطة، التي احتكروها لأنفسهم (وأقربائهم)؛ منذ شبابهم إلى شيخوختهم وهذا ضرب من الجنون والخروج عن جادة الصواب.
* حيث إننا في أفق «الجزائر الجديدة» بعد حراك مبارك عميق …كيف نبني هذه الجزائر وننتقل إلى أفق آخر أفضل؟
– فلنكن صرحاء … الجزائر الجديدة لا يمكن بناؤها بوجوه قديمة أو بمناهج تقليدية مستعارة من الشرق أو من الغرب، الجزائر الجديدة تعني العودة إلى الذات وإزالة الأخشاب البالية وتنظيف الساحة السياسية من الطحالب والأعشاب الضارة المتسلقة والمتعفنة. الجزائر الجديدة ملامحها نظيفة ومشرقة، قواعدها صلبة، انطلاقاتها مباركة وصحيحة، من صنع علمائها ومفكريها وخبرائها المنتشرين هنا وهناك من أبنائها الصادقين والمخلصين في حمل رسالة بناء دولة العلم والكفاءات والتخطيط المبني على الخبرة والأفكار النيرة.
* في حوار مع أكاديمية وناشطة لا يمكن أن نغفل الحديث عن أحد أكبر التحديات التي تواجه وطننا وهو «الفساد» ..ماذا لديك لتقوليه في هذا الشأن دكتورة؟
-الفساد في الجزائر جزء من خطة تدميرها، تم التخطيط له بمنهجية مُحكمة بعد الخروج العسكري للاستعمار الفرنسي مباشرة، مما أدى إلى انطلاقة غير صحيحة لبناء الدولة التي أسست قواعدها على الأشخاص لا على المؤسسات، وبالتالي كانت السيرورة خاطئة والمآل هو الاخفاق على جميع المستويات تقريبا: الاقتصادية، والتربوية، والاجتماعية، والسياسية أيضا. مما ترك الفرص وأبواب النهب والفساد مفتوحة على مصراعيها للعصابات ولصوص الوطن.


* من المسئول عن كل ذلك؟ وهل يمكن أن نعفي الشعب وخاصة النخب العلمية والقانونية والسياسية من المسؤولية؟
-هناك عوامل كثيرة مساهمة في الأوضاع السيئة المشهودة في حياة الدولة الجزائرية:
– أولها وأخطرها، النظام السياسي صاحب النظرة الأُحادية التي تبناها ومارسها من حكموا البلاد منذ الاستقلال، تحت شعار الشرعية الثورية والتاريخية وأعقبها نظام بوتفليقة لعشرين سنة والذي أسس لإمبراطورية النهب، وكل أنواع الفساد لتدمير الجزائر عموديا وأفقيا بدافع الانتقام.
– ثانيها، استمرار القابلية للخضوع أو كما سماها المفكر مالك بن نبي (القابلية للاستعمار) لشرائح واسعة من الشعب لأسباب كثيرة، لا يمكن شرحها هنا.
– ثالثها، النخب، على تنوعها وأشكالها، ممن يُمثلون افتراضا صفوة ومنارة المجتمع، عندما فقدت هيبتها ومكانتها على إثر تهميشها المقصود والمُبرمج من ناحية، وعزل نفسها لعدة أسباب من ناحية أخرى. فضلا عن مأساة الارعاب المادي والمعنوي والفكري الذي تعرض له المواطن طوال هذه العقود. وهذا يقودني إلى القول بحزم وتأكيد:
– إن صناعة النخبة مرهون بإعادة صناعة الإنسان في المجتمع الجزائري وقبلها إعادة النظر في كل المنظومات السياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعة، بمعنى تغيير النظام جذريا من الأساس، وهذا يتطلب وقتا وجهودا كبيرة لاستعادة ما ضاع من القيم الإنسانية والأخلاقية التي تنظم وتؤطّر المجتمع، ومن ثم يمكن الانطلاقة الصحيحة لبناء جزائر جديدة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
* ماذا عن المجتمع المدني …؟
-بالنسبة لحركة وتكتلات المجتمع المدني، ينبغي أولا فهم ما معنى المجتمع المدني وما هي أدواره والأهداف المنوط به تحقيقها، وهو ما تفتقده جمعيات ومنظمات ونوادي المجتمع المدني في الجزائر، لأنها بصراحة تم إنشاؤها من طرف السلطة لخدمتها سياسيا ولا علاقة لها بالمجتمع، والأصل فيها التقيد بالمهمات الأساسية لهذه التكتلات المتنوعة التي سرعان ما تظهر بقوة وانتشار واسع في المناسبات الانتخابية، وهي في مفهومها الصحيح ذات طابع لصيق بالمجال الاجتماعي والتربوي والثقافي وحماية المواطن والسهر على توصيل معاناته ومشاكله للمسئولين على هذه القطاعات. بمعنى العمل السياسي خاص بالأحزاب السياسية وليس بحركة المجتمع المدني.
• كلمة أخيرة
-الكلمة الأخيرة، الجزائر أُمّنا جميعا وهي في أمَسِّ الحاجة إلى أبنائها الأبرار لإنقاذها من مخالب الاستعمار القديم-الجديد وتخليصها من أيادي الخيانة والعبث، كما أنها تدعو محبيها إلى الاتحاد ولم شمل فلذات أكبادها للوقوف في جبهة واحدة، لتجنب كيد العاملين على تفريق الإخوة وتشتيت قوتهم وهدفهم المشروع، تحت تأثير نظرية «فرق تسد» القاتلة والمستمرة من أعداء الداخل والخارج إلى اليوم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

البصائــــر فـي حــــــوار مــع الـمجـــاهــــد الدكـتـــــور محمـــد عــريـــــف/ سجلت أكثر من 45 براءة إختراع داخل و خارج الوطن

أجرى الحوار: الدكتور عبد الحق جبار/   في حي اسكندر باشا من بلدية الفاتح باسطنبول …